عادل الأسطة: هل كنا سنقرأ درويش لو لم يحدث ما حدث لفلسطين

الاثنين 2015/03/09
عادل الأسطة: إن أكثر الأشياء تأتي متأخرة حقا

الدكتور عادل الأسطة أستاذ الآداب بجامعة النجاح الوطنية، والكاتب والناقد الفلسطيني الذي ولد في مخيم عسكر في نابلس عام 1954، وأنهى الدكتوراه من جامعة بامبرغ في ألمانيا في 1991، يرى أنّ علاقة الأدب بالسلطة علاقة تناغم وانسجام أو علاقة تنافر وخصام، أدباء يسيرون في فلك السلطة يتناغم خطابهم وخطابها ويتماثل، وأدباء يرفضون خطاب السلطة وينقضونه مستذكرا مقولة ماركس “تأثير الموقع على الموقف”. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب.

من آمن بالحزب فالجنة مأواه، وويل للمارق، فالسلطات العربية تعدمه قدّام الدنيا قاطبة، بهذه الكلمات يفتتح الكاتب والناقد الفلسطيني عادل الأسطة حديثه مع “العرب”، عن قرار منعه مرارا من السفر، بناء على قرار باطنيّ من المؤسسة التي يعمل بها في الضفة الغربية بفلسطين، وعن هذا يرى أنّ الإنسان يُمنع من السفر إن اختلفت وجهة نظره مع المسؤول، وإن أيّده فيما يذهب إليه تلبّى الطلبات وتسهّل الملفات.

بأسى يتابع: أنّ هذا حدث ويحدث، وهكذا تكون إدارة المؤسسة على هيئة السلطة الأكبر، ليكون التماهي مع السلطة القائمة هو الطريق الوحيد الذي يحول دون إقصائك من كل شيء، وهكذا يتمثل الدكتاتور في شخص كل مسؤول، فالدكتاتور العربي كما يرى ضيفنا يتناسخ في من هو أقلّ مكانة منه ليغدو كل مسؤول دكتاتورا.


الرقيب السلطوي


يرى عادل الأسطة أنّ هناك مثقف سلطة تلبّى له شروطه كلها، وهناك مثقف لا يروق لها، فهو ليبرالي، إن جاز التعبير، وهذا الأخير حسب الأسطة يتمّ تحييده وإقصاؤه واستبعاده ليعيش حالة من الاغتراب.

الأسطة مشغول بالبحث عن صورة اليهود والعرب في الأدب، منذ أن أراد تتبع حكايته الخاصة وحكاية الصراع أدبيا

الأسطة الذي يعمل أستاذا في جامعة النجاح الوطنية منذ عام 1982، يؤكد أنّ ثقافتنا العربية حمّالة أوجه، ويحيل هذا إلى الخطاب الديني ليبرّر رؤيته، بأن أمامنا أكثر من إسلام واحد، وكل يبحث في النص الديني عمّا يؤيد وجهة نظره.

وهنا نجد من يؤيد النظام الحاكم في أيّ مكان جغرافي في خطابه ويدعو له، ويبرر سلوكه وممارساته، وعلى الضفة الأخرى نجد من يقف ضدّ النظام هناك، آتيا بأمثلة من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف داعما وجهة نظره.

في هذه النقطة تحديدا يعيد ضيفنا سرد متابعته لخطبة وزير الأوقاف الفلسطيني محمود الهباش الذي كان ساعيا إلى تبرير سلوك الرئيس الفلسطيني دينيا، مستحضرا أمثلة من القرآن والسنة والتاريخ ليدعو للرئيس، وعلى المقابل للوزير إسماعيل هنية الذي تابعه أيضا الأسطة فرآه يستحضر سيرة النبي الكريم والصحابة والتابعين في مسيرة حماس. هذه الصورة المتناقضة تختصر ثقافتنا وخطابنا الديني حمّال الأوجه، فكلّ يرى كما يريد على حدّ تعبير ضيفنا.

صاحب قصة الأشياء التي تأتي متأخرة نسأله عن تلك التفاصيل التي تأتي متأخرة عن موعدها عند الكاتب والناقد العربي، ليقول: إنها قصة كتبها عن علاقة رجل بامرأة خارجة من أزمة، حيث كان يحاورها على أساس إقامة علاقة معها، بينما هي تعمل بالمثل العامّي “خطبوها تعززت”، لتمرّ الأيام وتسوء ظروفها، فتعود وتنشد العلاقة في وقت كان الرجل قد غيّر رأيه كليّا في تلك المرأة، التي تمنّاها يوما، يتابع الأسطة جازما أنّ أكثر الأشياء تأتي متأخرة حقا.

