عادل الطريفي ربان الإعلام السعودي أمام أمواج التكسير

الأحد 2015/02/22
معالي الدكتور الشاب ناشر البياض

حين كان يكتب في بداياته الصحفية قبل أكثر من اثني عشر عاما، كان غيره قد توقف عن الكتابة وتفرغ لمشاهدة صحيفته من مقاعد كبار المحررين، لأن رحلته توقفت عن العطاء، وحين كان يقرأ في السياسة لتزيد من رؤيته، كان طموحا يسابق الزمن، لا يتوقف عن الطموح، بينما كان العديد من أترابه عقوداً من الزمن منكبّا على كتابة مقالات لم تجذب أحداً سوى كاتبها ومجاملة محرر الصحيفة، بين حين وآخر، أي العيش في الروتين، الذي لم يعرفه الطريفي.

بدرجة ما كان بعيدا عن المحلية، فقد لا تعرف سعوديته حين تقرأ مقالاته، أو ربما حتى حين تشاهده متحدثا، لكنه لا يبتعد عن الهمّ السعودي العام، وعلى وجه الخصوص علاقات بلاده الدولية، ويمكن وصفه بالمحايد في صيغة الوطني إذا ما تعلق الأمر بشأن بلاده، يبدو دافئاً في علاقاته، غير مبتعد عن علاقاته ما قبل تبوّؤ المراكز في رئاسة تحرير أو إدارة.

كان يغامر بهدوء وفق أسلوب لا يتقنه الكثيرون، كل الطرق معه تؤدي إلى البروز والنجاح، مروّض سريع لكلمات الغضب، الحياد معه صار سجية والتعلم لديه لا ينتهي، تعرف على العديد من أصحاب الشأن الثقافي والفكري، ممن يشار إليهم بالبنان، وعقد معهم لقاءات نشرها على صفحات الجريدة التي تبوأ رئاسة تحريرها. كان يقرأ كتابا أو كتابين من أجل كتابة مقال، فيأتي مقاله غزيراً بالمعلومات عن ظاهرة دولية أو ما يتعلق بدعم سياسة بلاده وتوضيحها.

يصعد إلى مناصب، ليفتح الطريق أمام التجديد والشباب، يراهن على التجديد، بل الجديد، قادر على بناء أرض صحفية من أقلام صغيرة، وله المعجزة في تطوير البناء ليكون شاهقا جاذبا، لا يعشق الضوء كثيرا، لكنه يعيش في الظلام منيرا لغيره، حتى جاءته الفرصة أن تسلط عليه الأنوار.


عادل وأكثر


عادل بن زيد الطريفي، قصة شاب سعودي، ولد قبل سبعة أشهر من حادثة خُطف معها الإعلام السعودي بقدرة قادر أو ربما غير قادر، حادثة “جهيمان العتيبي” باقتحام الحرم في نوفمبر 1979 التي هزت عالما ووطنا ومجتمعا وغربلت الكثير من النسيج وعلى رأسها الإعلام، بل وقلبت المعادلات، حتى اتصل تأثيرها بحدوث الثورة الإيرانية، وكطبيعة علاقاتها بالمنطقة، ثم لحقتها الحرب الأفغانية، وكانت علاقة السعودية بإيران موضوع عادل الطريفي، في ما بعد، للدكتوراه.

مسيرته كانت كمسيرة أغلب جيله من الشباب السعودي، عاش في بريدة القصيم وسط السعودية التي يعتبرها الكثيرون موطن تشدد ديني، مع ظهور شخصيات غير عادية في تحررها منها، كعبدالله القصيمي مثلاً. درس الطريفي من مناهج ما تزال حتى اليوم قضية صراع، واستمر متفوقا إلا قليلا في مراحل التعليم العام.

