عازفة الجسد وعازف الليل

السبت 2015/05/23

ثمة عياطٌ عالٍ يمطر على أيام الناس ولياليهم من شاشة التلفزيون ومن ثقب المذياع.

المذيع يعيّط ومثله الضيف ومثلهما المعقِّب. زخّات ضخمة من الأنباء والشائعات والصور، تتلف أمخاخ النظارة والقارئين والمنصتين. لا خبر يقينا ولا شرائط ثقةً ولا وقوع رحيما فوق أُسّ الجرح. ليس من صمّامات أمانٍ ولا من سواتر وعي تسدُّ مسدَّ أكياس الرمل التي بمقدورها صدَّ طلقات الخديعة.

فوق الأرصفة الغبراء وفي محابس أكشاك الكتب، تترمّل جرائدُ الورق وتكفهرّ وترفرف بعنواناتها النائحة، كما لو أنها تعيد إنتاج طقطوقة وردة الجزائرية: اشتروني واشتروا خاطر عيوني ريّحوني، فلا من يشتري ولا من يقرأ سوى كمشة عجائز يتأبّطون الصحيفة وييمّمون عيونهم وقلوبهم شطر مقهى الرصيف، وموعد ما زال يسري بالدم، مع رشفات بطيئات من فنجان قهوة، وشفطة مرتعشة من مؤخرة سيجارة.

ثمَّ جاء على الناس حينٌ جديدٌ من الدهر امتلكتْ فيه منبعاً مريباً للنبأ غير اليقين، فوقعتْ في غرامهِ وصدّقتْهُ وبادلتهُ الحبَّ بالحبّ والغوايةَ بالغواية والطعنة باللذة.

هو عالم الفيسبوك الشاسع وإخوانه بالرضاعة الذين أشهرهم السيد تويتر.

في هذه العيشة الغابوية، تجد السوق محتدمة والعرض قائم على حيلهِ بدكة مزاد لا يكلّف القوم غير سويعات من وسعهم ونواح مجسّات الاستلام وفقدان غرابيل التصفية، وفق مبدأ إذا جاءكم فاسدٌ بنبأ فتبينوا وتيقنوا وتحسّبوا.

اسمٌ يوحي لك بشيعيّتهِ فيقتل الشيعة، وثانٍ بقناعٍ سنّي ليقتل السنّة.

واحدٌ اسمه شوان حمه يطلب صداقتك وإذ تذهب للبحوشة والتنقيب بصفحتهِ المصفّحة كي تطمئنّ روحك وقلبك، ستجده يغوص بما غاص به وطمس عبد الزهرة.

لأبي حصة اسمٌ آخر هو جورج، ولصليوة قناع عنوانه نويل، ولعازف الليل صورة مستلة من ألبوم عازفة الجسد البديع.

سرّاق شعر وحرامية فكرة ولصوص مصطلح. مشعلون قساة لنيران وفتن ودسائس. غواة لغوة جائفة غاطسة متعفنة ببطن التأريخ. زرّاع أمراض وعللٍ، ومشرعنو قِوادة ومحتلو أدمغة باردة.

هي أكبر عملية تدويخ سقطتْ فوق رأس البشر حتى الآن.

في هذا الموات العظيم، ثمة من يقلّي ويدوزن حروفهُ بزيت الحق.

24