عادل إمام.. أسطورة فن التمثيل وزعيم المشاغبين العرب

الأحد 2013/12/15
معجزة عالم التمثيل في العالم العربي

لندن - أكثر عمل مسرحي متلفز تمت إعادة مشاهدته مرارا وتكرارا لدى الجمهور العربي هو “مدرسة المشاغبين” المسرحية التي قدّمت ولأول مرة نجومية عادل إمام، حين أعطاه الكوميديان العظيم عبدالمنعم مدبولي الفرصة ليعرض قدراته بين منافسين صنعوا وجه السينما المصرية في عشرات السنين التالية بعد أن تخرجوا من صف المشاغبين.

صحيح أن استعراض القدرات الكبير الذي تم في “مدرسة المشاغبين” كان قد قدّم النجوم للساحة الكوميدية المصرية، ولكنه لم يقدّم هذا فقط، بل بدأ بخرق الشخصية المتجهمة المصرية التي عاشت عهد الناصرية والستينيات، وأسس للتمرد على تعليمات الصف و”ناظر المدرسة” ومن بين التلاميذ المختلفين بشخصياتهم واهتماماتهم، برزت شخصية “الزعيم” عادل إمام والذي التصق به هذا اللقب في السنوات الأخيرة بعد أدائه دوره في مسرحية الزعيم، التي يسخر فيها من الدكتاتور العربي بشكل عام، ولكن عادل إمام كان قد غنّى في مدرسة المشاغبين قبل اكثر من اربعين عاماً أغنيته “أنا الزعيم الأباصيري” فكان يبحث عن تلك الزعامة التي حققها بجدارة بين ممثلي الإضحاك العرب، فتحوّل إلى أسطورة في فن التمثيل، وعلم الحركات، والتأثير، والقدرة على اجتذاب الملايين بإشارات بسيطة من عضلات الوجه.

ولد عادل إمام في العام 1940، في قرية بسيطة من قرى الدقهلية، ثم انتقل مع أسرته إلى حي السيدة زينب في القاهرة، فعاش في حاراتها وتعلّم من أهاليها، وكان والده عاملاً في أحد مصانع القطاع العام المصرية، ولم يعرف اهتمامه بالتثميل حتى المرحلة الجامعية حين درس الهندسة الزراعية، وأثناء ذلك كان يمثل على خشبة مسرح الجامعة في الستينات، فالتحق بفرقة التليفزيون المسرحية في العام 1962 حين شارك بأدوار صغيرة، وانتبه إلى موهبته عبدالمنعم مدبولي الذي كان أستاذ الجميع في الكوميديا، وكثيرا ما أطلق عليه المؤرخون لقب “تشارلي شابلن العرب”، ولذلك فقد اهتمّ بموهبة عادل إمام ودعاه للعمل معه في أكثر من عمل، فشارك في مسرحية “أنا وهو وهي” في العام 1962 بدور “دسوقي أفندي”، ثم مثّل في مسرحية النصابين في العام 1966 على مسرح الحكيم، ومسرحية البيجامة الحمراء في العام 1967، مع أبو بكر عزت وسعيد صالح، ثم قدم مسرحية “مدرسة المشاغبين” التي استمر عرضها من عام 1971 إلى 1975.


بعد تخرّجه من مدرسة المشاغبين


كان لسطوع نجمه في تلك المسرحية، أثر بالغ على طريقة إدارة عادل إمام لموهبته، فقد قرّر منذ تلك اللحظة أن يعمل منفرداً وبعيداً عن أي منافسين، فقدّم مسرحيته “شاهد مشافش حاجه” التي استمر عرضها سبع سنوات متواصلة، ثم “الواد سيد الشغال” في العام 1985 واستمرت الى العام 1993، ومسرحية “بودي جارد”، من العام 1999.