الطريفي يعد من أكثر المنتقدين لإدارة أوباما، فقد تنبأ مبكرا بفشل الثورات العربية وسيل الدماء المتدفق حين قال "كان على إدارة أوباما الاختيار ما بين مصالحها في الشرق الأوسط، أو الانتصار للمبادئ الديمقراطية"

كانت مرحلة الجامعة نقطة تحول في حياته، التي تخصص فيها لدراسة الهندسة الطبية، بجامعة الملك سعود، كان أقرب لجماعات سُوّاح الدعوة، لكنه عاد إلى الحياة، بعد حادث مروري جعله مقعدا لأكثر من خمسة أشهر انكب في مقعده الأبيض على القراءة في المجالات السياسية والفكرية؛ فانطلق كصقر نحو قمة ربما أنه وصلها، أو ربما أنه الهدف في عقل الطريفي.

عاد للحياة، وتوسط، بل وتدفق كتابة مع مرحلة تخرجه من البكالوريوس، كانت صحيفة “الوطن” السعودية مقام الطائر الجديد في مرحلة كانت بعض المناطق تحرق نسخ الجريدة الاستثناء في المملكة، لما يعتبرونه “تغريبا” و”علمنة” بينما كانت هي صانعة الخطوط الجديدة في الصحافة السعودية فكتب بعضا من المقالات الفكرية التي شدت أكثر المتشددين وعشاق الاختلاف، ثم كانت صحيفة “الرياض” مقرا آخر لم يطل مكوثه فيه بسبب زحمة كتّاب صحيفة العاصمة، منتقلاً بقلمه إلى صحيفة “الشرق الأوسط”.

انطلق نحو ممارسة بعض ما تمليه عليه شهادته في ألمانيا، باحثا ومتدربا، ومكملا الكتابة، بعدها انطلق نحو بريطانيا لدراسة الماجستير في تخصص العلوم السياسية، وباحثا في مجال الأمن والديمقراطية في إحدى الجامعات البريطانية.

استمر كاتبا، وهو في مركب البحث والتعلم مبحرا فكتب في مجلة “المحايد” فترات متقطعة، ومثلها كانت في الخضراء السعودية “الشرق الأوسط” وأنجز درجة الماجستير الثانية في تخصص السياسة والاقتصاد من جامعة أخرى في العام 2009 وحصل على الدكتوراه في فترة لاحقة.

كان أربعاؤه في صحيفة “الشرق الأوسط” مهمّا بالنسبة إليه يأخذ فيه قضية ساخنة دولية في أكثر الأحيان بما يلائم دراسته. استمر كاتبا، وهو في بحر البحث ساعيا، ليحصل على الدكتوراه، قبلها قد جذب صناع المؤسسات الإعلامية له من مقال أو موقف، كون السوق الإعلامي السعودي في غالبه يمر في ضجيج ووتيرة واحدة بين صحافييه ومؤسساته الداخلية التي تعاني من هروب الشباب المميز نحو صحافة كان مميزوها من الخارج يكتبون لوطنهم وقراء منطقتهم.

أنجز عادل الطريفي، درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية في العام 2012 بعد أن تم تنصيبه رئيسا لتحرير مجلة “المجلة” ذات الصيت الكبير في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ومسار كبار الصحفيين السعوديين، ليكون أصغر رئيس تحرير في مسيرة المجلة، وأعاد لها وهجا جديدا بروح الزمن القديم، وأخرجها من معاقل الشبكة العنكبوتية إلى رفوف التوزيع.


طريق الوزارة


مارس الطريفي، الذي طوى عمره في البحث والكتابة للرقي إلى أعلى، الكتابة الصحافية أثناء عمله رئيسا للتحرير وصنع توليفة غير مسبوقة بين الاقتصاد والسياسة، قدم فيها المصلحة الأكبر على المبادئ الديمقراطية، وهو رد على من يتهمه بـ”الأمركة” ودعمها.

فكان الطريفي أكثر المنتقدين لأوباما، بالمرور على تعرجات التاريخ الأميركي للرؤساء، فهو من وضعه في مرتبة متأخرة مع الرئيس جونسون قائد أميركا في حرب فيتنام، وفق رؤية الشعب الأميركي، فقال الطريفي الذي تنبأ بفشل الثورات العربية وسيل الدماء الكبير “كان على إدارة أوباما الاختيار ما بين مصالحها في الشرق الأوسط، أو الانتصار للمبادئ الديمقراطية”.

