عارف حمزة: نموت ألف مرة ولا نستسلم للخسارات

الأربعاء 2014/07/09
عارف حمزة: الشعب السوري ما زال يقرأ الشعر كما يأكل وجباته من الحزن

دمشق - عن دار “غاوون للنشر”ببيروت، صدرت مجموعة شعرية بعنوان “لا أريد لأحد أن ينقذني.. من يوميات الثورة السورية”، للشاعر السوري عارف حمزة، من مواليد العام 1974. وهذه المجموعة هي السابعة للشاعر حمزة. نذكر من بين أعماله السابقة “قرب كنيسة السريان” و”الكناري الميت منذ يومين” و”حياة مكشوفة للقنص”.

الكتابة لحظة عبور إلى النار، وقراءة هذا العبور هي دخول آخر إلى النار، ولكن من حلقة نارية ثانية، خاصة إذا كانت الكتابة لاذعة وحادة.. كما أن الشاعر لم يتخلّ في مجموعته هذه عن قاموسه اللغويّ الثريّ رغم هدوئه، حيث ما زال للنكران والهجران وصورة الدم وندبة الجرح حضورها القوي في قصائده، إلا أنها تبدو أكثر قسوة وألما إذا قارنّاها بأعماله السابقة.

كأن الشاعر من خلال قصائد مجموعته الشعرية “لا أريد لأحد أن ينقذني”، قد أراد أن يقول “لم تنهشنا الخسارات رغم أننا نموت ألف مرة في اليوم؟” وكأنه أراد كذلك أن يؤكد على أن الشعب السوري ما زال يقرأ الشعر كما يأكل وجباته من الحزن والألم والمعاناة. يقول في إحدى قصائده: “ولكننا لا نفعل/ فنحن أصلا يروقنا هذا الموت/ ولعله حدس الشـاعر بالمـــأساة/ بذهاب بلاد كاملة نحوه”.


تناقضات الروح


استطاع الشاعر عارف حمزة أن يترك هوية من روح التفاصيل والدهشة في التقاط بساطه وعمق هذه التفاصيل في قصيدته النابضة بتناقضات الروح، لكن هذه المجموعة تصيبك في أكثر الأمكنة وجعا بالروح ولا تترك مجالا لأحد بأن ينقذك.

مجموعة شعرية تصيبك في أكثر الأمكنة وجعا بالروح ولا تترك مجالا لأحد بأن ينقذك

منذ صفحاته الأولى يمسك بك وبذكاء وطيبة وصدق وشاعرية موجوعة يلتف حولك، وكلما قرأت أكثر كلما زاد التفاف الحبل حول عنقك، فلا يتركك إلا وقد جرك معه إلى حزن دفين آسر ينبع من جرحك المكتوب على صفحاته بمهارة وقوة. يقول الشاعر: “لا تخافي أيتها الطفلة التي كانت في الشرفة/ وصارت الآن تحت الأنقاض/ أريد أن أستيقظ من موتي هذا/ وأذهب لإنقاذك، لأني/ لا أريد لأحد أن ينقذني”.

هكذا يخاطب عارف أرواحنا تحت الأنقاض بهذه البساطة القاتلة، البساطة الرشيقة غير المصطنعة المعتمدة على الأحداث التي لا تحتمل ولكن بإيقاع إنساني شفاف وبمفارقة جميلة وشمولية وبانتصار دائم للحقيقة. يقول حمزة: “يذكرونك كشهيدة/ بعدما انتهت سيرتك في هذا البلد/ بينما حبيبك يذكرك/ كحبيبة ضاعت/ كيف ستشرحين للملائكة/ بأنك تريدين الذهاب إليه/ إلى قلبه/ وسريره/ وليس/ إلى أيّ مكان آخر”.


انتصار الحب


في المجموعة نلاحظ انتصارا دائما للحب ولحق السوريين الدائم في الحياة، انتصارا للتفاصيل البسيطة التي هي جوهر تكويننا وقدرة على نقلها إلى القصيدة بنفس بساطتها وبنفس جوهرها وذلك بذكاء حقيقي يجعلك تسير مع القصيدة بحب ودون تعب وفي نهايتها يترك هوة من نفس التفاصيل هوة بينك وبين نفسك حين يباغتك بصورة واخزة تصيبك وأنت معه بتلك الصورة الواخزة المؤلمة اللذيذة.

