عاش الحزب، مات الشعب

الكيانات الاجتماعية الهشة لا تملك المنعة الكافية لكي تدافع عن إرث سياسي أو مؤسسي أو قانوني إنها كيانات ما تزال رخوة ويسهل على أي نصّاب أو أفّاق أو دجّال أن يستولي عليها.
الثلاثاء 2021/01/05
الثوار في العادة لا يتراجعون عن طلب التغيير الشامل والجذري

مهما علت الأصوات، ومهما طاف الملايين بالاحتجاجات ومطالب التغيير، فإن الشعب هو الذي يسقط ويتراجع الآن، وليس الحزب الحاكم. إنها ظاهرة تستدعي التأمل والبحث عن تفسير.

لقد احتل الملايين من العراقيين ساحات الاحتجاج لعام كامل، وزادوا عليها بتظاهرات ظلت تتواصل في مختلف مدن البلاد، ولكن النظام القائم على تحالف ميليشيات تابعة لإيران لم يسقط. تبدلت وجوه، ولكن النظام ظل قويا وقادرا على أن يسحق كل تلك الملايين ويسخر من عجزهم عن التغيير. بل ويعدهم أكثر من ذلك، بأنه إذا رحل طرطور، فإن طرطورا أسوأ منه هو الذي سوف يحل محله.

الشيء نفسه تكرر في لبنان. فقد ظل اللبنانيون يتظاهرون ويطالبون بإسقاط النظام إلا أنهم هم الذين سقطوا في هوة الفقر والحرمان، وانهال عليهم كل ركام انفجار ميناء بيروت، وظل النظام الذي يقوده حزب الله قويا وقادرا على قهر المزيد.

قبل هذا وذاك، كانت الغالبية العظمى من الشعب السوري تتظاهر ضد نظام الأقلية الحاكمة، إلا أن هذه الأغلبية هي التي سقطت وظل النظام باقيا فوق تلال من الجماجم، والخراب العميم. ولئن تظاهر الملايين، أملا بأن يطلب الحاكم لجوءا في بلد يحميه، فإنهم هم الذين تشردوا.

وبرغم أن ما يدعى “الربيع العربي” الذي انطلق من تونس في العام 2011، ظل هو المنعطف الملحوظ أكثر من غيره، إلا أن الربيع الإيراني سبقه بسنوات. ولكن الشعب الإيراني، الذي ظل يعود ليجدد تظاهراته واحتجاجاته، كان هو الذي سقط، وبقي حزب الولي الفقيه يحكم بالموت الزؤام على الملايين من الإيرانيين، ويقتل منهم ما شاء له الهوى، ويعدهم بالمزيد.

أعمال القمع الشديد، التي تترافق مع القتل والاعتقالات والمحاكمات التعسفية، التي مارسها نظام الولي الفقيه ضد شعبه، كانت هي الدرس الذي تعلمه نظام الرئيس بشار الأسد، فأوغل فيه، وظل يتبع وسائله، حتى أطاح بكل تلك الملايين التي كانت تتظاهر ضده. سحقهم جميعا، وحولهم إما إلى مشردين، أو إلى غنم طائعين، بعد أن رأوا من العذاب في المعتقلات ما لم يره أحد. وكان كلما اتسعت جريمة، قادت إلى أوسع منها، لأن الخوف الذي قاد النظام إلى قمع شعبه، ظل يزيد لتزيد معه المأساة.

حتى السلاح لم ينفع. بل إنه انقلب وبالا على من حملوه، بدلا من شعارات التظاهرات السلمية. وهذا ما تعلمه العراقيون. فبرغم كل آلة القمع المسلح التي استخدمتها الميليشيات التابعة لإيران ضدهم، فقد بقيت تظاهراتهم بعيدة كل البعد عن التسلح.

