عارضة أزياء مهقاء تغير الصورة النمطية للجمال

يعاني الأشخاص المصابون بالمهق من التمييز الشديد في مناطق كثيرة بقارة أفريقيا، وأحيانا يصل الأمر إلى حد الاعتداء العنيف والقتل. ولكن هذه الصورة في سبيلها إلى التغيير، حسبما تؤكد عارضة الأزياء المهقاء ثاندو هوبا، والتي بدخولها عالم الموضة، كسّرت أيضا الصور النمطية والمعايير الجامدة حول المفهوم التقليدي للجمال.
الخميس 2016/03/31
إعادة طرح مفاهيم جديدة عن الجمال والأناقة

جوهانسبرغ - المهق هو اضطراب خلقي يصيب البشرة ويؤدي إلى غياب الصباغ في الجلد والشعر والعيون، نتيجة غياب كامل أو جزئي أو عيب في إنزيم تيروزينا (Tyrosinase)، وهو إنزيم يشارك في إنتاج الميلانين ويحتوي على النحاس، وبناء عليه تتحدد درجة لون البشرة، سواء فاتحة أو داكنة.

ونظرا للتمييز الذي تتعرض له ثاندو هوبا، المحامية والشاعرة الجنوب أفريقية، قررت تحدي النظرة العنصرية والدونية التي تلاحقها بسبب هذا المرض بدخول مجال الأزياء الذي يستوجب الجمال الجسدي كأهم مقومات للنجاح فيه.

وعن التمييز الذي لا زالت تتعرض له تقول الشابة ذات الـ26 عاما “أطلقت عليّ بعض وسائل الإعلام لقب عارضة أزياء المهق، ولكني لم أنظر إلى نفسي مطلقا على هذا النحو. هناك وجوه كثيرة للشخص الواحد”، مؤكدة أنها لا يروقها مطلقا لقب “مهقاء”، لأنه يقلل من شأن الإنسان بسبب عيب في لونه.

وتسعى هوبا إلى تغيير المفهوم السائد عن وضع معين في أفريقيا، لأنه يتسبب في التمييز ضد بعض الأشخاص وأحيانا قتلهم، كما تتذكر كيف أنها في طفولتها كانت تتعرض للكثير من الإهانات، حيث كانوا ينعتونها بـ”القرد الأبيض”.

ولم يكن من ضمن مخططات هوبا دخول عالم تصميم الأزياء، إلى أن تعرّفت على المصمم جيرت يوهان كويتسي في أحد المراكز التجارية بجوهانسبرغ عام 2012.

وتقول ثاندو “مر كويتسي بجواري ثم استدار وسألني إذا كنت مهتمة بعمل جلسة تصوير”.

الأحكام المسبقة على المهق تعرضهم للتمييز

وتتذكر أنها تلقت الكثير من العروض المشابهة في السابق، ولكن رفضتها جميعا، لتركز على مجالها المهني كمحامية، إلا أن الأمر كان مختلفا هذه المرة بسبب حفاوة كويتسي وشهرته الواسعة أيضا.

وأضافت “في النهاية أقنعتني شقيقته بالعمل كموديل من أجل مكافحة الصورة النمطية السلبية والأحكام المسبقة التي تلاحق الأشخاص المهق”.

ويشير موقع جمعية المهق بجنوب أفريقيا إلى قائمة من الأحكام المسبقة حول هؤلاء الأشخاص، ومن بينها التطيّر منهم، وأنهم مصابون بلعنات معدية، أو أنهم مصابون بالعقم أو العته والجنون.

وتعلمت هوبا خلال أسبوعين كيف تسير بكعب مرتفع كعارضة محترفة إلى أن أتقنته، ومع ذلك حين وطأت قدمها لأول مرة قاعة عروض أزياء أسبوع جنوب أفريقيا للموضة، كانت مرعوبة. “كان هناك درج سلم، ولما كانت لدي صعوبة في تقدير الأبعاد والأعماق، بسبب عيوب الإبصار، كنت أخشى الوقوع”، تقول هوبا وهي تتذكر الموقف.

