عادل الجبير وجهٌ مختلف للسياسة الخارجية السعودية

الأحد 2015/05/03
وجه ناعم يتحدث بما تريد أن تسمعه

أربعون عاماً قضاها الأمير سعود الفيصل، وزيراً لخارجية كبرى الدول العربية، السعودية، خلفاً لوالده الملك فيصل الذي كان يحتفظ بدوره بحقيبة الخارجية إلى جانب توليه عرش المملكة حتى اغتياله أواسط السبعينات، هذا الطابع الخاص لوزارة الخارجية السعودية كان قد حمل، ويحمل اليوم، دلالات ليست قليلة الأهمية في ما يتصل بدور وحضور الرياض عربياً وإقليمياً ودولياً منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز.

صبر الشيوخ

تم تثبيت دور السعودية الخارجي على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة، وفق أسس عرفت كيف تلعب على الممكن، لتحافظ على كيانها من جهة، ولتقوم بمهامها المنوطة بها تاريخياً وقومياً ودينياً بما يتلاءم مع خياراتها وتحالفاتها من جهة أخرى، وكان على من سيرث الملك فيصل أن يتقن سبع لغات من بينها العبرية، متنقلاً بين علاقاته الطيبة والوثيقة مع أفراد أسرته الكبيرة وأركان الحكم، وكذلك متمتعاً بعلاقات اتسمت بالحكمة والصبر على المحيط خليجياً وكذلك مع قادة وزعماء العالم العربي الذين كان منهم من قضى ومنهم من جاء بانقلاب ومنهم من تمّ عزله بانقلاب ومنهم من تمّ اغتياله أو نفيه ومنهم من بقي حتى اليوم، منهم من ابتز السعودية بحكم موقعه في دول المواجهة كما في حالة حافظ الأسد، وحمّلها أعباء فساد حكمه، ومنهم من استند إليها في حربه كما في حالة صدام حسين، وإن كان قد عاد واصطدم معها لاحقاً، ومنهم من ناصبها العداء كما في حالة القذافي، ومنهم من رسخ الصلة معها ضمن سطح معدني متين من الروابط التي لا تنفك كما في حالة المملكتين المغربية والأردنية، كان سعود الفيصل هو رأس الحربة في تلك المناورات، ومما لا شك فيه، أنه نجح في النجاة بدور السعودية، فبقيت متماسكة قوية متراصة داخلياً، لم تخسر على المستوى الخارجي أيّاً من حلفائها لا سيما الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

لكن الأمور اختلفت مع زوال المشهد القديم في العالم العربي، الأمر الذي كان قد بدأ بالحدوث، لحظة سقوط بغداد في العام 2003، وتحوّل أميركا إلى دولة جوار، بحكم احتلالها المباشر العسكري والتقليدي للعراق، وبحكم تغيّر المعطيات والأولويات الأميركية في المنطقة، وتسليم العراق هدية لإيران رغم التزام واشنطن المعلن بأمن الخليج ودوله، فبدا الأمر وكأن أميركا تنوي استبدال حلفائها بحليف جديد يضاف إلى إسرائيل، إنه إيران الراكضة بتسارع نحو التسلّح والتصنيع النووي، بالتوازي مع تهديم متعمّد لعلاقاتها الدينية والتاريخية مع جيرانه العرب، ما حوّل البحيرة الصغيرة التي يختلط بها الماء مع النفط والغاز، إلى بركة نزاع تشرف عليها إيران من الشرق والشمال، بينما تدافع ضفته العربية من الغرب عن وجودها وثوابتها، وزاد ما عرف بالربيع العربي، من متغيرات المشهد، فتقدمت قوى لم تكن محسوبة من قبل، لتتصدر المشهد، وكان على السعودية أن تمشي بتوازن على حبل حساس وحاد بين المراكز المتصارعة، وتؤسس لخطوات مبادرة، قبل أن تقع ضروراتها، في مسار استراتيجي أكثر تمظهر له كان وقف المشروع الإخواني قبل أن يتدهور، بعد أن تبدّت معالمه في التحالف المبطن، أو على الأقل الساذج والسطحي، مع نظام الولي الفقيه في طهران، فكان لا بد من حلفاء جدد، مع إدارة أوباما التي تعلن رغبتها بسحب نفوذها من الشرق الأوسط، ولذلك سارعت السعودية إلى بناء تحالف وثيق مع دول قوية مثل فرنسا وألمانيا، وكان لابد من تعزيز وتوثيق التطابق السياسي في الرؤية بين الدول الأقرب، مثل الإمارات العربية وقطر والكويت، فقد أصبحت إيران تحتل أربع عواصم عربية رسمياً وبات تهديدها معلناً ضد بلاد الحرمين من خلال الحوثيين الذين لم يخفوا نواياهم، ومعهم علي عبدالله صالح الذي حاولت السعودية سابقاً التوصل معه إلى حلول وسط، غير أنه انقلب عليها وارتمى في الحضن الإيراني.