هناك ما يبرر الاعتقاد بأن أعمالا مسلحة ربما كانت تكفي لطرد الميليشيات في العراق من بعض المدن على الأقل، بل وتكفي لتدمير كل خطوط التجارة والتوريد التي تمد نظامها بالمال، إلا أنهم آثروا الامتناع عن استخدام القوة، بل وآثروا أن يدفعوا ثمنها. فسقطوا، وبقي النظام يرتع بالمزيد، ويعدهم بالمزيد.

إنها ظاهرة دموية إلى أبعد الحدود. وأثبتت أنها قاهرة للملايين من بعد الملايين، من دون أن تشكل قوة فعلية للتغيير. ولكن ما هي الأسباب التي تقف وراءها؟ هذه بعض المقترحات للتفسير:

1ـ الأنظمة السياسية الدكتاتورية ليست سواء. بعضها يسقط تحت ضغط الاحتجاجات لأنه يأخذ الشعب بالاعتبار ويحاول أن يستمد شرعيته منه. وبعضها يُسقط الشعبَ من الحساب لأنه لا يراه من الأساس، إلا كنغم طائعين، فإذا تمردوا، جاز فيهم الذبح. وذلك لأنه يملك نوعا آخر من الشرعية. إنه نظام مقدس في عين نفسه. وكل من سواه في ضلال مبين. صحيح أن الاحتجاجات في إيران كانت في الأساس “ثورة شعبية”، فأطاحت بدكتاتورية تأخذ الشعب بعين الاعتبار، إلا أن رجال الدين الذين ورثوها أقاموا دكتاتوريتهم الخاصة، التي جعلت رضا الناس من لزوم ما لا يلزم. يُصدر الوليُ الفقيه أمرا بقتل المتظاهرين، وبسحق تمردهم مهما كان الثمن، ثم يذهب ليُصلي! وانتهت القصة. حتى لكأنه بصلاته يبول على جثث ضحاياه، مهما كثروا. لا وجود لمشاعر بالذنب ولا بالمسؤولية عن الجريمة، حتى أنها ليست جريمة في نظره أصلا، خاصة وأنه وكيل العلي القدير ونائبه والمتحدث باسمه، وهو بذلك، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يُوحى.

الشعب مات، ولكن عاش الحزب.. عاش الولي الفقيه
الشعب مات، ولكن عاش الحزب.. عاش الولي الفقيه

هذا ما تعلمه بشار الأسد، وهذا ما يؤمن به حسن نصرالله، وهو ما يتبعه “الولائيون” الآخرون، الذين يؤمنون بأن كلمة وليهم هي كلمة الله، حتى ولو سحقت الملايين. وهم إذ يُفسدون وينهبون، فذلك لأنهم يعتبرون المال العام غنيمة لهم من بعد حرمان. وهم إذ يملكون السلاح، فإنهم يستخدمونه، بلا رادع من أي اعتبارات أخرى، غير موجودة أصلا.

2ـ الأغلبيات المقهورة، تظل تطلب البسيط. إنها تريد من السلطة طعاما بالدرجة الأولى. انظر في الشعارات والمطالب. بل اصغ إلى ما يقوله المتظاهرون، وسترى أن روح الاحتجاج، ليست هي نفسها روح الثورة. المحتجون الذين يطالبون بالوظائف والعيش الكريم، ليسوا هم أنفسهم الثوار الذين إذا خرجوا لها لا يطلبون أقل من السلطة. محتجو العراق ولبنان لم يطلبوا السلطة، ولم يندفعوا إليها. ليس بالدرجة الأولى على الأقل. طالبوا بإسقاط النظام، ولكنهم لم يفرضوا المطلب. ولا هم دافعوا عنه. ولا هم جعلوه أولا، ولا شيء بعده، حتى بدا وكأنه تهديد أكثر مما هو مطلب جذري. “كلن، يعني كلن”، اتضح أنه شعار فارغ.

