عارف حمزة: ما الذي يبقى من الإبداع البشري لو حذفنا منه الشعر

الشاعر السوري يؤكد أن الشاعر روائي كسول ولكن العكس لا ينطبق على الروائيين، والشعر حياة خاصة نعثر عليها مرات ونضيعها مرات كثيرة.
الجمعة 2018/11/16
لو نظرنا إلى عمل فني ممتع سنقول مباشرة: آه.. ذاك هو الشعر

إنها لمفارقة عجيبة أن يُقال إن هذا الزمن ليس زمن شعر، وأن نجد تراجعا مفزعا في سوق نشر الشعر والجوائز المخصصة له وفي حضوره، بينما الشعر أكثر الآداب حضورا اليوم في زمن سريع ومتشظ بكل ويلاته، التي لم يتصد لها فن مثلما تصدى لها الشعر. “العرب” تحاور الشاعر السوري عارف حمزة بمناسبة صدور ديوانه الثامن “لست وحيدا” باللغتين الألمانية والعربية، وهو الذي يعتبر من أكثر الشعراء تصديا لأهوال الواقع والحروب في نصوصه.

يمكننا نعت قصيدة الشاعر عارف حمزة بالقاسية والهادئة في آن واحد وهنا تكمن فرداتها. يقيم حمزة في ألمانيا. فهل يسمي هذا البلد المنفى، يقول الشاعر “ألمانيا تعتبر منفى، شئنا ذلك أم أبينا، رغم أنني عشت في بلدي وكأنني في منفى. من عام 2008 وحتى عام 2011 كنت ممنوعا من الحصول على جواز سفر. وعندما حدثت الثورة السورية أعطوني جواز سفر وقالوا لي: لم يعد لك مكان هنا. وبقيت بعدها لعامين وكنت أرى من كتبت عنهم ينبتون في كل مكان ثم يصفرون ويذبلون كنباتات على شرفات بيوت مهجورة”.

 ويضيف “تعتبر أي أرض منفى عندما تفقد فيها بساطة التعبير، أو تفتقد فيها من يفهمونك. وكذلك عندما تصبح لغتك ومعارفك وشخصيتك مصدر شك أو شفقة. الحرمان يجعل كل أرض منفى”.

صوت الشعر

مشاهد الحرب تصادق قصائد ديوان “لست وحيدا” لعارف حمزة. لكن الشاعر يتعامل معها بمنتهى الهدوء. يقول حول ذلك “ربما هذا هو مزاجي؛ لقد كتبت عن الحرب كمحارب مهزوم، ولكن لا يريد أن يكون رقما هشا وضائعا وغامضا. إذا ذهب أحدنا إلى الحرب سيموت، حتى لو أنّه عاد منها، أو نجا. مزاجي هذا جعلني أصدر مجموعتي الأولى ‘حياة مكشوفة للقنص‘ في عام 2000، وكانت عن الحرب بين الإخوة.  وكذلك مجموعتي الثالثة ‘قدم مبتورة‘ في عام 2006، التي كانت تدعو إلى مغادرة هذه الأرض التي ستدمّرها الحرب، أن نغادرها كي نموت في الطمأنينة. مزاجي هذا جعلني أكتب مجموعة ‘الكناري الميت منذ يومين‘ وكانت عن التعذيب في السجون والموت تحت التعذيب، وهذا ما جعلها ممنوعة من دخول بلدي منذ صدورها في عام 2009”.

الشعر ضد البشاعة كشعار عام، ولكنه يعيش معها أيضا ويفتتها وينشر صوتها وصورها كتفصيل مهم على هذا الكوكب

يضيف الشاعر “لا أدري من الذي كان يصرخ في داخلي أو يئن، فأنا لم أذهب إلى حرب يوما وكذلك لم أدخل السجن سوى ليوم واحد. وبالتالي لا أجد أنه من الضروري أن يكون أحدنا مسجونا كي ينتمي كتابه إلى ‘أدب السجون‘. لم تكن هذه رغبتي بالتأكيد عندما كتبت عن ذلك ولم أسجن، هي مهمة النقاد الذين يضعون أسلاكا شائكة حول الكتابة كلما تحرر كاتب من القيود.عادة ما يكون الشعر ضد البشاعة كشعار عام، ولكنه يعيش معها أيضا ويفتتها وينشر صوتها وصورها كتفصيل مهم على هذا الكوكب الغريب”.

 في ديوان “لست وحيدا” عمل حمزة على تحرير اللغة من زمنيتها الثابتة في القواميس، لتبدو حيوية وطازجة مع كل قصيدة. نسأله عما يبحث في الشعر؟ فيوضح “أنا أبحث عن الشعر فحسب. ولكن منذ البداية كتبته بلغة بسيطة ومكثّفة معتمدا على توليد الصور التي تحاول أن تظل بريئة من الزمن والمكان. كذلك أنا أبحث للتخلّص من الأصوات التي تصنع ذلك الضجيج في رأسي وفي حساسيتي. للتخلص من الأصوات التي ذهبت للحرب بدلا عني، وكذلك ذهبت إلى المنفى والمستشفيات والسجون وماتت من شدة الحب أو الهجران أو الانتظار أو التعذيب أو سوء التفاهم مع العالم. أريد أن أعثر على صوتي النقي من بين كل تلك الأصوات، وربما وقتها يكون صوتي هو صوت روائي كتب الشعر بسبب حساسيته وإخلاصه لتلك الأصوات الضعيفة والمهملة وإخلاصه للشعر”.