العالم يتغير إذن، ويتغير أكثر مع مجيء ملك سعودي جديد، بذهنية جديدة، تقرر إنهاء الحكم المسنّ في المملكة مترامية الأطراف، وتقديم الشباب إلى الصدارة، فأصبح من الضروري اليوم تغيير فن التناول السياسي للملف الخارجي السعودي مع التمسك بالثوابت الاستراتيجية التي قامت عليها علاقات المملكة تاريخياً، وكان لا بد لسعود الفيصل ناهيك عن وضعه الصحي أن يرجع خطوة إلى الخلف تاركاً مطرحه للوزير الشاب عادل الجبير.

دور السعودية الخارجي كلاعب أساسي في المنطقة يبقى ثابتا على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة، وفق أسس عرفت كيف تلعب على الممكن، لتحافظ على كيانها وتقوم بمهامها المنوطة بها تاريخيا وقوميا ودينيا

التركة السياسية

كان حكم الملك فهد طويلاً، شابته سنوات تولى فيها زمام الأمر ولي عهده عبدالله بن عبدالعزيز، الذي أصبح لاحقاً ملكاً، ورحل بعد سنوات أديرت فيها الملفّات السعودية بخيارات متقلبة، واعتمدت التجريب أكثر، مع تبدّل قَدَري في أدوار صانعي القرار ورحيل اثنين من أولياء العهد، الأمير سلطان والأمير نايف، فكانت مهمة سعود الفيصل غاية في الصعوبة، للمحافظة على ثبات السعودية وسط متغيرات القرار المركزي في الرياض المتواترة، حتى لحظة اتخاذ الملك سلمان قرار بدء عمليات “عاصفة الحزم” التي حسمت الأمر، ورسمت اتجاهاً واضحاً لمسار مملكة المستقبل، وليس مستغرباً أن يكون أول من أعلن قرار الحرب هو الوزير الجديد من موقعه السابق سفيراً لدى واشنطن عادل الجبير.

من ذات الملعب السياسي، ومن فضاء سعود الفيصل، يأتي عادل الجبير، الذي نشأ في بيت والده الدبلوماسي في الملحقية الثقافية السعودية في ألمانيا، بعد أن ولد في منطقة المجمعة قرب الرياض في العام 1962، لأسرة لم تكن بعيدة عن دائرة الحُكم السعودي، فعمه الشيخ محمد بن جبير رئيس ديوان المظالم ووزير العدل ورئيس مجلس الشورى السابق، درس عادل الجبير في تكساس في الولايات المتحدة، وعرفها مبكراً، وتخرج من جورج تاون واشنطن حاصلاً على الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وفي بداية عقده الثاني، تلقّفه الأمير بندر بن سلطان، السفير السابق للسعودية في واشنطن، والذي يتمتع بعلاقات ممتازة في الأوساط الأميركية، وصديق رؤساء البيت الأبيض المتعاقبين، ليقوم بتعيينه مساعداً له لشؤون الكونغرس الأميركي بدءاً من العام 1986.

وكانت حرب الخليج، وما عرف بعاصفة الصحراء حينها أولى المناسبات التي يظهر فيها عادل الجبير إلى العلن متحدثاً باسم السفارة السعودية في أميركا، ليتولى بعد ذلك دوره في الوفد الدائم في الأمم المتحدة في نيويورك.

