"عاصفة الحزم" بداية الطريق إلى وقف التدهور في المفاهيم الأساسية

الأحد 2015/03/29
طهران تعتبر المشغّل الرئيس لكافة الميليشيات في المنطقة

يمكن النظر إلى العامين الفائتين باعتبارهما العامان الأكثر إفرازاً للعصابات المسلحة، أو الميليشيات المقاتلة لا في سوريا وحدها، بل في مختلف البلدان العربية الأخرى التي شهدت ثورات الربيع العربي، مؤخراً صعدت ميليشيا الحوثي لتقف بموازاة ميليشيا حزب الله وميليشيا تنظيم الدولة الإسلامية لا بوصفها ميليشيا تقاتل بأجر أو بأوامر معينة ولكن على اعتبار أن لها مشروعاً مستقبلياً لا يقتصر على بعض المكتسبات والغنائم التي تحققها الميليشيات الأخرى.

والحال نفسه تحاول ميليشيا فجر ليبيا فعله، وإن كان متوقعاً أنها ستخلي الساحة لتنظيم الدولة الإسلامية الذي بدأ يفرض سيطرته على مدن في ليبيا، وهو الأمر الذي فعلته من قبل جبهة النصرة في أكثر من منطقة كانت تسيطر عليها في سوريا في المنطقة الشرقية تحديداً، وقد تنازلت عما كسبته لتنظيم الدولة وانتقلت إلى مناطق أخرى، وإن كانت ميليشيا الحشد الشعبي في العراق أو ميليشيا ما يسمى بجيش الدفاع الوطني في سوريا قد تمت شرعنتها من قبل نظامي البلدين وأخذت بعداً رسمياً، فإن باقي الميليشيات تقاتل بمعزل عن أيّ سلطة مباشرة، وكل منها يحمل أجندته الخاصة التي تصب بالضرورة في خدمة مشروع سياسي معين.
وقد نلمح تشابهاً واضحاً بين عدد من الميليشيات الصغيرة التي تتلقى تمويلها من مصادر مختلفة وتعمل بطرق أقرب إلى الفوضوية، ورغم تشابه أهدافها في بعض الأحيان إلا أنه لا يمكن توحيد جهودها أو قواها، نظراً لافتقارها للتخطيط السليم والرؤية المستقبلية، وهي كذلك تفتقر إلى القيادة الثابتة، و”المرجعية” الواحدة التي توجه عملها وتحركاتها على الأرض، وقد شهدت أفغانستان في سبعينات القرن الماضي ظهور عدد كبير من تلك الميليشيات التي كانت تعلن أنها تقاتل العدو السوفيتي، لكنها ظلت مشتتة حتى وجد الكثير من منتسبيها أو مقاتليها أنفسهم ينخرطون في تنظيمات أكبر وأكثر وضوحاً، وقد كانت حركة طالبان ولاحقاً تنظيم القاعدة أكبر المستفيدين من تلك الحالة فاكتسبا عشرات بل مئات المقاتلين من أولئك الذين لا يعرفون مهنة في حياتهم غير القتال، الذي يسبغون عليه تسمية الجهاد في سبيل الله في محاولة لتسويغ نزوعهم إلى القتل.

حزب الله وتفكيك الآخرين

حال الميليشيات الكبيرة يبدو أفضل فهي أكثر تنظيماً وأكثر قدرة على السيطرة وبسط النفوذ، ويقدم نموذج حزب الله اللبناني صورة لما يمكن أن تؤول إليه باقي نماذج الميليشيات الكبيرة في حال استمرت بالتوسع والتطور، ولم تتم محاربتها والقضاء عليها، فقد نشأ حزب الله في ظروف قد تكون شبيهة بالظروف الحالية وحمل شعارات لم يكن يؤمن بها في سبيل الوصول إلى غايته، وقد استطاع على مدى سنوات الانقضاض على مشروع المقاومة اللبنانية التي كانت تضم عدداً كبيراً من الفصائل والأحزاب ليستحوذ على الساحة وحده، ولتقبل بعض تلك الفصائل الانضواء تحت رايته الصفراء، باعتباره التنظيم الأكثر دعماً والذي عملت إيران جاهدة على إيصال السلاح والمساعدات إليه عبر بوابة سوريا التي كان نظامها إبان حقبة حافظ الأسد يحتل لبنان بأكمله وقادراً على فرض السياسة والأمر الواقع الذي يريده.