وبدءاً من العام 1972 بدأت تسند إليه أدوار البطولة في الأعمال السينمائية، وفي الوقت ذاته قدّم أعمالاً تلفزيونية رفعته إلى المرتبة الأولى بلا منازع فكانت أعمال الجاسوسية “دموع في عيون وقحة” و”أحلام الفتى الطائر”، فبدأ بفيلم “البحث عن فضيحة“ مع ميرفت أمين وسمير صبري و”عنتر شايل سيفه“ مع نورا و”البحث عن المتاعب“ مع محمود المليجي وناهد شريف وصفاء أبو السعود.

ثم جاء فيلم” إحنا بتوع الأتوبيس” الذي انتقد بشدّة المرحلة الناصرية وانتقل بعادل إمام من مرحلة تقديم الأعمال المضحكة إلى تقديم الأعمال ذات المحتوى السياسي الرفيع، وحقق الفيلم أعلى الإيرادات في موسم العام 1978، فوجد عادل إمام نفسه نجماً أوحد في الساحة المصرية، رغم وجود كبار الممثلين وفتيان الشاشة، إلا أن عادل إمام كان يشق طريقه بفضل عوامل لا تتوافر لدى محمود ياسين وسعيد صالح ونور الشريف وحتى أحمد زكي ومحمود عبدالعزيز، فقد امتلك عادل إمام إضافة إلى الحضور الكاريزمي الخاص، وهو ما لا يد لعادل إمام فيه، أما تدخّله الكبير فقد كان في تثبيت قدراته على التأثير في المشاهد، عبر عدد من الحركات والتعابير أنشأت صداقة خاصة حميمة مع المشاهدين العرب، وهي ليست أكثر من ست أو سبع ملامح وانفعالات في الوجه، ولكن عادل إمام وظّفها بعبقرية فذّة، وتمكن من المحافظة عليها منذ أول ظهور له وحتى أحدث أعماله على طول السنوات الماضية.

في أفلامه يمكن العثور على الفقراء والفلاحين والطلاب والشرفاء والنصابين ومدمني الكحول والمخدرات والسياسيين والإرهابيين


عادل إمام والشخصية المصرية


لم يترك عادل إمام أي نموذج مصري دون أن يتقمّصه في أحد أدواره، فمن الفلاح البسيط إلى رجل الأعمال الفاسد، إلى المحامي الفهلوي إلى الانتهازي والفنان والعالم والطالب، فكانت مرحلة أفلام “المتسول“ و”كراكون في الشارع“ و”احترس من الخط“ و”خلي بالك من عقلك“ و”خلي بالك من جيرانك“و “شعبان تحت الصفر” “البعض يذهب للمأذون مرتين“، و”الأفوكاتو“ و”حب في الزنزانة“ مع سعاد حسني و”الهلفوت“ و”حتى لا يطير الدخان مع سهير رمزي” و”الغول“ مع فريد شوقي، و”النمر والأنثى“ و”المولد“ و”حنفي الأبهة“.

وحين التقى عادل إمام مع الكاتب وحيد حامد والمخرج شريف عرفة، بدأت مرحلة جديدة من عمره الفني، فأصبح الفيلم رسالة قصيرة ومكثفة، ولكنها شديدة الحرارة، ويضفي عليها عادل إمام بحضوره الساحر كل ما يلزمها لتصل إلى الملايين، فأطلق أفلام”الإرهابي“ و”الإرهاب والكباب“ و“المنسي“ و”طيور الظلام“.

في أثناء ذلك، لا يتردد عادل إمام في المشاركة بأي عمل مهما كان مختلفاً عن خطّه السابق، فشارك في فيلم “عمارة يعقوبيان“ وكانت مشاركته غير كوميدية ولاقت إعجاب المشاهدين والنقاد في فيلم صعب درامياً، ولكن عادل إمام يعرف تماماً أن خزانه الكبير في أفلام البسطاء والقاعدة الشعبية الكبيرة لجمهوره تريد منه أن يقدّم لها أفلاماً من نوع “مرجان أحمد مرجان“ و”حسن ومرقص“ و”بوبوس“ .