لم يغب الجبير عن تحولات العالم العربي، ودور السعودية فيها، فكان أحد أعضاء الوفد الخليجي إلى مؤتمر السلام في مدريد في العام 1991، وعضواً في الوفد السعودي المشارك في محادثات مراقبة الأسلحة متعددة الأطراف في واشنطن في العام 1992، وطار الجبير بعدها إلى الصومال ليشارك في القوات السعودية الخاصة التي شكلت جزءاً من “عملية إعادة الأمل”.

ونتيجة لنشاطه وعلاقاته الخاصة التي بناها داخل أميركا، كلّفه ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله بن عبدالعزيز بمهمة المستشار الخاص له، وما لبث أن لفت الأنظار إليه مجدداً بعد تصديه للحملات الشرسة التي رافقت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لا سيما وأن عدداً من المتهمين بتنفيذها كانوا من السعوديين وعلى رأسهم أسامة بن لادن نفسه، فتمكن عادل الجبير من إزالة ما علق ببلاده من شوائب تلك المرحلة ببراعة، ليكافأ بتعيينه مستشاراً في الديوان الملكي السعودي في العام 2005 بمرتبة وزير.

صورة مختلفة للدبلوماسي السعودي، يقدمها الجبير الذي يتحدث بلغة العالم، عن الشؤون الداخلية والخارجية في الآن ذاته، لتنتشر يومياته وأخبار علاقاته مع قادة المنطقة، مثل صوره مع سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق وهو يدخّن السيجار الكوبي

حينها قدّم الجبير نفسه محارباً رفيع الطراز في الساحات الدبلوماسية، وكذلك على الشاشات، وفي تعقيدات العلاقات العامة، فقد كان له دور في كبير في تبريد الأزمات التي عصفت بالعلاقات السعودية الأميركية مع تقلب المزاج الأميركي بين إدارة وأخرى، كما حدث حين طار إلى واشنطن في العام 2004 لاحتواء ردود الفعل الصهيونية واليمينية الأميركية بعد الهجمات المسلحة الإرهابية التي وقعت في الأراضي السعودية، وسعى إلى تنظيم رحلة لوفد من أعضاء نافذين في الكونغرس، إلى السعودية، حتى تتوقف هجمات اللوبي الصهيوني ضد بلاده.

كتبت عنه صحيفة “جيروزاليم بوست” بأنه هو الذي أقنع (ولي العهد آنذاك) عبدالله، بتوجيه دعوة لتوماس فريدمان وإفراده بلقاء خاص. حين تم إطلاق المبادرة العربية، ويصف إبراهام فوكسمان رئيس اتحاد مكافحة التشهير والسياسي البارز عادل الجبير، بأنه “يفهم أميركا، ودائماً ما يخبرك بما تريد أن تسمع″.

وتزيد الـ”واشنطن بوست” بأن الجبير يحاول أن يقدم وجهاً ناعماً للقيادة السعودية، ويستعمل في ذلك عبارات قريبة من العقل الأميركي، فمرة يصف نفسه بالممثل “كوجاك” وأخرى بـ”مايكل جوردان” لاعب السلة. لأنه “محامٍ جيد ويجيد اللهجة الأميركية بطلاقة، كما يتفنن في تطعيم كلامه بعبارات قريبة من الأميركي العادي، ومقارنات يحبها المثقف”.

العودة إلى واشنطن

بعد عامين سيعود عادل الجبير إلى أميركا، سفيراً لبلاده هناك، حينها كتبت صحيفة “واشنطن بوست”، أن هذه الخطوة تعدّ صعوداً بارزاً في الدبلوماسية السعودية، لرجل خدم في واشنطن، كمساعد خاص للسفير الأسبق الأمير بندر بن سلطان. وروت الصحيفة أن عملية التعيين أحيطت بسرية تامة حينها، فقد خلت رسالة التعيين، المطبوعة التي سلمت لوزارة الخارجية الأميركية، من اسم السفير المعين، والذي دوّنه المبعوث السعودي الذي سلم الرسالة قبل قليل من تسلميها.

وكانت أولى تحديات الجبير هي خلافة الأمير تركي الفيصل الذي عرف بقدراته الخاصة وخبراته الطويلة، وهو رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، والذي يتحرك بحرية كبيرة في الملفات الدولية، بحكم قدرته على إبقاء مسافة فصل وأمان ما بين دوره الرسمي ورؤيته الشخصية.