حياة عادل الأسطة امتزجت بالقضية الفلسطينية

صاحب رواية “الوطن عندما يخون” يعلن أنّ روايته تلك تعرّضت للعطب من قبل الرقيب ليقوم الأسطة بطباعة مئة نسخة غير مشوّهة، ففي زمن الاحتلال العسكري للضفة الغربية كما يقول كان هناك رقيب عسكري يجيز النص أو يرفضه دون إبداء الأسباب، مع غياب الرقيب العسكري جغرافيا عن الضفة الغربية صار ضيفنا يعاني من الرقيب الأكاديمي، فغالبا ما يتمّ تشكيل لجان تحقيق حول اتهامه بمهاجمة المؤسسة.

فالرقيب السلطوي والأكاديمي متداخلان على حدّ سواء. والتشويه لمنتج الأسطة الأدبي لم يتوقف عند روايته تلك بل تعدّاها إلى كتاب نقدي حمل اسم “جدل الشعر والسياسة والذائقة، دراسة في ظاهرة الحذف والتغيير في أشعار محمود درويش”.


الوطن والأدب


ضيفنا متّهم بالكتابة عن تجاربه الشخصية وتحويلها إلى عمل أدبي وهو هنا لا ينكر ذلك بل يعترف أنّ هذا الكلام صحيح إلى حدّ بعيد، ولا يرى في ذلك منقصة أبدا بل يستغرب ممّن يكتب عن واقع لم يعشه أو مكان لم يزره.

حياة ضيفنا كما يصفها امتزجت بالقضية منذ أن بدأت مداركه فهو ابن مخيّم لأبوين من يافا، عاش سنواته الأربع الأولى في خيمة، وبعد ذلك تداخل في حياته الجانب الشخصي بالسياسي هذا التداخل واضح في نصّه “ليل الضفة الطويل” حين كانت الفصائل الوطنية تطلّق وتزوّج، والأمر لا يزال قائما تقريبا حتى اليوم، كما يكشف ضيفنا مستشهدا بكتاب محمد يوسف نجم “فن القصة”.

الأسطة مشغول بالبحث عن صورة اليهود والعرب في الأدب وهذا الأمر بدأ مبكرا لديه كما يقول، حين أراد تتبع الصراع أدبيا. وضيفنا يرى أن القضية لا تنحصر في أنّ الأدب يعيد ما فشلت فيه السياسة، بل إنّه صراع ثقافي بين روايتين وتصوّرين مختلفين للحكاية، ومن يكتب حكايته، على رأي محمود درويش، يرث أرض الكلام، والأسطة يحاول تتبع الحكاية في النصوص الأدبية.

عن ملاءمة البيئة العربية للإبداع في ظل ما يحدث اليوم يستحضر عادل الأسطة فورا جون رسكن الذي ذهب إلى أنّ الفن الجيّد هو الذي ينشأ في ظروف جيّدة، ليعارضه ديفيد ديتش في كتابه “مناهج النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق”، هنا يعيد ضيفنا إلى الأذهان صرخة محمود درويش: لا أريد أن أكبر على جراح شعبي.

كل يبحث في النص الديني عما يؤيد وجهة نظره سواء من يؤيد النظام ويبرر سلوكه وممارساته أو من يقف ضد النظام

ليتساءل هل كنّا سنقرأ محمود درويش لو لم يحدث ما حدث في فلسطين والعالم العربي منذ 1878؟ ويبتعد أكثر من ذلك في التاريخ القديم حين يستحضر المتنبي الذي عاش في ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية سيئة للغاية ولكنّه أنتج أعظم الأشعار الحيّة، وعلى هذا فإن المعاناة التي يعيشها العربي اليوم والأحداث الحالية ستكون كما يعتقد ضيفنا مادة خصبة للكتابة والإبداع.

يتابع الأسطة أنّه قد يكون توثيق ما يحدث إحدى مهمات الأدب لا مهمته الوحيدة فقط. فالرواية هي ما يحجبه التاريخ كما يقول كارلوس فونتيس، وهذا أيضا ينطبق حسب رؤية الأسطة على كاتب قرّر مواجهة السلطة، وقرّر أن يكون شجاعا ليكتب الواقع كما يراه، لا كما يحب الحاكم وأتباعه.

“صرنا أقلّ ذكاء” هذا ما يكرّره ضيفنا دائما، مستعيدا مقولة درويش في حالة حصار ليتساءل هل كنا أكثر ذكاء لنغدو أقل من ذلك؟ هل كنا نبدع وصرنا لا نبدع لأننا انحصرنا في الموضوع الوطني؟ هذا سؤال تبدو الإجابة عنه شائكة كما يقول، فنحن أصلا كنا نعيش على الهامش زمن العثمانيين وكانت بلادنا زاوية مهملة، ولكن ربما كان تفكيرنا محصورا بأمر واحد هو: كيف نتخلص من الاحتلال ونبني دولتنا؟ وهل كان شعر درويش سيختلف لو كنا أقمنا دولتنا، ولم يكن هناك احتلال؟
15