عاد الخريف مجددا

الخميس 2016/09/29

تقول صديقتي ونحن نتمشى في الغابة ونتملى منظر الأوراق الصفراء المتكومة على الأرض والأشجار التي أخذت في التعري شيئا فشيئا “عندما يبدأ الكبار في التساقط فهذا دليل على أن حياتنا تتجه نحو نهايتها”.

الكبار الذين تقصدهم هم آباؤنا وأمهاتنا وأخوالنا وأعمامنا وخالاتنا، وجداتنا، الذين يذهبون كل يوم أمام أعيننا، الواحد تلو الآخر.

أحيانا أقف مع نفسي قليلا في محاولة لتذكر من مازال حيا ومن مات. أحسب على رؤوس أصابعي الخالات والعمات المتبقيات، أتذكر الخالة الحنونة التي كنت أذهب إليها خصيصا لتعد لي أكلتي المفضلة، ضحكتها ولطفها ونعومة كلامها، أو العم الذي أدين له باسمي، والذي كان يقلق لمجرد زيادة طفيفة في حرارتي وكأنني سأموت، ويغضب كلما رأى غرتي مسدلة على عيني، قائلا “الموضة ستعمي عينيك”، أو الخال الذي يضع يده على رأسي ويتلو آيات من القرآن ليحميني من الشرور والخيبات، أكاد أراه الآن وهو يضحك ضحكته المتقطعة تلك.

كلهم ذهبوا الآن، وقبلهم ذهبت الأم، ذلك القلب الذي بمجرد أن تفقده تشعر أن الحياة تغيرت إلى الأبد. وبعد قليل سيذهب آخرون.

كل يوم تسقط ورقة، وأنت جالس على كرسي خشبي تشاهد في صمت كيف يذبلون، ويصفرون، ويسقطون ويلتحمون بالتراب، كأنك تشاهد فيلما صامتا، الحركة الوحيدة فيه هي للحياة التي تذهب أمام عينيك في صمت وهدوء.

تشبه حياتنا الغابة التي نتجول فيها مع أحبتنا وأبنائنا وكلابنا الأليفة، نلتفت في كل لحظة لنكتشف أن أحدهم تخلف، نقف قليلا على أمل أن يلتحق، أن يعود، أن نفهم ما حدث له، ثم نكمل الطريق، وفي كل خطوة يسقط منا شيء، تتغير ملامحنا، وتتثاقل خطواتنا، إلى أن يأتي دورنا ذات يوم في التخلف عن الركب.

في لحظة ما تشعر كأن الدنيا تفرغ من حولك، وأن الجميع يذهب في صمت غريب، لا تدري إلى أين، كأنهم يجتمعون في غابة أخرى، وربما هم بصدد القيام بجولة جديدة مشابهة للتي نقوم بها نحن على هذه الأرض.

تتعود شيئا فشيئا على الغياب الذي يصبح جزءا من وجودك، تمتلئ ذاكرتك بوجوه وضحكات وكلمات ولمسات وحركات من غادروا حتى تكاد تنفجر، كأنهم غادروا إلى ذاكرتك وليس إلى حياة أخرى، أو كأن الذين ذهبوا خرجوا من عالمك الواقعي إلى عالمك الروحي وهم في كل الأحول فيك ومعك وحولك.

ما هو الموت؟ وأين يذهب الذين نحبهم؟ لماذا الخريف قاس لهذه الدرجة؟

في اللحظات الصعبة من حياتي كثيرا ما شعرت أن أمي تجلس على حافة السرير، أو تطل برأسها من خلف الباب لتطمئن، أو تأتي في الحلم لتقول افعلي كذا أو كذا، ودائما ما صدقت حضورها كأنه حقيقة.

عندما أنجبت ابني البكر، طرقت الباب، فنزلت الدرج لأفتح لها، كانت تقف هناك بابتسامتها العريضة، قالت “جئت لأهنئك بالطفل”، صعدت معي الدرج خطوة خطوة، جلست بجانب الطفل الذي كان عمره يوما واحدا، حملته بين يديها، قبلته وقالت “ما شاء الله، ألف مبروك يا بنتي”، لأشهق وأنهض من غفوة صغيرة على الكنبة وابني بين ذراعي. عاد الخريف مجددا وعادت معه ذكريات من سقطوا من شجرتنا ذات خريف، على روحهم السلام.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21