عارف النايض.. صوفي يطمح إلى رئاسة ليبيا

السياسي الليبي عارف النايض يخوض معركة التصدي لاحتكار الإخوان للسلطة.
الأحد 2020/07/05
التزام بـ"إحياء ليبيا"

عمدا أو دون قصد، لا يتردد عارف النايض في إظهار ميوله الصوفية، وجولة قصيرة على إحدى صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي ستكشف لك علاقة الرجل بهذا التيار الذي يعتبر جزءا من الهوية الدينية لأغلب سكان شمال أفريقيا بما في ذلك ليبيا التي تعج بأضرحة وزوايا تقام فيها غالبا طقوس صوفية وخاصة ما يعرف بـ”الحضرة”.

قد ينظر البعض لجمع النايض، الذي يرأس الآن حزب تكتل إحياء ليبيا وسبق أن تولى منصب سفير في الإمارات، بين السياسة والتصوف على أنه ضرب من ضروب التناقض باعتبار أن التصوف مرتبط في الأذهان بالزهد والعزلة، لكن الأمر لا يبدو غريبا في ليبيا باعتبار أن الطريقة السنوسية التي كان آخر زعمائها الملك الراحل إدريس السنوسي، كانت قضايا الوطن في قمة اهتماماتها حيث رفعت راية الجهاد المقدس ضد الاحتلال الإيطالي.

ويدرك الإسلاميون، وخاصة الإخوان، خطورة ورقة الصوفية التي يمسك بها النايض على مشروعهم الذي يواجه أصلا رفض الليبيين، لذلك يحاولون جاهدين حرق هذه الورقة ولو بتزوير بيانات باسم المجلس الأعلى للتصوف تتبرأ منه وتدعو لعدم انتخابه.

المهندس والفلسفة

ولد النايض في بنغازي سنة 1962، ونشأ في العاصمة طرابلس. درس الهندسة ثم توجه إلى الفلسفة والعقائد والأديان، فتحصل على درجة الدكتوراه من كندا في الهيرمونيطيقا، ومن المساهمين في الحوارات واللقاءات التي تعقد مع ممثلي الديانات الأخرى.

انطلاقا من شغفه بالفلسفة أسس النايض مكتبة كبيرة في العاصمة طرابلس، تضم أكثر من 25 ألف مجلد كانت فضاء يدرس فيه طلابه إضافة إلى تدريسه الفلسفة في مدرسة عثمان باشا وهي واحدة من أقدم المدارس الليبية والتي يتجاوز عمرها 450 سنة.

يرفض النايض وصفه بـ"السياسي" ويصنف تحركاته في إطار "الواجب الوطني نحو بلده" ويفتخر بمسيرته الفكرية حيث ألف ستة كتب في مجال السياسة وعلم الأديان كما أسس مركز كلام للبحوث والإعلام صدر عنه أكثر من سبعين مؤلف وهو أحد مؤسسي المنتدى الإسلامي الكاثوليكي الذي يجتمع مرة كل سنيتن.

يعد النايض أحد أبرز المتحمسين لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية تجدد الشرعية وتنهي احتكار الإسلاميين للسلطة منذ 2011 بتزكية دولية رغم انقلابهم على الانتخابات التشريعية في 2014 تحت ما عرف حينذاك بعملية فجر ليبيا التي انتهت بطرد البرلمان وحكومته إلى مدن طبرق والبيضاء شرق البلاد.

كونه أحد أبرز قادة "ثورة فبراير" لم يمنع النايض من الدعوة إلى مصالحة وطنية مع جميع رموز النظام السابق، بمن فيهم سيف الإسلام القذافي، الذي دافع عنه في أكثر من مناسبة، مستهجناً تحركات حكومة الإسلاميين الساعية إلى تسليمه لمحكمة الجنايات الدولية

ينظر النايض كما غيره من الليبيين لاتفاق الصخيرات الذي تم توقيعه في ديسمبر 2015 على أنه لم يحقق أي شيء سوى إعادة الاعتراف الدولي بالإسلاميين ومن يدورون في فلكهم.

يقول عن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق المنبثق عن اتفاق الصخيرات “للأسف أعطيت له الشرعية الدولية بنوع من الفرض تحت البند السابع وبفرض من مجلس الأمن، مع أن الشخص الذي اختير (فايز السراج) لم يكن في قوائم البرلمان ولم يكن في قوائم المؤتمر الوطني”.