تمكن عادل من التربع على عرش النجومية منذ اللحظة الأولى التي ظهر فيها وحتى الآن دون أي منافس.. الأمر الذي عده النقاد معجزة في عالم التمثيل


قضايا عادل إمام


لا يظهر عادل إمام مجرد ممثل يحرص على الربح المادي، فقد تجاوز هذا منذ زمن بعيد، وهو يدرك أن أياً من أعماله ستنجح بالضرورة مالياً، ولكنه استمر بالبحث عن مكونات لذلك النجاح، فكان من ثوابت الأفكار عند عادل إمام، سخريته الشديدة من المتطرفين الإسلاميين، وإصراره على تقديم الحرية في الحياة الخاصة، في جميع أعماله، فنادراً ما يخلو فيلم لعادل إمام من مشاهد “الإثارة” والتي من أجلها تشارك النجم الكبير مع ممثلات في أعمال عدّة، كيسرا ولبلبة وشيرين، بالإضافة إلى ذلك، كان حريصاً على تقديم أفكاره عن التسامح والتعايش ما بين المسلمين والمسيحيين، وقد استشار البابا شنودة في أداء دور قسيس قبطي في فيلم حسن ومرقص، مما تسبب له بموجة من الانتقادات، كونه لم يستشر أياً من مشايخ الأزهر في أداء أدواره التي تناولت الإسلاميين، وفي العام 2011 قدم المحامي المصري “عسران منصور” دعوى إلى محكمة جنح الإسكندرية ضد عادل إمام وكاتب السيناريو وحيد حامد والمخرجين شريف عرفة ونادر جلال والكاتب لينين الرملي يتهمهم بازدراء الأديان السماوية والسخرية من المقدّسات ورجال الدين في أعمالهم الفنية، مثل أفلام “حسن ومرقص“و “مرجان أحمد مرجان“ و”الإرهابي“ و”الإرهاب والكباب“ و”عمارة يعقوبيان“، ومسرحيتي “الزعيم” و”شاهد ماشفش حاجة“، وفي 2 شباط ـ فبراير من العام 2012 ، قضت محكمة جنح الهرم في القاهرة بحبس عادل إمام ثلاثة أشهر ودفع غرامة قدرها 1000جنيه، بتهمة ازدراء الدين الإسلامي من خلال أعماله الفنية السينمائية. وصدر الحكم برئاسة المستشار محمد عبد العاطي، دافع عادل إمام عن نفسه، وأعيدت المحاكمة وقررت محكمة جنح العجوزة عدم قبول الدعوى المقدّمة ضد عادل إمام ووحيد حامد وشريف عرفة ونادر جلال ولينين الرملي بشقيها المدني والجزائي، وفي 12 أيلول ـ سبتمبر من العام 2012 قضت محكمة الاستئناف ببراءة عادل إمام من تهمة ازدراء الأديان مصرحة أنها لم تجد في أعماله إساءة إلى الإسلام أو الديانات السماوية الأخرى، فألغت الحكم بالسجن وحكمت على المدعي بتعويض المصاريف.

لم يتحمّس عادل إمام للثورة المصرية في 25 يناير من العام 2011 رغم مسيرته النقدية الطويلة لكل أشكال الفساد في مرحلة عبدالناصر والسادات ومبارك، وبقي على الحياد حتى اتضحت الصورة، وعرف أن الغلبة ستكون لصالح الملايين من الناس، فأطلق تصريحات مليئة بالتناقضات من نوع ” الشباب لديهم مطالب” و” اندس بينهم مخربون” و”على الدولة أن تستجيب لمطالبهم وإلا المسائل حتبوز خالص!” و” لا يجب أن يتم تخريب وتدمير المنشآت” و” أنا قلقان على بلدي” و” أنا مش عارف اشتغل” و”لازم يكون في شباب في الحكومة وفي الحزب”.

