عارف الريس الساحر الذي يضع ضحكته على الجرح

الأحد 2015/02/01
عارف الريس كما لو أنه لم يفارق حديقته

حديقته النضرة في عاليه، البلدة الجبلية التي شهدت ولادته يمكنها أن تكون المزار المثالي للتعرف عليه، فنانا وإنسانا، هو في حقيقته مزيج ثقافات وعادات وأمزجة ومدن تنقل بينها بخفة طائر أسطوري، كانت عيناه تهبان كل ما يراه قوة الجمال المترفع والوحيد.

كانت غزارة نتاجه الفني وتنوع أساليبه في الرسم والنحت قد جعلتاه عصيا على التصنيف النقدي، ففي كل مرحلة من مراحل سيرته الفنية كان فنانا جديدا، غير ما كانه من قبل وما سيكونه في مستقبل أيامه الغاصة بشعوره العميق بالأمل، وهو الشعور الذي استخلصه من ثقة مطلقة بالفن، باعتباره أرقى اللغات التي تكسب الكائن البشري هيئة الرسول المبشر بالقيم الإنسانية الخالدة.

في فنه يمتزج الماضي بالحاضر، فلا تقع حداثته على معنى المعاصرة المباشر، كما تحدده المعاجم الفنية المتاحة. وهو ما جعله في أحيان كثيرة قادرا على التماهي مع فكرة إقامته خارج الزمن، كائنا يقول ما لا يفهمه الآخرون.

غير أنه أيضا كان يقيم خارج المكان كما نعرفه، لكثرة الأماكن التي أقام فيها وتداخلها وتوزّعها بين حالاته العقلية ونزعاته العاطفية، الأمر الذي يسّر عليه أن يكون أفريقيا في باريس وفرنسيا في بيروت ولبنانيا في المكسيك.

ضحك ابن الجبل حين أخبرته بحيرتي وارتباكي حين أحاول أن أقبض عليه في واحدة من شخصياته المختلفة وكنا نجلس في مقهى على البحر بطنجة عام 1990. قال “أنا كل هذا. إذا لم يكن هناك المزيد” رسمني يومها كعادته على ورقة عادية، عثر عليها بالصدفة وذيل تلك الرسمة بتوقيعه، وصار ينظر إليها بمتعة كما لو أنه أنجز عملا فنيا عظيما. وهو ما جعلني أقع يومها على شيء من سحر شخصيته.


لبنانه الذي هو الكون


هل كان عارف الريس (1928 ــ 2005) فنانا لبنانيا خالصا؟ ولكن ما معنى أن يكون الفنان لبنانيا خالصا؟ بالنسبة إلى الريس جرى الأمر كما لو أنه مزحة لا تقف عند حدود معانيها المباشرة. فوالده التاجر الذي ألقى به نهاية أربعينات القرن العشرين في بحيرات تتقاسم السباحة فيها نساء جميلات وتماسيح تبدو على درجة عالية من التهذيب كان قد فتح أمامه أبواب التجريب الحياتي ومن ثمة الفني على مصاريعها.

لقد اكتشف أن هناك جمالا خارقا منذورا للرعب. أليس هو الجمال المتشنج الذي التزمه السورياليون مبدأ لهم؟ كانت سريالية الريس مستلهمة من الواقع، كذلك حروفيّته في مرحلة متأخرة من حياته، جسدتها منحوتاته في جدة وتبوك السعوديتين.

لقد عاش الريس حياته حالما، تمر به الوقائع اليومية ليلتقط منها المفردات التي تعينه على أن يستمر في شقائه رساما ونحاتا حالماً. فحين ذهب إلى باريس، منتصف خمسينات القرن الماضي درس التمثيل الإيمائي إلى جانب الرسم. فكانت تلك الخطوة بمثابة تكريس لما عاشه من انفعالات ساخنة في السنغال وهو يرى الفن ممتزجا بحركة الناس العاديين من خلال الدين.
عارف الريس يمتزج في فنه الماضي بالحاضر، فلا تقع حداثته على معنى المعاصرة المباشر، كما تحدده المعاجم الفنية المتاحة. وهو ما جعله خارج الزمن

حين عاد إلى لبنان عام 1957 حالفه الحظ في أن يحصل بعد سنتين على منحة لدراسة النحت في إيطاليا. يومها جرى لقاؤه العظيم بجياكومتي وعدد من نحاتي أوروبا الكبار.

ولأن روحه القلقة لم تكن تسمح له بالمكوث في محطة بعينها فقد كان لقاؤه في روما بعدد من الفنانين القلقين مثله مناسبة للعب بالنحت من جهة كونه ممارسة تجريبية هي أقرب إلى المغامرة منها إلى الدرس الفني المنضبط. كان الريس بالنسبة إلى الآخرين هو النموذج الطازج والنضر لامتزاج الشرق المتوسطي بشمسه بمجاهيل أفريقيا الغامضة بعتمات معابدها. كان كائنا حيا يحتضن سحر تعاويذ ملوك أفريقيا بشفافية شمس المتوسط التي حرص على أن يحملها معه أينما حل.