 يكشف النايض أنه أثناء التفاوض في مدينة الصخيرات المغربية “قيل لنا بأن هذا المجلس سيكون لمدة سنة يهيّئ الوضع لانتخابات رئاسية وبرلمانية عاجلة بحيث يستطيع الشعب الليبي أن يجدد الشرعية، ولكن للأسف بقي في الحكم قرابة 5 سنوات الآن يعني فترة رئاسية كاملة دون انتخاب، ثم من العجائب والغرائب أنهم ينددون بالاستبداد ويريدون دولة مدنية”.

في مايو 2018 نظمت باريس مؤتمرا دوليا لحل الأزمة الليبية نص على ضرورة إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية قبل انتهاء السنة. حضر النايض كواليس المؤتمر بصفته مستشارا للأمن القومي لرئيس الوزراء عبدالله الثني. وفي أغسطس من نفس السنة أطلق رؤية إحياء ليبيا 2023 معلنا ترشحه للانتخابات الرئاسية.

فرصة سانحة

النايض تربطه علاقة جيدة بحفتر رغم ما يبدو من تنافس بينهما بشأن السلطة
النايض تربطه علاقة جيدة بحفتر رغم ما يبدو من تنافس بينهما بشأن السلطة

وبعد أن كان رافضا لفكرة الأحزاب، قرر أخيرا تحويل رؤية إحياء ليبيا إلى حزب سياسي ينظر إليه كمنافس لحزب تحالف القوى الوطنية الذي كان يرأسه الراحل محمود جبريل الذي توفي مؤخرا نتيجة إصابته بفايروس كورونا.

ويقول كثيرون إن الفرصة صارت سانحة أكثر من أي وقت مضى أمام النايض بعد وفاة جبريل الذي كان منافسا قويا له سواء في الانتخابات أو في المفاوضات باعتبار رصيده كمعارض لنظام العقيد الراحل معمر القذافي وقيادته لما يعرف بالتيار المدني الرافض لحكم الإسلاميين ولعسكرة الدولة، أما قبليّا فكانت قبيلة وِرْفِلّة التي ينتمي إليها الرجلان منقسمة بين دعم النايض وجبريل.

تُعد وِرْفِلّة واحدة من أبرز القبائل الليبية التي لها امتداد شرق وغرب البلاد وحتى في جنوبها، لكن الكثافة السكانية لهذه القبيلة تتركز في مدينة بني وليد التي قاتل أبناؤها إلى جانب نظام القذافي حتى سقوطه وما زالت إلى اليوم ترفع فيها الأعلام الخضراء في بعض المناسبات وخاصة في ذكرى “الفاتح من سبتمبر” ذكرى انقلاب القذافي على النظام الملكي سنة 1969. حاول النايض على مدى السنوات الماضية تحسين علاقته بقبيلته التي شابها بعض البرود بسبب خروجه عن موقفها الرافض للإطاحة بالقذافي في حين كان هو في مقدمة “الثوار”، لكن وقوفه إلى جانب المدينة خاصة بعد ما تعرضت له من انتهاكات من قبل ميليشيات مصراتة بعد إصدار المؤتمر الوطني العام الذي كان يسيطر عليه الإسلاميون للقرار رقم 7 باجتياح المدينة لتطهيرها من “الأزلام”، ساهم في عودته إلى القبيلة.

ولعب مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة الذي يرأسه النايض دورا في جهود إنجاز المصالحة بين الليبيين، وقام بإعداد ورش عمل مشتركة مع منظمات لها باع في حل النزاعات المسلحة بين أفراد المجتمع الواحد لبلورة آلية عمل لإحلال السلم في ظل الصراعات بين المدن والقبائل، وهو ما شكل فرصة لانفتاح الرجل على أغلب المدن والقبائل التي بات له حضور وتأييد في أغلبها.