لم يمهل صناع القرار في مكاتب المجموعة السعودية الطريفي كثيرا في مجلته، بل وسّعوا أعماله ليكون نائبا لرئيس التحرير في الصحيفة الأم الكبيرة داخل المجموعة إضافة إلى عمله، فزاد من وهجها حتى اعتلى قبل عامين منصب رئاسة التحرير فيها.

عاش فيها كـ”محمد الفاتح”، عاشق علم وثقافة وفاتح دروب للشباب السعوديين للدخول في مجالات كبرى ومتعددة في الصحيفة، وخصص صفحات للشؤون السعودية، واقتدى ببعض صحافة لندن العربية منها والإنكليزية، مرتقيا قبل أن تبعده الرياح الجديدة نحو عالم آخر.

قضى الطريفي أعوامه متدثّرا بالورق، قبل أن يشعل التلفزيون بزخمه وصعوبته عينيه ليكون النجم الثاني في قناة “العربية”. لم يدم انتظاره سوى أشهر قليلة حتى أصبح الرجل الأول في القناة مديرا، لم يشهد زمنه اليسير هناك الكثير من التغيير، بل كانت كفّة الميزان الملكي السعودي التي تعشق الشباب حاملة إياه إلى أكبر منصب لإعلامي، وزيرا للثقافة والإعلام، بقرار العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز.

مجيء الطريفي إلى وزارة الثقافة والإعلام السعودية، وهو الذي يقول "إن الدول العربية وغيرها، تفشل لأسباب متعددة ومتداخلة، وفي الوقت نفسه معقدة تشمل الجوانب الثقافية والتاريخية والاقتصادية"، يعد بداية لمرحلة تطوير إن لم تكن هدما ثم إعادة بناء


على منبر التغيير


وثق فيه الملك سلمان، وسلّمه وزارة مهمة إن لم تكن مع شقيقتها التعليم وزارتا المرحلة، وهو في السادسة والثلاثين من عمره. الطريفي سيد الابتسامة، والمتوشح بـ”بشت” المنصب، هل يستطيع فك شفرة معقدة في خريطة الإعلام السعودي؟ مسيرته تبشر، فهو المجدد، وأعماله تشهد، وهو اليوم صانع القرار فيها.

لم يعد أمامه مجلس أعلى للإعلام، بل تقبع تحت إدارته هيئتان: للإذاعة والتلفزيون وأخرى للإعلام المرئي والمسموع، وبحر لجيّ يسمّى الثقافة وهي ذات نسيج معقد وإن حوى نخبة المفكرين غير القادرين حتى على انتخاب أندية المناطق الأدبية.

كان التلفزيون في عقود ماضية، أشبه بتذبذبات سوق أسهم السعودية، لا يعرف الأخضر دائما، كان من يستبشر بالتغيير في مفاصل الوزارة يستيقظ من حلمه على واقع مرّ.

لم يرضِ التلفزيون أحدا، فانطلقوا مرتحلين وفي داخلهم غصة إلى تلفزيونات أخرى، وغيروا موجاتهم الإذاعية إلى معرفة أخبار وطنهم العربي من إذاعات لندن.

أما صحافتها، فعدد كبير لم يعد يستطيع القارئ أن يميز بين الخبيث والطيب، ورؤساء تحرير مميزون ركنوا لمقاعد “تويتر” وشاشات التلفزة محللين، بعد أن ساقهم هبوب أقوى للعزلة، حتى أصبح الصحافي السعودي مصابا بـ”مأساة الأديب”، بينما هيئتهم هيئة الصحفيين السعوديين، مجرد مبنى يُصلب أمامه صحفيون عشقوا المهنة، واستمر فيها من يكتب لقطاعاته المهنية التي يعمل بها نهارا.

مجيء الطريفي، الذي قال في خلاصة مقال قديم له “إن الدول العربية وغيرها، تفشل لأسباب متعددة ومتداخلة، وفي الوقت نفسه معقدة تشمل الجوانب الثقافية والتاريخية والاقتصادية”، هو أمام مرحلة تطوير إن لم يكن هدم فبناء كما فعلها من قبل في محفل إعلامي على نطاق ضيق، لإعادة تقييم لبلد يليق به أن يعكس وجوده العالمي الكبير، واللازم له وجود إعلام حقيقي.

7