ذاكرة الثورة بلغة خاصة

يقول عارف حمزة: “تعوي السيارات في الشارع/ تعوي بسبب القصف/ تخرجين إلى الشرفة وتنهرينها/ كي تنام طفلتك الميتة/ في الحمام”.

لكن مرارة دائمة تجتاح دمك وأنت تقرأه يصبح هذا الأفق كحقيقته معدنيا بالفعل وتصير القصائد جدرانا تقترب منك بهذه المفارقات التي يضعك فيها والتي يجعلك بها لا تستطيع أن تنسى ذاكرة المجزرة. يقول: “المعادن/ التي ترفعها في وجهي/ ولا تغمض عينيك/ المعادن التي اخترقت صدري وخاصرتي/ ولم تغمض عينيك/ المعادن/ تجلس/ بدلا عنك/ على قبري/ وتبكي”.


ذاكرة الثورة


يكتب الشاعر حمزة عارف ذاكرة الثورة بلغة خاصة هي ليست لغة القوة ولا هي لغة التحدّي الشعاراتية ولا هي لغة السرد التي تحوّل القصيدة إلى مقال صحفي إنما هو يكتبها بلغتها الأصيلة حين تلثغ هذه اللغة بأصوات أطفالها الذين رحلوا وحين تشهق بصوت عاشقة فقدت عشيقها كله وحين تنوح بصوت أم ثكلى، بلغة طيّبة تعيد لهذه الثورة طيبتها المسروقة وتعيد فينا إنتاج أنفسنا من جديد. يقول: “سنحاولُ في الهدنة/ أن نذهب إلى الثكنات/ ونحدّق طويلا/ في الدبابات التي قصفتنا/ ونرمي لها/ فتات الخبز”.

كأنه يرمي لنا فتاة الخبز، فتاة خبز القصائد علها تشبع أرواحنا، عارف يرمي للدبابات التي قصفتنا فتاه الخبز، يرمي للوحوش التي ربيناها في أنفسنا بعناية فتاه الخبز، لكنه أيضا يحرص على أن يريحنا من الأمل هذا الحمل الثقيل. يقول: “كانت الحياة مسجونة/ ويضربونها بالسياط/ الأملُ/ كان مدفونا/ في بحيرة رائعة من الدم/ عيناكِ كانتا هناك/ كانتا تحاولان إنقاذي من الأمل”.

وبالرغم من تميز معظم قصائد المجموعة بلذعتها الواخزة في الروح وبقدرتها على إعادتك بكل طيب خاطر وبكل شفافية وصدق إلى ذاكرتك، إلى المجزرة، إلا أن هناك بعض المقاطع التي تقل فيها هذه الدهشة الشعرية، ويأخذنا الحدث بحجم ما فيه من ألم، لكنها تبقى حالة من وصف مأساتنا ولكن بحالة أقل شاعرية، والحقيقة أن عارف يعيد حياكة وجعنا المتكرر حتى يقدّم لنا شالا شعريا دافئا لبرد الروح وبرد الحنين. يقول الشاعر السوري عارف حمزة: “هذا سبب كاف لانتصار جيش ضعـــيف/ أن تقفي إلى جانبه/ ولو برائحتك”.

ويقول للعالم الأعمى كم أن الشعب السوري مظلوم في ثورته، في أيّة لحظة من زمنها، وفي كل شبر من مكانها، وفي كل إنسان من أناسها؛ يقول ويترك قلوبنا تتماهى مع قلبه الممزق لأن مجموعته “لا أريد لأحد أن ينقذني” هي نفسها ريشة ذلك الطائر. يقول: “لم تكن الأنقاض ثقيلة/ ولا السماء التي حملت تلك الطائرات/ ريشة الطائر الخائف/ عندما سقطت علينا/ مزّقت قلبي”.

15