وحققت هوبا شهرة كبيرة بعد نشر صورها في العديد من الإعلانات والمطبوعات، وكان أشهرها غلاف النسخة الأولى من مجلة “فوربس” إصدار جنوب أفريقيا عام 2013.

ووفقا لجمعية “تحت نفس الشمس” هناك شخص أمهق بين كل 5 و15 ألف شخص أفريقي، مقابل شخص بين كل 17 و20 ألف شخص في أميركا الشمالية وأوروبا. ويعتبر هؤلاء الأشخاص أكثر عرضة لإصابة بحروق الشمس نظرا لحساسية الجلد ومشاكل الإبصار وسرطان الجلد.

ولاقت ثاندو الدعم من والدتها المخرجة السينمائية ووالدها المهندس، كما حصلت على المساندة اللازمة خلال مراحل دراستها وحين قررت التخصص في مجال القانون، حيث أبدت جامعة ويتوورتزراند بجوهانسبرغ التحدي الذي تخوضه ثاندو ووفرت لها المواد الدراسية بحروف كبيرة لتتغلب على مشاكل الإبصار.

أمهق بين كل 5 و15 ألف شخص أفريقي

ويرتبط في أذهان الناس دوما ميلاد طفل أبيض اللون من والدين داكني البشرة، بوجود قوى خارقة، أو إلى ظاهرة غير طبيعية، كما لا يزال البعض يتصور أن هذه الظاهرة تسبب حسن الطالع. تقول هوبا “ذات مرة ركبت مع سائق تاكسي فتفاءل بوجودي معه وقال لي إن رزقه اليوم سيكون وفيرا”.

وأحيانا تكون لهذه المعتقدات عواقب وخيمة، حيث غالبا ما يتعرض الأشخاص المهق لحوادث عنف قد تؤدي إلى القتل أو لبتر أعضائهم لاستخدامها في طقوس سحر وشعوذة، بغرض الاستحواذ على بعض القوة أو الحصول على الثروة.

ووفقا لمنظمة “تحت نفس الشمس” تعرض 164 شخصا من المهق للقتل بين أعوام 1998 و2015، في ما تعرض 264 آخرين للاعتداء في 25 دولة أفريقية من تزانيا وصولا إلى بوروندي.

لكن هذه الحوادث تعد نادرة في جنوب أفريقيا، ورغم ذلك فسيتعين على ثاندو إذا اضطرت للسفر إلى تنزانيا على سبيل المثال، أخذ احتياطات أمنية قوية لتشعر بالأمان هناك.

وتروي العارضة الجنوب أفريقية عن شعورها بحفاوة الاستقبال الذي تقابل به قصائدها حين تقرأ أشعارها في أماكن مفتوحة أثناء ندوات عامة.

وبالرغم من ذلك، تعتبر ثاندو أن عملها في مجال القانون ذو أولوية بالنسبة إليها، حيث تقول “أعمل على العديد من القضايا الهامة مثل الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال وقضايا الاغتصاب”، مؤكدة أن هدفها ليس فقط تمكين الأشخاص المهق بل تحقيق العدالة لكل الأشخاص الذين يعانون الظلم والقهر الاجتماعي. تتناول بعض قصائدي الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعاني منه الشباب الأفريقي”، مؤكدة أنها تحاول لفت انتباه القراء لهؤلاء الشباب ليقدروا إمكانياتهم، لتوضيح الصورة المغلوطة التي تتناقلها وسائل الإعلام عنهم كمجرمين أو عاطلين.

وتعتقد هوبا أن وجود عارضات أزياء مهق، يعد جزءا من توجه عام في عالم صناعة الأزياء، بهدف التنويع وإعادة طرح مفاهيم جديدة عن الجمال والأناقة.
20