عاصفة التنين تكشف هشاشة البنية التحتية المصرية

العاصفة التي اجتاحت المنطقة تكشف حجم العيوب التي تهدد فرص الاستثمار المحلي والأجنبي في البلاد.
الاثنين 2020/03/23
فضيحة تخطيط البنية التحتية

انتقدت الأوساط الاقتصادية المصرية ضعف التخطيط في مشاريع البنية التحتية الجديدة، التي ظهرت مواطن ضعفها في الأحوال الجوية الاستثنائية التي شهدتها البلاد مؤخرا، حيث أغرقت الأمطار شوارع المناطق الصناعية والسكنية وأوقفت بعض المصانع عن الإنتاج.

القاهرة - كشفت عاصفة التنين التي ضربت مصر عن ترهل مشروعات البنية الأساسية في بعض المناطق الصناعية، والتي عجزت عن استيعاب وتصريف مياه الأمطار التي هطلت على أنحاء مختلفة من البلاد لنحو ثلاثة أيام.

وقال محللون إن جوانب الضعف التي ظهرت في مشاريع البنية التحتية الجديدة، تمثّل تهديدا جديدا لإنعاش الاقتصاد لأنها قد تدفع المستثمرين المحليين والأجانب إلى مراجعة خططهم.

وأدى اختبار “التنين” إلى وقوع خسائر في قطاعات الكهرباء والطرق تصل إلى 76 مليون دولار بحسب التقديرات الحكومية، بخلاف خسائر الأفراد والممتلكات الخاصة التي يصعب حصرها، وتصل قيمتها إلى أضعاف تلك الخسائر المبدئية.

حسين صبور: الحكومة تجاهلت مقترحا لاستثمار مياه الأمطار لتوليد الكهرباء
حسين صبور: الحكومة تجاهلت مقترحا لاستثمار مياه الأمطار لتوليد الكهرباء

وهطل على مصر خلال العاصفة أكثر من نصف مليار قدم مكعب من الأمطار، تعادل واحد في المئة من حصة مصر من مياه النيل المتفق عليها سنويا من دول المنبع.

وشهدت المناطق الصناعية في أنحاء القاهرة أسوأ حالاتها خلال العاصفة، ووصل الحال إلى إغلاق المصانع لعدم قدرة المرافق على مواجهة المطار.

ويبلغ عدد المناطق الصناعية في مصر 13 منطقة صناعية، إلى جانب التجمّعات الصناعية التي تشرع وزارة التجارة والصناعة في تأسيسها، فيما تستهدف تدشين نحو 21 تجمّعا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

ودفعت خسائر العاصمة إلى إعلان الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين لعقد اجتماع طارئ لبحث تعويض المصانع التي تضرّرت، لكن الأمور دخلت منعطفا أكثر تعقيدا مع تزامن الإجراءات الاحترازية لمواجهة فايروس كورونا الذي وضع أولويات مواجهته قبل المطالب الفئوية.

وقال محمد سعد، نائب رئيس اتحاد المستثمرين، إن غالبية المدن الجديدة في مصر تعاني من الترهل في البنية التحتية، ولم تأخذ في الحسبان تغيّرات المناخ عند تأسيسها.

وأضاف لـ”العرب”، أن الاتحاد رصد معاناة المصانع وغرق أقدم منطقة صناعية في مصر بمدينة السادس من أكتوبر، بجنوب غرب القاهرة، بسبب السيول الأخيرة التي ضربت البلاد.

ولم يتم وضع نظم للطوارئ في محطات الصرف بالمدن الجديدة للتعامل مع الأمطار، رغم وقوع بعضها في نطاق مخرات السيول، مثل مدينة القاهرة الجديدة.

وأكد هشام كمال، رئيس جمعية مستثمري الألف مصنع في القاهرة الجديدة، أن البنية التحتية أصبحت متهالكة، وهي من أهم المناطق الحيوية ويُنظر لقاطني المناطق الجديدة أنهم الأكثر ثراء في مصر.

وأوضح، أن المنطقة الصناعية بالقاهرة الجديدة، سبحت في أنهار من المياه بعد غرق محطة الصرف بالمنطقة بسبب عاصفة التنين، ولم تستوعب كميات المياه نتيجة الأمطار الغزيرة التي استمرت لنحو ثلاثة أيام.

واستعان جهاز المدينة بعدد كبير من سيارات شفط المياه، لكنه واجه تحديات جديدة لعدم وجود مكان قريب لتصريف المياه.