الثوار في العادة لا يتراجعون عن طلب التغيير الشامل والجذري. لا يتراجعون عن تغيير كل قواعد اللعبة جملة وتفصيلا. أما أصحاب المطالب المعيشية الأخرى، فإنهم يرضون بأرباع الحلول، بل وبعشر أعشارها. يكفي أن تعطيهم طعاما أكثر، فيعودون إلى الحظيرة طائعين. والعجيب، أن أنظمة الفساد، لا تعطيهم أدنى الكفاية لتبقى، لأنها تعرف قوتها عليهم، فتزيد في إذلالهم.

3ـ لا توجد أحزاب وطنية. في الأنظمة الدينية، أو التي تتسلط عليها أحزاب الدين، فإن الوطنية وأحزابها هي أول من يسقط. إنها المؤشر الأول لسقوط الشعب من الاعتبارات والمعايير والموازين. تلك الأحزاب تتحول، هي نفسها، إلى مطية تتبع وليا فقيها من نوع معين. الحزب الشيوعي العراقي، على سبيل المثال لا الحصر، لم يُصبح مطية لمقتدى الصدر إلا كدلالة على سقوط نظرته إلى نفسه كحزب طبقة عاملة وفلاحين. كل ما بقي من تلك “النظرة” هو مخادعات لإرضاء الذات. لقد أصبح حزبا تابعا لطائفة، ومن ثم لبيت في طائفة، ليتزكى بها، وليستمد قدرته على البقاء منها، ومن ثم ليُصبح حزبا لمشروع مختلف. وذلك لأن “الطبقة العاملة” نفسها هي التي اختفت من مجال الرؤية، ومعها “الفلاحون” وكل “الجماهير”، حتى أصبح الاستمطاء هو السبيل.

4ـ الكيانات الاجتماعية الهشة، أو التي لم تكتمل التكوين كأمة، لا تملك المنعة الكافية لكي تدافع عن إرث سياسي أو مؤسسي أو قانوني. إنها كيانات ما تزال رخوة، ويسهل على أي نصّاب أو أفّاق أو دجّال أن يستولي عليها. انظر إلى بشار الأسد. إنه نسخة من مقتدى الصدر. صحيح أنه متعلم وطبيب وتربى في بيت سياسي علماني، والآخر نصف أمي لم يتعلم حتى من أبيه، إلا أنهما يمارسان السياسة كميراث شخصي لا يُشترط أن تبرره المعايير المألوفة للقيادة السياسية. فجأة، تحول من الهامش المُهمل إلى “قائد” عندما لم يبق غيره من أهل المواريث. المجتمع السوري، بعضه على الأقل، كما المجتمع العراقي، لم ير في ذلك أي ضرر. لم ير أن الأسس هي التي تغيب. لم ير أنه يقف في هاوية لا أرض تحتها، لأن كل شيء فيه، هو نفسه، رخو وهجين.

5ـ النخبة الغارقة في كومة البلاء المحيط بها، بعضها مزيف وهش، وبعضها يائس ومعزول. فضاعت، وتبددت قدرتها على الترشيد والتنوير. كان بوسع العديد من دول المنطقة أن تنتج “أجيالا” من التيارات الأدبية والفكرية المختلفة، ينتسب لها المنتسبون، ليتميزوا بها وبإرثها، وبعالمها الفكري. ولكن منذ أن ظهرت “الثورة الإسلامية” في إيران، بدأ الهراء والهباء يعمّان علينا، حتى لم يعد بالإمكان أن ترى في لبنان شبيها لسعيد عقل أو أنسي الحاج أو خليل حاوي أو خالدة سعيد، ولا في سوريا شبيها لأدونيس أو محمد الماغوط أو نذير العظمة، ولا في العراق شبيها لبدر شاكر السياب أو محمد مهدي الجواهري أو سعدي يوسف أو عبدالرزاق عبدالواحد. لقد كان هؤلاء، وأقرانهم، عالما قائما بذاته، لم يعد له وجود. أجيال ما بعد الثمانينات ضاعت بين اليأس والتهميش، إلا من بقي يتمرد في عزلته، ويناطح الكون.

الشعب مات. ولكن عاش الحزب، عاش الولي الفقيه.

8