"عار" كوتسي من جيل الاستعباد إلى جيل المهادنة

الأحد 2014/08/17
كوتسي يقدم جيلين يتواجهان في روايته بين ماض مدان وحاضر غاضب

بطل رواية «العار» للجنوب إفريقي ج.م كوتسي الحاصل على نوبل للآداب، الصّادرة بترجمة الشّاعر عبدالمقصود عبدالكريم، عن سلسلة الجوائز بالهيئة العامة للكتاب، هو ديفيد لوريي ابن الثانية والخمسين مِن العُمر مُطلّق وأستاذ بجامعة كيب للتقنية، مُهتّم بالشعر والأوبرا وتأليف كِتاب عن بيرون، ورغم شيخوخته فإن له نزواته الجنسيّة التي جعلته يتدبرها عبر وكالة عرّفته بامرأة اسمها ثريا، دأب على الالتقاء بها كل خميس، يُصاب بالهجران بعد أن تركتِ المرأة الوكالة حتى يصل إلى عنوانها، فتهدّده بعدم الاتصال بها وينقم على زوجها، ثم يكرِّر الأمر مع سكرتيرة الجامعة التي لا يعود إليها بعد تجربته الأولى معها، فيكرِّر نزواته مع امرأة أخرى من الوكالة إلا أنّها لم تَرُق له حتى وقعت عيناه على طالبته في الصّف النهائي فنشأت بينهما علاقة تردّدت إثرها على بيته ومارس معها الجنس أكثر من مرّة إلى أن دبت الغيرة في صديقها القديم الذي راح يطارده ووصل الأمر إلى أسرتها فتقدمت بشكوى ضده إلى إدارة الجامعة فتتغير دفة الأحداث لتنتقل بعدها إلى الريف حيث مزرعة ابنته التي تقيم وسط السود.

بعد إدانة البطل بتهمتي التحرّش بطالبة من صَفه هي ملانيي إسحق، وتبديل درجاتها في سجلها الطلابي بمنحها درجات في امتحانات لم تدخلها بعد انقطاعها عن الدرس بعد الحادثة، يقف الأستاذ الجامعي أمام اللّجنة المُشَكلَّة من قِبل نائب رئيس الجامعة للتحقيق في الاتهامات، ومع أن اللجنة متعاطفة معه ولا تريد أن تدينه، لئلا يفقد وظيفته إلا أنّه يقف موقفًا سلبيًا من طلبات اللجنة، فيقرُّ بقائمة الاتهامات التي وجهتها إليه الطّالِبة دون أن يقرأها.

ومع إلحاحهم على القراءة يزداد رفضه في موقف يثير اندهاش أعضاء اللجنة، ثم يبدأ بعدها في تقديم اعترافه الشفهي، يضمنه عدم تحرشه بالطالبة، بل يفيد أن ما حدث بينه وبين الطالبة لم يكن كما قُدّم في عريضة الاتِّهام بأنَّه استغلَّ سُلطاته الجامعيَّة، فالحكاية التي يرويها أمام اللجنة تشي بأنه لم يخطئ، والأعجب أن الأستاذ وَجَد فيها فرصته ليُعَاقِب نفسه على فعلته التي كما يقول لم يكن سببها إلا أن «إيروس قد دخل، بعد ذلك لم أكن كما كنتُ».


الأبيض والأسود


يضع كوتسي بطلي روايته البروفيسور ديفيد لوريي وابنته لوسي، وموقف كليهما من الحادثة التي ألّمت بهما في مواجهة وتناقض يكشف من خلالهما صراعًا مع واقع مازال يدين الماضي بعد كُلّ المتغيرات التي جرت في النهر، فالحادثتان تعكسان اختلافًا بين جيليْن في التفكير وفي التعامل مع أزمة ظلّت قائمة ومتوترة بين الطرفين لردح مِن الزمن، سُبَّة في ثياب الحريات والديمقراطيات الغربية وإدانة لأفعال الرجل الأبيض ضدّ الأسود، ثم حلّت النقمة على الأبيض بعد حالة الشراهة في الانتقام من هذا الماضي الذي لم تمحه الأيام، وهو ما سجلته أدبيات ما بعد الاستعمار، التي سعت جميعها لتقويض مزاعم المستعمِر ودحض افتراءاته.

فالأب البروفيسور يمثّل الجيل الأول المتشبث بالعنجهية والعداء للأَسْود وشعوره بأنه الأفضل، والابنة تمثّل الجيل الثالث الذي تغيرّت رؤيته وأخذت تَنْصَاعُ للواقع الجديد الذي ليس فيه مجال للصراع، فالمهادنة والتسامح هما الحلّ الأمثل للتعايش الآمن بين الجميع، فترفض تحريض أبيها لها على التبليغ عن هؤلاء الذين قاموا بالسّرقة واغتصابها، ثم في موقف أكثر تشبثًا ترفض أنْ تُجْهِض نفسها وتعيش بطفل هو ثمرة الاغتصاب، فيصبح الطفل الهجين هو الحل التوافقي والعملي لحالة فض الاشتباك بين الطرفين.

