عاش لبنان عاش

الثلاثاء 2014/12/02

بلد يودع فنانيه بالطريقة التي ودعت بها صباح، هو بلد الخلود والأمجاد. ما الشيء الذي يمكن أن يدفع إلى الكتابة في هذا الفجر أكثر من فجر صباح وهي تجول زوايا لبنان وتزف على أيادي أهله وصولا إلى مسقط رأسها.

ما الحافز على الحياة في هذه المنطقة، التي نفتش فيها عن حوافز، غير مشهد الجيش اللبناني وأكثر من ستين عازفا يعزفون للصبوحة مقطوعات من أحلى أغانيها.

لبنان تفوق على الجميع. تجاوز الإرهاب. لم يطأطئ له الرأس، لم يحسب له الحساب. الرجعية؟ ما الرجعية ونعش العروس يتراقص على نغم زغاريد النساء وموسيقى الوطن طوال اليوم وحتى الليل؟.

التخلف.. التشدد.. الاستعباد..كلها بالأمس كانت غريبة. وكان لبنان حرا أبيا، وكنت مذهولة لأني اعتقدت أن لبنان لم يعد موجوداً. وأن الغزاة احتلوه من الشمال ومن الداخل ومن كل الأطراف. وأن نسخة مهترئة من كانتونات التخلف في صدد الإعلان عن مولد جديد. وأن الإرهاب أنهك اللبناني وأنهك جيشه المشغول ولا وقت يضيعه في البكاء والغناء.

احك في لبنان، دندن الشعر في الشارع، ابحث عن أي كتاب، ارقص على أي لحن وعش حياة الثقافة.. لن تستنكر عليك الحياة ما تفعله. اللبنانيون أول أمس وقعوا على أهم بيان في تاريخ لبنان: سنبقى. والأرض لن تشيخ.

حين يقطعون خيوط التقدم في المنطقة العربية ومراكز الفكر والثقافة، حين يركزون على مصر ولبنان، حين يوهموننا أن البلدين مصابان.. وأن البلدين مسجلان أسرى حرب، حين يعلنون أن الإرهاب أشعل أماكن السلام والحرية وحول البلدين إلى مسرحين للأحداث، وحين تموت كل الأحلام.. يزأر الفن، ينزل من خشبة المسرح، يخرج من ورقة الكاتب ومن أبيات الشاعر، يترك الاستديوهات ويؤجل كل الأعمال، ينزل الفن إلى الشارع ليتظاهر قائلا: “إن البلد لسا بخير”، ويقام القداس في بيروت والقاهرة.

الفن ليس كبقية أشياء الكون. فالموت في عالم الفن يعني البعث من جديد. والنهاية في عالم الفن لا تأتي أبداً.

بالأمس.. سعيد عقل أعلن عن دواوين جديدة للشعر. صباح وقعت للتو على اسطوانات خالدة. هذا سلاح البلدان الحضارية في وجه أي إرهاب وأي استعباد وأي ساسة خونة وأي فساد وأي انتهاك وحشي للآدمية والحرية.

مخطئون الذين اعتقدوا أن لبنان كان راقدا داخل النعش. بداخله كان أكبر علامة على حياة لبنان. زرت لبنان كثيرا وعشت شهورا طويلة فيه، ولم أعرف باطنه غير الأمس.

كنا نتلفت حولنا ونقول أين نذهب. لقد قتلوا العراق وسوريا وحاولوا قتل مصر وخنقوا لبنان. مات لبنان. وجاء موت الشحرورة لنصدح جميعنا: “عاش لبنان. عاد لبنان. وتعلى وتتعمر يا دار”.

24