عاد الجبوري إلى رئاسة البرلمان.. والعود ليس أحمد

الجمعة 2016/04/29

عاد رئيس مجلس النواب سليم الجبوري إلى موقعه الهش بعد هزة كادت تعصف بمقعده بعيدا عن منصة البرلمان، وهذه العودة لم تأت نتيجة جدارته السياسية أو مهارته النيابية، وإنما بسبب أن رؤوس النواب الذين أقالوه كانوا مهرجين وفوضويين وطائفيين وعدد منهم لا يستحق أن يكون نائبا يقال عنه إنه يمثل مئة ألف ناخب، إما لأنه (تعويضي) مثل عبدالعظيم عجمان الفائز بأصوات مرشح اغتالته الميليشيات الشيعية في البصرة المرحوم الدوسري، ومشعان الجبوري الذي احتل مقعد ابن عمه في العشيرة أحمد أبومازن الجبوري عندما شغر باختياره وزير دولة في حكومة حيدر العبادي الأولى، وإما مثل عالية نصيف التي فازت بأصوات نوري المالكي مكافأة لها على انشقاقها عن القائمة العراقية في عام 2011.

وصحيح أن ثلاثة من أقطاب الشيعة وهم: قادة التيار الصدري مقتدى الصدر، والمجلس الأعلى عمار الحكيم، وميليشيا (بدر) هادي العامري، وقفوا إلى جانب سليم الجبوري وشدوا أزره، إلا أن الصحيح أيضا أن هؤلاء الثلاثة لم يساندوه لوجه الله أو حبا بسحنته السمراء، وإنما لأن لكل واحد منهم أجندته السياسية ومشاريعه الطائفية الخاصة به، فالصدر يريد أن يطرح نفسه زعيما أوحد للشيعة ويقوض مكانة نوري المالكي الذي يعتقد أنه يقود أكبر حزب شيعي (الدعوة)، ورئيس أكبر كتلة نيابية (ائتلاف دولة القانون)، وبالتالي فإن مقتدى عليه الإيحاء بأنه متعاطف مع أهل السنة والجبوري محسوب عليهم باعتباره نائب الأمين العام للحزب الإسلامي الذي هو أقرب إلى الأحزاب الشيعية وأشد منها في إيذاء السنة العرب وقياداتهم الوطنية والقومية ورموزهم الدينية.

أما عمار الحكيم فمن مصلحته أن يستمر الجبوري رئيسا لمجلس النواب، لأنه ضعيف في أدائه ولين مع الشيعة في تعامله، إضافة إلى أن مساعد الحكيم، همام حمودي النائب الأول لرئيس مجلس النواب يكاد يكون هو الرئيس الفعلي للبرلمان بإيماءاته الناعمة وهمساته الخفية في أذن سليم اليمنى.

وفي ما يتعلق بدعم هادي العامري للجبوري، فالمسألة واضحة ولا تحتاج إلى شرح وتفسير، لأن الاثنين نائبان عن محافظة واحدة (ديالى) حيث يتولى الأول مهمة الحاكم السياسي والعسكري والأمني للمحافظة التي تنتشر فيها ميليشياته (بدر) وتتحكم في مفاصلها الأساسية وترتكب الجرائم والانتهاكات ضد السنة العرب الذين يشكلون أكثر من ثلاثة أرباع المحافظة أرضا وسكانا، دون أن يجرؤ الثاني ونواب كتلته (ديالى هويتنا) على فضح ممارساتها أو ذكر حتى اسمها في المجازر التي تقترفها، بل إن هاجس الخوف الذي يعيشه الجبوري من هذه الميليشيا الوقحة دفعه في أكثر من مناسبة إلى حضور احتفالاتها وإلقاء خطب رعناء تشيد بانتصاراتها على أهله وعشيرته، وفي إحدى المرات وصفها بأنها “حركة تحرير وطني” رغم أن تاريخ هذه الميليشيا التي أنشأتها إيران في عام 1983 وجهزتها بالمقاتلين والأسلحة ومعدات التجسس، مليء بالإجرام والغدر ضد العراقيين.

ومما ساعد سليم الجبوري في العودة إلى منصبه أيضا، أن أكثر النواب حماسا ومطالبة بتنحيته، عليهم ملفات يختلط فيها الفساد والتسلط والانتهازية والمتاجرة بالطائفية وسرقة المال العام والانتفاع الشخصي، ابتداء من كاظم الصيادي الذي ما زال “مكتب الشهيد الصدر” يطالبه بإعادة الأموال والسيارات التي سرقها منه عندما كان نائبا صدريا قبل التحاقه بجوقة نوري المالكي، مرورا بحنان الفتلاوي التي تفاخر بأن نظريتها “7 في 7” الطافحة بالطائفية هي التي أتاحت لها الفوز في انتخابات 2014، وانتهاء بالنائب أحمد عبدالله الجبوري الذي تقرحت يداه من حدة الضرب على الكراسي والطاولات احتجاجا على عودة سليم (الباطلة) إلى موقعه، كما هتف وصاح، فهذا الضابط برتبة رائد في الجيش العراقي السابق، جاء به آل النجيفي نائبا في انتخابات 2010 عن ناحية القيارة جنوب الموصل، ولكنه سرعان ما انقلب عليهم بتحريض من خصمهم العتيد نوري المالكي، وبات واحدا من بطانته التي تحمل تسمية “ســـنة المالكي” وهو أيضا من أسهم بفاعلية في إقالة أثيل النجيفي من منصب محافظ نينوى والزج به في قضية سقوط الموصل بأيدي مسلحي داعش في العاشر من يونيو 2014 رغم أن الوقائع والوثائق تؤكد ضلوع رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة السابق في سحب القوات العسكرية من المدينة وتشجيع التنظيم المتطرف على احتلالها.

وفي انتخابات 2014 الأخيرة كاد أحمد الجبوري يسقط فيها لولا التحاقه بقائمة شكلها رجل أعمال وصيرفة ورد اسمه كممول لصفقة شراء أجهزة كشف المتفجرات التي ثبت فسادها وعدم كفاءتها، حيث أغدق على مرشحي قائمته التي فازت بخمسة نواب، انسحب منها اثنان عقب فوزهما (مهدي الحافظ وقتيبة الجبوري) وبقي فيها ثلاثة أحدهم هو.

ولعل واحدة من مفارقات مسرحية الاعتصام التي رفعت شعار “لا للمحاصصة” أن يلتصق بها خمسة أو ستة من نواب ائتلاف إياد علاوي واختيار أحدهم، وهو عدنان الجنابي، رئيسا مؤقتا للبرلمان، وهو نائب سني مثل سليم الجبوري، وهذا يعني أن المسألة برمتها هي مجرد تغيير وجوه بوجوه فقط، ولا صحة لهتافات النواب المعتصمين الكاذبة “كلا كلا للمحاصصات”.

سليم الجبوري عاد إلى موقعه من جديد، ولكنها عودة مخجلة تفرض عليه تسديد فاتورة من أيّده ووقف إلى جانبه، وهي فاتورة باهظة الثمن سيدفع السنة العرب ما يترتب عليها وهم يعيشون في مخيمات النزوح البائسة وتحت قهر داعش وقمع الميليشيات الشيعية، وهذا كله ليس مهما ما دام الجبوري المحسوب عليهم بالقوة والإكراه رئيسا لمجلس نواب تصلح قاعته الكبرى لتقديم مسرحيات عبثية تُبكي وتزيد حالات الاكتئاب عندهم.

كاتب عراقي

8