لم يكن عارف إلا ذاته المتمردة التي كانت حريصة على أن تقوم بنزهتها اليومية بين متاهات الجمال. كان جميلا في كل ما يفعل فكان ضروريا أن يحبه الجمال. “سترى كيف سيستقبلنا الرئيس سنغور” قال لي وهو يمسك بيدي ليقودني إلى فندق المنزه بطنجة. حتى تلك اللحظة كنت محرجا إزاء المزحة التي ورطني فيها واحد من أكبر الضاحكين الذين قابلتهم في حياتي، غير أن العناق الأسطوري بين صديقين هما الريس وسنغور الذي لم يكن رئيسا يومها صنع مني شاهدا على براءة الطفل الأسطوري الذي تعبتُ في المقهى من تتبع حكاياته عن عالم سحري عاشه شخصيا، فيما كنت أظنه متخيلا. كان الريس واقعيا في أقصى درجات خياله ولم يكن يجرؤ على الكذب حتى وإن تعلق الأمر بالجمال. يومها لقنني الريس درسا مزدوجا في الجمال والأخلاق معا.

لم يكن الريس صانع فن وحسب بل كان صنيعا إنسانيا فريدا من نوعه.

الزهور النائمة على الحجر


“ما من بلد في العالم مثل لبنان” جملة همس بها الريس لي بتواضع كما لو أنه كان يبوح بسر. حديقته في عاليه تؤكد صحة حدسه. تشبهه، ربما من جهة تنوع نباتاتها، غير أنها أيضا تذكر به باعتباره راعيا لكائنات (منحوتاته) لا يزال في إمكانها أن تلهم الجمال. لبنانه الكوني مثلما حلم به تجسد في حديقة تحمل اسمه في البلدة التي ولد فيها ومات بعد أن جال بين القارات. لو أنه لا يزال حيا لكان قد حدثني وهو يمسك بيدي كما كان يفعل في طنجة عن علاقة الزهور بالحجر.

عاش الريس حياته حالما، تمر به الوقائع اليومية ليلتقط منها المفردات التي تعينه على أن يستمر في شقائه رساما ونحاتا حالما

بالنسبة إلى شخص مثل عارف فإن الوفاء ضروري لكي يشعر المرء بإنسانيته. كانت تنويعاته على قماشة اللوحة وعلى الحجر واحدة. كلها تنبعث من مسعى واحد: أن يكون الصدق قاسما مشتركا بين الواقع والخيال. هذا فنان لا يكذب، بل إنه ظل طوال حياته يراهن على الصدق معيارا لصلته بالآخرين.

لم يمر بالعالم باعتباره سائحا عابرا، بل كان يصر على أن يكون ابن الجرح المفتوح بين ضفتين. كان عليه أن يكون سورياليا فينسى الواقع. كان عليه أن يكون تجريديا فينسى أن يكون تشخيصيا. كان عليه أن يكون بدائيا بسحر رؤاه الأفريقية فينسى حياته في باريس. ولكنه رغب في أن يكون كل ما عاشه، كل ما رآه، فكانت تجاربه الفنية بتنوع أساليبها وموادها وتقنياتها مرآة لحياته.


حياة على هيئة شذرات


عارف الريس المسرع دائما، عاش حياة صاخبة. كان صوته الجبلي، حركات يديه المنفعلتين، نظراته التي هي أشبه بالضربات، لغته المقتضبة التي لا تخلو من المزاج هي أصابعه التي تمتد للعبث في كل ما يراه الآخرون مسلّما به. وهو ما حرص الريس على أن يبقي شراراته ساخنة من خلال كتابيه “الأيام الرمادية: ألوان، أحرف، صور” و”رحلة داخل الذات” وهو عبارة عن حوارات أجرتها الصحافة معه في مختلف مراحل مسيرته الفنية. ولأنه يعرف أن سيرته الفنية والحياتية كانت أصعب من أن تجمع في بوتقة واحدة فقد قرر أن يكتبها مفككة على هيئة شذرات خاطفة. وهو ما نجح فيه. ليس هناك ما يُتعب.

أينما مد الريس يده فإنها كانت تقع على لقى لا يزال معدنها لامعا. فالرجل عاش حياته كاملة، لم يكن ينقصه شيء، وهو ما يجعلني أضمه إلى قلة من الفنانين السعداء الذين نذروا فنهم بل وأنفسهم لحب الآخر العابر للقارات وللغات وللأزمنة.

كان عارف الريس سيد موقفه المتشدد من العالم مثلما كان سيد ضحكته.

9