المهادنة والتسامح هما الحلّ الأمثل للتعايش الآمن بين الجميع


إلى المزرعة


إزاء حالة الضغط التي يتعرض لها البروفيسور من جرّاء إجباره على الاعتذار لتسوَّى المسألة، يرفض البروفيسور هذا الاعتذار مُعتبرًا أنّه إهانة له فيقول في ثوّرة للمحققين «اعترافات، اعتذارات لماذا هذا العطش للإذلال؟»، وفي لحظة تمسّك بمبدئه يصرخ في وجه رئيس اللجنة الذي يمرِّر له النصيحة بالاعتذار لتخفيف العقوبة وعدم فصله «لن أفعل… أجبت بأنني مذنب، جواب مدني، يجب أن يفي هذا الجواب بالغرض. الندم لا مكان له، ينتمي الندم لعالم آخر لخطاب من كون آخر»، فيضطر إزاء المحاصرة والمطاردة إلى مغادرة المدينة إلى مزرعة ابنته لوسي، وهناك في المزرعة يُمارِس نَوعًا من حياة التأمّل، لكن السأم ينال منه فيقبل عرضًا من ابنته للعمل في عيادة رعاية الحيوانات، مهمتها القتل الرحيم مع «بيف شو» رغم اعتراضه في بادئ الأمر على اعتبار أن هذا العمل من خدمة المجتمع يمثل نوعًا من التكفير عن الذنب، وهو الشيء الذي لا يعترف به في داخله، وفي النهاية يقبل العمل التطوعي خاصة بعد حالة التقارب التي لوحظت بينه وبين حيوانات المزرعة.

يبدو ديفيد معاندًا لأقصى حدٍّ ومرجع هذا لإيمانه بمبدأ لا يتخلى عنه، ففي معرض لقائه بروزالندا التي يلتقيها في كلير مونت والتي شاطرها الفراش لمدة عشر سنوات، تواجهه بلقائها لهذه الفتاة التي ضيّع حياته بسببها، فيحتجُّ بأنه لم يضع عمره، فتعدُّد عليه خسائره هكذا: «فقدت وظيفتك، تلوَّث اسمُكَ، يتجنبُكَ أصدقاؤك، تختفي في طريق تورانس كسلحفاة تخشى أن تبرز عنقها من ترسها، يسخر منك مَنْ لا يستحقون أن يربطوا حذاءك، قميصك ليس مكويًا، يعلم الرب َمنْ قصَّ شعرك (…) ستنتهي كأحد أولئك المسنّين التعساء الذين يفتشون في صناديق الزبالة».

فكرة الاعتذار التي رفضها من قبل لجنة الجامعة، والتي قادته لقبول أقل ما عُرض عليه تتسق مع السياق الاجتماعي، عندما عقدت مجالس شعبية لمحاكمة الذين ارتكبوا أخطاء كبيرة في حق السود من البيض، وتمت التسوية بالاعتذار الشفهي، وأشرف على ذلك فعليًا نيلسون مانديلا بنفسه.


العقاب الجماعي


يتكرّر العِقاب على الجُرم الذي اقترفه الأب ولكن هذه المرة على ابنته من قبل المستوطنين السود بمهاجمة المزرعة، وسرقة ما بها والأهم هو تناوبهم الاغتصاب الجماعي على لوسي في مفارقة تكشف عن حالة الغضب العارم وما مثَّله مِن انتقام جماعي للبيض، ردًّا على فترات الاستعباد والإذلال والإخضاع، فيحث الأب ابنته على بيع المزرعة، خوفًا من عودتهم مرَّة ثانية إلا أنّها تقابل طلبه باستخفاف وبردٍّ ينمّ عن حالتي الاستسلام والسلام النفسي اللتين روّضت نفسها عليهما، ورغبتها في التكيف مع هذا الواقع الجديد، «لماذا يجب أن يسمح لي بالعيش هنا دون أن أدفع ؟»، وهو ما ينتهي بمصالحة على مستوى أحداث الرواية بقبولها العيش مع طفل يَحْمِلُ مزيجًا من الجنسين كنوع من التكفير عن خطيئة الماضي وعن عار جنسها الجماعي بارتكاب التفرقة العنصرية.

شخصيات روائية تحمل في باطنها فكرة التطهّر والخلاص

كما تأتي مفاهيم الأب وتصوراته عن الجريمة متماشيةً مع مصطلحات فترة الاستعمار فتتردد كلمات مثل: الاستعباد، يريدونك جارية لهم، إخضاع، تحكُّم، وهو ما يدعّم فكرة رفض الاعتذار امتثالاً لمرجعيات تتطابق مع تصورات مرحلة الاستعمار، وَسُلطة الرجل الأبيض.