اتهامات وإشاعات

ألف النايض ستة كتب في السياسة وعلم الأديان كما أسس مركز كلام للبحوث وهو أحد مؤسسي المنتدى الإسلامي الكاثوليكي
ألف النايض ستة كتب في السياسة وعلم الأديان كما أسس مركز كلام للبحوث وهو أحد مؤسسي المنتدى الإسلامي الكاثوليكي

ورغم كونه أحد أبرز قادة “ثورة فبراير” إلا أن السياسي الليبي يدعو إلى مصالحة وطنية مع جميع رموز النظام السابق بمن فيهم نجل القذافي سيف الإسلام، الذي دافع عنه في أكثر من مناسبة كان آخرها استهجان تحركات حكومة الإسلاميين في طرابلس ”حكومة الوفاق“ التي تسعى إلى تسليمه إلى محكمة الجنايات الدولية، وينظر للخطوة كمغازلة لأنصار القذافي الذين تحاول أغلب الأطراف استمالتهم بما في ذلك الإسلاميون والقيادة العامة للجيش بقيادة المشير خليفة حفتر.

عادة ما يظهر اسم النايض عندما تدور مفاوضات سياسية من بين أحد المرشحين لتولي رئاسة حكومة وحدة وطنية، وهو الأمر الذي يتصدى له الإخوان بكل الوسائل. ومؤخرا عاد اسمه للواجهة من جديد مع طرح مبادرة رئيس البرلمان عقيلة صالح لحل الأزمة الليبية، فتحركت الآلة الإعلامية للإسلاميين وجيشهم الإلكتروني لتشويه صورته استباقا لإمكانية ترشيحه لتولي منصب في الحكومة المقبلة. ويروج الإسلاميون اتهامات مختلفة بشأن النايض من بينها التفريط في أرصدة ليبيا المجمدة في الإمارات وهو الأمر الذي نفاه مرارا، إضافة لإقحام اسمه في قضايا مفتعلة عن انتهاكات لحقوق الإنسان.

وقبل نحو أسبوع برأت محكمة أميركية النايض من اتهامات وجهها إليه تنظيم الإخوان المسلمين إلى جانب عدد من الشخصيات الليبية، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وهو ما مثل انتصارا قانونيا له يطيح بخطط الإسلاميين لاستبعاده من المشهد السياسي بذريعة انتهاك حقوق الإنسان.

تربط النايض علاقة جيدة بحفتر رغم ما يبدو من تنافس بينهما بشأن السلطة خاصة مع إعلان الأخير تولي حكم البلاد بتفويض من القبائل، لكن علاقة النايض تبدو حاليا أكثر قوة بعقيلة صالح الذي عينه مؤخرا مبعوثا خاصا له إلى الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي. وقد تزايدت تحركات النايض السياسية والإعلامية مؤخرا، ما يدفع للتكهن ما إذا كان يجهز للعب دور سياسي يمثل معسكر الشرق ”الجيش والبرلمان“ بعد فشل الحل العسكري للسيطرة على طرابلس، حيث بعث برسالة إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تضمنت مقترحا لتجنب تدمير سرت وإيقاف القتال.

ومن بين أبرز بنود المبادرة إعلان مدينة سرت منطقة منزوعة السلاح خاضعة لرقابة الأمم المتحدة و”تجميد خطوط القتال الحالية على الفور لتجنُّب خطر حدوث صدام إقليمي أضحى قاب قوسين أو أدنى بين أكبر جيشين في منطقتنا، ألا وهما الجيش التركي والجيش المصري”. كما تنص المبادرة على إدخال قوة شرطة ليبية مختلطة إلى سرت أفرادها من كل أنحاء ليبيا يحملون أرقاما شرطية سابقة لسنة 2011 برفقة مراقبي شرطة من أوروبا وكندا وأستراليا.

تقطع مبادرة النايض الطريق أمام محاولات الإسلاميين لاستثمار الدعم الروسي للجيش الليبي كذريعة لرفض الدعوات الدولية إلى وقف إطلاق النار، وأمام تحركات يقوم بها وزير الداخلية فتحي باشاغا لتقديم ميليشياته التي تتواتر الأنباء عن تدريب مجموعات منها في إطار اتفاقية مع شركة سادات التركية، كقوة نظامية تتولى مهمة تأمين سرت.

رؤية ”إحياء ليبيا“ حولها النايض إلى حزب سياسي ينظر إليه اليوم كمنافس لحزب تحالف القوى الوطنية الذي كان يرأسه الراحل محمود جبريل
رؤية ”إحياء ليبيا“ حولها النايض إلى حزب سياسي ينظر إليه اليوم كمنافس لحزب تحالف القوى الوطنية الذي كان يرأسه الراحل محمود جبريل

 

8