ولا تتوافق طاقة محطة الصرف المصممة بأسلوب عشوائي وبعيدة جدا عن المنطقة الصناعية مع الأمطار التي هطلت، وكميات صرف المصانع، وتسببتا معا في غرق المحطة.

ولجأ جهاز القاهرة الجديدة إلى الحلول السهلة لمواجهة المشكلة وقام بقطع المياه عن المنطقة الصناعية لمدة وصلت إلى خمسة أيام، كي يتمكن من إزالة آثار عدوان الأمطار.

وطالب خبراء أن تحاط محطات الصرف بأسوار مرتفعة نسبيا تمنع تسرب المياه خارجها، تزامنا مع إنشاء أماكن صرف بديلة حتى إذا امتلأت المحطة يتم تصريف المياه فيها.

ولا تستفيد مصر من طرق معالجة مياه الأمطار التي تقل كلفة معالجتها، ويتم إضافتها لمياه الصرف الصحي، وتفقد ميزة إعادة استخدامها بشكل اقتصادي، رغم الحاجة الملحة لذلك في ظل دخولها نطاق الفقر المائي.

وتوقفت معظم المصانع في مدينة العاشر من رمضان التي تبعد عن القاهرة بنحو 45 كيلو مترا، ودمياط على البحر المتوسط، وبرج العرب في نطاق محافظة الإسكندرية، بحسب تصريحات مسؤولين في جمعيات المستثمرين، مما زاد الخسائر الاقتصادية للبلاد.

محمد سعد: البنية التحتية لم تراع تغيرات المناخ عند تأسيسها
محمد سعد: البنية التحتية لم تراع تغيرات المناخ عند تأسيسها

ورصد مواطنون عبر شبكة الإنترنت سيارات تطفو على سطح بحيرات المياه في الشوارع وفيلات فارهة تغمرها الأمطار، إلى جانب انهيار منازل في مناطق عشوائية.

وأعلنت الحكومة عن حاجة البلاد لاستثمارات تتراوح بين 13 مليار دولار ونحو 19 مليار دولار لتهيئة البنية الأساسية لمواجهة العواصف، والتي تعد أول اختبار قوي لمرافق البلاد.

وأشار حسين صبور، رئيس شركة “الأهلي- صبور” للتنمية العقارية، إلى أن مشروعات البنية الأساسية لتصريف مياه الأمطار من أكثر المشروعات تكلفة، مشككا في جدوى إنفاق مبالغ باهظة لمواجهة الأمطار الغزيرة التي تسقط خلال سبعة إلى عشرة أيام فقط في السنة.

وأشار في تصريح، إلى وجود مقترحات لإنشاء نظام لتصريف مياه الأمطار وتجميعها ثم استخدامها في توليد الكهرباء، لكن تم استبعادها واعتبرت غير عملية من قبل الحكومة.

وتسببت هذه النظرة القاصرة في تكرار سيناريو غرق البلاد كل عام، الأمر الذي يعجّل بإهلاك المرافق الأساسية ويزيد من خسائر الأفراد الذين لن يجدوا من يعوّضهم.

وامتدت الخسائر لسوق العقارات، والتي رصدها باروميتر شركة العهد للتسويق العقاري على لسان مؤسسها آدم زيان الذي أكد تراجع الطلب على فيلات القاهرة الجديدة، خاصة التي تضم “جراجات” للسيارات تحت الأرض خوفا من تكرار سناريو “التنين”، وغرق السيارات أسفل المباني.

ولا تتعلم الحكومة المصرية من دروس الماضي، حيث تعرضت البلاد العام الحالي لموجتين من الطقس السيء فاقمتا من الخسائر، الأمر الذي دفع الحكومة لمنح المواطنين عطلة إجبارية لحين التخلص من المياه التي غمرت بعض الشوارع بالطرق التقليدية.

وتحتاج شبكة الصرف الصحي والمياه إلى كثافة تمويلية، فيما خصصت موازنة العام المالي الحالي نحو 95 مليون دولار، بينما يتطلب تشغيل وصيانة الشبكة مبلغا يتراوح بين 192 مليون إلى 255 مليون دولارا سنويا.

وما يزيد الأمور سوءا ارتفاع معدلات الزيادة السكانية، ما يفرض الحاجة لإصلاح تلك المنظومة المترهلة التي لا يمكنها الاستمرار طويلا.

Thumbnail
11