الشيء الذي انسرب من داخل النّص، وربما قصده كوتسي ليشير إلى جريمة أخرى تشكلت بموازاة حالة الاضطهاد التي عاني منها الأسود تحت حكم الأبيض، هو ردّ الفعل العنيف والمبالغ فيه للانتقام من المستعمَر، لحد التشويه، وهو ماثل في حالة الابتزازات التي رَاحَ يُمارسها الأسود على الأبيض بعد تبادُّل الأدوار وقد تجلّى بصورة واضحة في تلك الابتزازات التي مَارسها صَديق الطالبة إسحق ذي الملابس السوداء الذي جاء إليه في مكتبه وأخبره بأمر مضاجعته لها، ثمّ حضوره داخل الصفِّ كنوعٍ من استثارة الأستاذ عليه.

وبالمثل تتكرَّر ابتزازات بطرس للوسي مُقابل حمايتها والقبول برعاية الابن، وتستغل «بيف شو» التي يعمل معها في عيادة العناية بالحيوانات سبب تركه مدينة كيب، لتجبره على أن يدخل في علاقة معها بناءً على رغبتها واحتياجها له، فيتركها تفعل ما توَدّ فعله أو تعويضه بالنسبة إليها «تضغط بيف شو جسمها في جسمه مرة أخيرة، وتريح صدرها على صدره، يتركها تفعل ذلك»، وقد انعكس إيمانه بهذه الابتزازات على قرار رفضه الاعتذار بقوله «تعني أن أذل نفسي وأطلب الرأفة»، ثم في رفضه لفكرة تسامح ابنته مع سارقيها ومغتصبيها، فيحتجّ «لوسي، لوسي أتوّسل إليكِ! تريدين التعويض عن أخطاء الماضي، لكن ليس بهذه الطريقة. لن ترفعي رأسكِ مرّة أخرى إذا فشلتِ في الدفاع عن نفسك في هذه اللحظة، ربما تحزمين حقائبك وترحلين أيضًا».


شكل مسرحي


يبني كوتسي نصه على شكل مسرحيّ، حيث يعتمد السرد على مسرحة الأحداث، وقلة الشخصيات الروائية، التي تحمل في باطنها فكرة التطهر والخلاص، وكذلك يعتمد على الحوار الخارجي وإن بدا خارجياً إلا أنه يميل إلى المنولوج حيث الصمت يغلب على معظم الحوارات فصارت الشخصيات وكأنها تُلقي حديثها إلى جمهور ماثل في ركن من أركان الرواية أشبه بالمسرح، بالإضافة إلى أن ثمة راوٍ أشبه بوظيفة المُلقن في المسرح.

ويميل المكان مع محدوديته (الريف والمدينة)، إلى طبيعة المكان المسرحي الذي تغلب عليه وحدة المكان المسرحي، حيث حركة الشخصيات مَحدودة وتنقلاتها تكاد تكون قليلة جدًا تتناسبُ مع المكان المسرحي، فأغلب تواجد الشخصيات في أماكن مغلقة حتى في المزرعة لا تتعدى البيت والعيادة ثم في مرحلة لاحقة منزل بطرس. تتداخل في سرده نصوص شعرية وروائية وأوبرالية تكشف عن وعي الكاتب، ومُحاضرات عن الشاعر وردزورث، وأخرى مقاطع عن كتابه عن بيرون والشعراء الرومانسيين، بالإضافة إلى المقولات الأدبية والأبيات الشعرية.

تنتهي الرواية بمفاجآت تتكشف في نهاية الوحدة الأخيرة، منها حَمْل لوسي ثم رفضها الإجهاض وتمسكها بالطفل، ومنها أيضًا ظهور أحد المغتصبين «بولوكس» في حفلة بطرس، وأخيرًا اختفاء بطرس وزوجته وأحد المغتصبين.

بشيء أو بآخر عاقب كوتسي بطله، حتى لو لم يكن عقابًا جسديًا، يكفى أنه صار مطاردًا، ورأى ابنته تجتر آلامها وتجلد ذاتها على صليب أحزانها دون أنْ يقدِّم لها عونًا غير المواساة، فحَمَلَ عاره وَرَحَلَ وَتَرَكَ لنا عارنا الذي يتجدّد مع ظاهرة التحرّش التي أرّقت المجتمع المصري وتتنافى مع حُرمة الجسد التي أوصت بها الأديان السماوية، وهو الفعل الذي يوجب على أُولي الأمر لردع هؤلاء المجرمين، فِعْل الإخصاء الذي قام به الفيلسوف «أريان» لنخلِّصَ المجتمع مِن هذه الحيوانات الهَائِجة.

14