عاش هنا

مشروع "عاش هنا" تأخر كثيرا، وتحتاج إليه مدينة هرمت مثل القاهرة، تخلو بعض شوارعها الكبرى من لوحات تحمل أسماءها، وإذا وجدت اللوحة فهي كتلة حروف باهتة ذات طابع أدائي لا يدل على شيء، ولا يقدم أي معلومة عن صاحب الاسم.
الأحد 2018/11/18
فرصة لإعادة النظر وتطوير مشروع "عاش هنا"

ستقضي فذلكة التاريخ ألا يحظى حسني مبارك بلوحة «عاش هنا»، في مشروع أطلقته وزارة الثقافة، يستهدف تخليد ذكرى الأعلام في عموم مصر، وتكريم من أثروا الحياة بمواهبهم في الآداب والفنون والعلوم والسياسة، فيتاح لمن يمرون ببنايات عاش فيها هؤلاء أن ينعشوا الذاكرة بسيرهم، وأن يزداد إيمانهم بما ينفع الناس، ورهانهم على ما يبقى، بعد زوال سطوة ونفوذ لم ينفعا شخصا مثل مبارك الذي أفلت بمكر من كل ما لاحقه من اتهامات بعد ثورة 25 يناير 2011، ولم يلتصق به إلا حكم قضائي نهائي وحيد تلخّصه كلمتا «مبارك حرامي»، كما خسر مبارك أيضا اسمه المنتزع من محطة لمترو الأنفاق، وربحها الشهداء في لحظة براءة عمومية قبل شيطنة الثورة، وإعادة نظام مبارك من دون مبارك.

مشروع «عاش هنا» تأخر كثيرا، وتحتاج إليه مدينة هرمت مثل القاهرة، يخلو بعض شوارعها الكبرى من لوحات تحمل أسماء شخصياتها العظيمة، وإذا وجدت اللوحة فهي كتلة حروف باهتة ذات طابع أدائي لا يدل على شيء، ولا يقدم أي معلومة عن صاحب الاسم، فلا يعرف زائر القاهرة من كان هؤلاء: محمود بسيوني، محمد محمود، صبري أبوعلم، الشيخ ريحان، نوبار باشا، محمد فريد، محمد عبدالله دراز، الرئيس عبدالسلام عارف، الدكتور مصدق الذي وضع اسمه على «شارع الإمبراطور بهلوي» بأحد الأحياء الراقية في الجيزة.

اللوحة الإرشادية المعدنية التي وضعت في مدخل البنايات هي قالب ذو أبعاد ثابتة، مساحة لا تفرق بين جمال عبدالناصر ونزلاء سجنه (فؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم مثلا)، فلا تحمل اللوحات إلا الأسماء بخط موحّد، ويليها بخط أصغر تاريخا الميلاد والوفاة، ثم بخط أكبر وأكثر تميزا يأتي العنوان المعروف بالضرورة للعابرين.

ولكن ميراث البيروقراطية المصرية تسرب إلى اللوحات، فحجزت ثلاث جهات حكومية مشاركة في المشروع مكانا لاسمها وشعارها في هذه المساحة المحدودة: مجلس الوزراء ـ مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، محافظة القاهرة، الجهاز القومي للتنسيق الحضاري.

 على الواقف أمام اللوحة أن يستخدم تطبيق يسمونهQR ، للدخول إلى قاعدة بيانات المنزل والشخص الذي عاش فيه، بتمرير الهاتف الذكي على شفرة إلكترونية تؤدي إلى رابط الصفحة الخاصة بالشخص في موقع إلكتروني يوثق سير الأعلام.

إجراء مشفّر، يحتمل شبهة طبقية توجب حيازة هاتف ذكي، وامتلاك حدّ أدنى من الخبرة بدهاليز المواقع الإلكترونية. وفي بلد تبلغ فيه نسبة الأمية 29.5 بالمئة، يفترض أن يستبدل بهذا الإجراء شيء آخر، عمليّ وأكثر يسرا على الراغبين في معرفة غير مكلفة، وأمامنا تجربة مدينة أصيلة المغربية، ففي حديقة حملت اسم الروائي السوداني الطيب صالح، وضعت لوحة صغيرة اتسعت لخمسين كلمة عن طبيعة إنجازه، وتصنيف رائعته «موسم الهجرة إلى الشمال» ضمن أفضل مئة رواية عالمية، وعلاقته بالمغرب، وأين ومتى ولد وتوفي ودفن، في إيجاز ذكي يذكّر بالرجل وأسلوبه.

لعلها فرصة لإعادة النظر، وتطوير مشروع «عاش هنا»، لكي يتمهل ويتنازل قليلا، فلا يحرق المراحل من الخطوة الأولى، وأن يجد أيضا حلولا لإعادة الاعتبار إلى شخصيات مرموقة ظلمتها الحياة، وخطفها الموت فجأة، قبل أن تتمتع بأي شيء، ولو بمحل دائم للإقامة، إلا في ذاكرة الأجيال.

Thumbnail
10