أمام الرئيس جورج بوش وبعد ثلاثة أشهر من تعيينه سفيراً في واشنطن قدّم عادل الجبير أوراق اعتماده رسمياً، في الفترة التي بدأت ترتسم فيها خارطة جديدة في الشرق الأوسط، وإن كانت متلعثمة مترددة الخطوات، بسبب شيخوخة النظام الرسمي العربي في أكثر من بلد، وتصاعد المشروع العدواني الإيراني ضد البلاد العربية، والذي كان يتطلب المبادرة السريعة أكثر من تؤدة وحلم الشيوخ.

إيران تختار الجبير للقتل

ولأن إيران عرفت أن التباطؤ العربي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، هو المعين الأول لمخططاتها في المنطقة، كان عليها أن تتخلص من كل من يشكل احتمالاً لقلب المعادلة، فسلسلة الاغتيالات التي بدأت في بيروت وطالت من بعد الحريري مثقفين وسياسيين وإعلاميين لبنانين كانت قد وصلت في العام 2011 إلى واشنطن بعد أن اختارت إيران أن يكون هدفها القادم هو عادل الجبير شخصياً سفير السعودية في أميركا.

ففي شتاء العام 2011، أصدرت السلطات القضائية الأميركية وثائق تؤكد أن الأجهزة الأمنية تمكنت من كشف وإحباط محاولة اغتيال للسفير السعودي الجبير، بتفجير مقر السفارة السعودية في واشنطن، وتم الكشف عن أسماء المتهمين من قبل المحكمة الاتحادية في نيويورك وهما الإيرانيان منصور أربابسيار وغلام شكوري، وقالت الوثائق إن طهران موّلت وخططت لتنفيذ التفجير وعملية الاغتيال بقرار رسمي، أكّده اعتراف المتهمين حسب تصريحات وزير العدل الأميركي إيرك هولدر.

الوجه الناعم للسعودية، وصف يطلقه عليه الإعلام الأميركي، عادل الجبير الذي يستعمل من أجل ذلك عبارات قريبة من العقل الغربي، فمرة يصف نفسه بالممثل "كوجاك" وأخرى بـ"مايكل جوردان" لاعب السلة. لأنه محامٍ جيد ويجيد اللهجة الأميركية بطلاقة

الخارطة الجديدة

المملكة السعودية الآخذة بالتحوّل إلى ذهنية شابة، اختارت خيارها النهائي بالمواجهة المفتوحة لجميع التحديات دفعة واحدة، وعلى رأس تلك التحديات، التمدّد الإيراني، الذي لم تعد تجدي معه نفعاً سياسة الاحتواء، والاتكاء على الحليف الأميركي القوي، بعد أن أصبح أوباما يقول بالفم الملآن “لماذا لا نرى الدول العربية وهي تقوم بأيّ تحرّك ضد الأسد وممارساتها” متسائلاً عن خطوات مبادرة قادمة من دول الخليج، لحماية أمنها القومي، لكن السعودية كانت قد سبقت أوباما إلى انتهاج سياساتها الخاصة بمعزل عن تحالفاتها، واليوم يصبح هذا النهج نهجاً مشتركاً ما بين صناع السياسة السعودية بقيادة الملك سلمان، وولي عهده محمد بن نايف وولي ولي عهده ونجله الأمير محمد بن سلمان، وكذلك وزير الخارجية الشاب عادل الجبير، الذي كان وعلى مدى مسيرته الدبلوماسية من أكثر السياسيين السعوديين دعوة إلى وضع حدّ لمطامع إيران، فمن بيته في فرجينيا، كان الجبير يؤيد سياسات الإدارة الأميركية السابقة في ضرب إيران، وإيقاف مشروعها النووي بالقوة.

وكان الجبير يطرح رؤاه تلك على الإعلام الغربي، ووكالات الأنباء العالمية، مقدّماً صورة مختلفة للدبلوماسي السعودي، الذي يتحدث بلغة العالم، عن الشؤون الداخلية والخارجية في الآن ذاته، لتنتشر صورته ويومياته وأخبار حياته الشخصية، وعلاقاته مع قادة المنطقة، مثل صوره مع سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق وهو يدخّن السيجار الكوبي، أو ما سرّبته عنه وثائق ويكيليكس من أقوال ” إن الملك يرى ضرورة قطع رأس الأفعى.. إيران”.

7