فتمكن من عبور المرحلة الصعبة التي صنّفت النجوم والمثقفين إلى صنفين، مع الثورة وضدّها، وغفر له الجمهور علاقته مع أسرة مبارك، وكان صادقاً حين قال ” أنا قلت في أفلامي إن المعارضة إن لم تكن في مجلس الشعب فستنزل إلى الشارع".

قالت نجلاء فتحي عن عادل إمام: هذا كلام (أونطة) فمن يفهم في الدراما والفن سيكون واثقا أن أفلام عادل إمام لم تكن تظهر الفساد بقدر ما كانت أفلاما تدعو إلى الفساد وفيلم السفارة في العمارة دعوة للتطبيع مع إسرائيل


صهر الإخوان مع العسكر


وحين حكم الإخوان مصر بقي عادل إمام بعيداً عن الخوض في تفاصيل الإشكالات التي ظهرت إبان حكمهم، رغم أنه يرتبط معهم بصلة قرابة فكثيراً ما انتقد الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم علاقة عادل إمام بالإخوان وقال” إنه زوجّهم ابنته” ولكن حين تمرّد الشارع المصري من جديد ضد الإخوان ساند عادل إمام التمرّد ووقف إلى جانب عزل الرئيس مرسي وعبّر عن سعادته البالغة ببيانات القوات المسلحة، وقال: “مبروك علينا مصر التي عادت لنا مرة أخرى، مصر الطيبة المحمية بقدرة الله عز وجل، فشعب مصر عظيم ومبهر، وجيش مصر باسل وجسور”. مضيفاً إن “هذه هي الثورة الحقيقة غير المنتمية لأي حزب أو تيار بعينه، ولكنها ثورة كل أطياف المجتمع المصري، مبروك لشباب مصر على ثورتهم المبدعة التي أبهرت كل العالم”.

وكان من أبرز التعليقات على مواقف عادل إمام حديث الفنانة المصرية نجلاء فتحي التي سخرت من تصريحات عادل إمام بأن أفلامه دليل على ثوريته من خلال مناقشته لعديد من قضايا الفساد: وقالت نجلاء فتحي:”هذا كلام أونطة” فمن يفهم في الدراما والفن فسيكون واثقًا أن أفلام عادل إمام لم تكن تظهر الفساد بقدر ما كانت أفلامًا تدعو إلى الفساد وإلى مناصرة الفساد نفسه، والدليل أن فيلم (السفارة في العمارة) الذي سبق وأن قدمه عادل إمام منذ عدة سنوات قام بتوصيل رسالة من خلاله أن علاقتنا بإسرائيل هي الأفضل بالنسبة إلينا”.

وقالت نجلاء فتحي:” كان موقف عادل إمام خلال الثورة مخزيًا للغاية في ظل مساندته للنظام السابق، وهو ما كنت أندهش له نظرًا لأن عادل يعد نجمًا كبيرًا، وهو ما لم يستطع أحد إنكاره، ومن ثم فهو كان ليس بحاجة لكي ينافق الرئيس المخلوع مبارك وعائلته، بل بالعكس كان لزامًا عليه إما أن يقول للشعب أنا معاكم وإما أن يلتزم الصمت”.

وزار الفنان عادل إمام الفريق عبدالفتاح السيسي، وأعلن عن مناشدته له كي يترشّح للرئاسة، ودعا المواطنين المصريين إلى التصويت بـ “نعم” على دستور البلاد الجديد معتبرا أنه “يليق بمصر الجديدة”، وانتقد نتيجة استفتاء مجلة “تايم” الأميركية حول شخصية العام، التي اختار قراؤها البابا فرنسيس شخصية العام 2013 الأهم، بعد منافسة شارك فيها السيسي وبشار الأسد، ووصف هذا الاستفتاء بأنه “لا قيمة له”.

10