ويضيف “كان الشاعر يعيش شاعرا، أو يتصنع ذلك العيش، داخل حياته العادية أو الاستثنائية. حاولت العيش منفصلا عن ذلك، ليس على أن الشعر صنعة أو لا، بل على أنه حياة خاصة نعثر عليها مرات ونضيعها مرات كثيرة”.

صوت روائي كتب الشعر

من يقرأ نصوص كتاب “لا أريد لأحد أن ينقذني” و”لست وحيدا” سيعرف أن بلد الشاعر قد شهدت نزوحا وقتلا ودمارا. نسأله عن مدى تعمده أن تكون الكتابة أداة للتوثيق، فيقول “الوثائق يكتبها المنتصرون، الغالبون. نحن كنا مغلوبين على أمرنا. نحن كنا مهزومين منذ سكتنا عن صعود العسكر والدكتاتوريات. هي أصوات وليست وثائق. هي أصوات تختنق. هي أشياء صغيرة لا يلتفت إليها أحد ربما، ولكنها تؤلم، وتتابع ألمها حتى عندما لا نشعر بعدها بأي ألم. ربما ‘التوثيقية‘ هي مهمة السينما والرواية وربما المسرح، لكن الشعر هش على تحمل أدوار وأوامر ومصطلحات كبيرة. وعندما يذهب الشعر نحو تلك القضايا الكبرى، وهو حدث ويحدث دائما، تشعر بأن كاتب ذلك الشعر هو عامل عند شيء، أو أحد آخر، غير الشعر ومتعة كتابته أو حتى التفكير فيه”.

من ناحية أخرى يشير ضيفنا، من ضمن المفردات التي لا يحب استخدامها في نصوصه، تلك المفردات التي تغلق النص وتقيده وتجعله مسجونا في عاطفية مفرطة، وفي إطار ما وفي مكان ما وبين شخصين محددين. فتح النصوص، وعدم سجنها، بحاجة إلى عمل لغوي، من حيث الضمائر والزمن وتغيير مجرى الزمن… إلخ، وهو إحدى متعه في الكتابة، دون أن يتطاول ذلك على شعرية النص ولا على هشاشته ورقته الجارحة.

الرواية والشعر

يرى حمزة أنه لو نظرنا إلى الأعمال الممتعة فنيا، أو حتى إلى قطعة صغيرة في رواية فنية سنقول مباشرة: آه. إنها مثل الشعر. “الشعر هو ما يجعل فيلما سينمائيا متميزا، وكذلك الرواية والقصة والفن التشكيلي والمسرح، والشعر نفسه. إنهم يستخدمون الحساسية، والنظرة والذكاء، التي يملكها الشعراء. الشعر هو ما يلفت الأنظار في كل الإبداعات الأخرى. ما الذي يبقى من الإبداع البشري لو حذفنا الشعر من تلك الإبداعات؟ الشاعر روائي كسول، ولكن العكس لا ينطبق على كل الروائيين. لقد وصلنا إلى زمن صرنا فيه نقرأ الروايات، والمسرح والقصص، ونحضر السينما كي نعثر على الشعر، ربما أكثر من وجوده في كتب الشعر نفسها. عادة لا تباع كتب الشعر مثل الروايات. الشعراء أقلية، والشعر نادر وآسر ولا بد من الشقاء في كتابته والبحث عنه وعيشه وهجرانه أيضا”.
عن مدى تفكيره في القارئ أثناء الكتابة يوضح حمزة “في البدايات لم يخطر ذلك في بالي. بمعنى أنني لم أكن أفكر بقارئ نصوصي. ولكن حاليا أفكر في القارئ، ليس من أجل تقديم ما يرغب فيه أو ما يحتاجه، بل في اللعب معه، في خداعه، في صدمه من خلال الصورة أو الدرامية أو النهايات أو بساطة الأشياء أو خلخلة الأشياء العظيمة الوهميّة في ذهنه”.

ويتابع “في كتابي الأخير، الذي صدر باللغة الألمانية أيضا، كان الكتاب مؤلما للقارئ الألماني. تصلني رسائل وأحاديث عن كمية الألم التي يتفاجأ بها القارئ الألماني الذي يعيش حالة من الرخاء. يظنون أن الألم انتهى ما دام لا يوجد هناك ألم شخصي. يريدون أن يديروا ظهورهم لماضيهم الذي كان مؤلما بشكل لا يطاق خلال الحربين العالميتين. يظنون أن الألم مادة وثائقية وليس عيشا حقيقيا وعيشا شخصيا. ولكن متى كان الشعر غير مؤلم؟ لذلك أحب أن أقدم لقارئي، وبشكل موجز ومكثّف، ما يصدمه ويذكره بأن الألم هو الجار الحقيقي لحياته الرخوة".

15