إن كانت ميليشيا الحشد الشعبي في العراق أو ميليشيا ما يسمى بجيش الدفاع الوطني في سوريا قد تمت شرعنتها من قبل نظامي البلدين وأخذت بعدا رسميا، فإن باقي الميليشيات تقاتل بمعزل عن أي سلطة مباشرة، وكل منها يحمل أجندته الخاصة التي تصب بالضرورة في خدمة مشروع سياسي معين
وقد انتهى فعلياً كل أثر للمقاومة اللبنانية وأضحت عبارة عن شعارات على الجدران، أو اجتماعات “خُلّبية” لا تقدم ولا تؤخر، إذ كان قرار الحرب والسلم بيد حزب الله وحده، وقد ورط لبنان في حرب عام 2006 ليثبت لخصومه السياسيين، وخاصة بعد انسحاب القوات السورية من لبنان، أنه قادر على إدارة الدفة حيث يشاء، وعلا صوته كثيراً بعد تلك الحرب التي عدها انتصاراً إلهياً واتهم بعدها كل من يخالفه بالخيانة والعمالة، ويسعى أنصار الله أو جماعة الحوثي في اليمن للسير على خطى حزب الله، وجماعة الحوثي هي ميليشيا مسلحة تسليحاً لا يستهان به، وتتلقى العون الإيراني نفسه الذي يتلقاه حزب الله، ولم تسجل لها أيّ مشاركة فعلية في الثورة اليمنية التي كانت السبب وراء توقيع المبادرة الخليجية التي أطاحت بالرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح وأنهت سنوات حكمه الطويلة.
وبسبب تعقيدات الوضع اليمني بين شمال وجنوب ووجود تنظيم القاعدة بفرعه اليمني كعصا غليظة معطلة لأيّ استقرار، فقد اغتنم الحوثيون الفرصة لينقضوا على الدولة ويبدأوا بتمزيق أوصالها، وهو يعمل جاهداً لتعطيل الحوار الوطني الذي ترعاه الأمم المتحدة، مشترطاً اعتماد رؤيته فقط، متهماً كافة الأطراف المختلفة معه بالتبعية والعمالة وعدم الحرص على مصلحة اليمن، ويتشابه خطاب عبدالملك الحوثي زعيم ميليشيا أنصار الله واستعلائه وتهديده الجميع بتفاصيله ومفرداته مع خطاب حسن نصر الله زعيم ميليشيا حزب الله، ويجتمع الاثنان في التبعية الواضحة لطهران كل هذا يقودنا إلى الاعتقاد أننا أمام تكرار لنموذج الدولة الأسيرة بيد جماعة مسلحة وهو ما يحدث في لبنان منذ سنوات طويلة، فالدولة اللبنانية أسيرة لسلاح حزب الله وتلويح حسن نصر الله بقبضته بين الحين والآخر كونه الوحيد الذي يمتلك قرار الحرب في البلد.

داعش

يقف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام كتمثيل أكثر اختراقاً لمسألة التبعية أو تلقي الأوامر العليا، لا بسبب استقلاليته كما يحب هو أن يوحي بذلك، لكن بسبب التداخلات الكثيرة في تركيبته التي تعيد نشأته إلى بعض المقاتلين القاعديين الذين فروا إلى العراق مع انهيار إمارتهم الإسلامية في أفغانستان عقب الحرب الدولية عام 2001 وقد عبروا أو أقاموا في إيران فترات لا يعلم على وجه التحديد ما الذي قاموا به خلالها، لكن ومع ظهورهم في العراق بدأوا يأخذون شكل الميليشيا الكبيرة فور تشكلهم، فلم يكتفوا بحمل عبارات صغيرة أو بخوض معارك جانبية، لكنهم رفعوا شعارات كبرى، وقرروا أنهم سيكونون شركاء فعليين في تحديد مستقبل العراق بل والمنطقة بأسرها، وهم وإن غابوا فترات عن الظهور أو البروز، بل واختفى ذكرهم تقريباً خلال الفترة بين عامي 2008 و2010 إلا أن عودتهم إلى الظهور، ومن ثمة صعودهم الدراماتيكي على ظهر الثورة السورية وتسيّدهم الموقف بسبب قدرتهم التسليحية العالية وتبعية العديد من الفصائل والميليشيات الصغيرة لهم، كل ذلك حوّلهم إلى لاعب أساسي استدعى تدخلاً دولياً جوياً، لم يسفر حتى الآن عن إضعاف التنظيم بل على العكس فإن تصريحات القادة الميدانيين وبعض السياسيين تحمل تصورات على أن التنظيم الإرهابي قد يتمكن من مقاومة الزوال سنوات، وخلال هذه السنوات ثمة الكثير من الاحتمالات التي يمكن أن يكون بينها تحالف من نوع ما تعقده دولة أو أكثر مع داعش قد يكون ذا أبعاد اقتصادية بسبب السيطرة على بعض الحقول النفطية، وربما يكون ذا بعد استخباراتي نظراً لمساحة المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، والأسرار الكثيرة التي باتت بين يديه، بل ونوعية المقاتلين الذين يقبل بانضمامهم إلى صفوفه.

جيوش الدول تغيب عن الحضور، بل وتصبح في بعض الأحيان إما تابعة لتلك الميليشيات، مستكينة أمام رغباتها، كما هو الأمر في لبنان واليمن مع حزب الله وجماعة الحوثي، أو مقاومة لها كما هو الحال في العراق من خلال الحرب التي يشنها الجيش العراقي بالتعاون مع ميليشيا كبيرة هي ميليشيا الحشد الشعبي ضد ميليشيا أخرى هي تنظيم الدولة الإسلامية

الجيوش المهزومة

في ظل هذه المعطيات كلها تغيب كلياً جيوش الدول عن الحضور، بل وتصبح في بعض الأحيان إما تابعة لهذه الميليشيات ومستكينة أمام رغباتها، كما هو الأمر في لبنان واليمن مع حزب الله وجماعة الحوثي، أو مقاومة لها كما هو الحال في العراق من خلال الحرب التي يشنها الجيش العراقي بالتعاون مع ميليشيا كبيرة هي ميليشيا الحشد الشعبي ضد ميليشيا أخرى هي تنظيم الدولة الإسلامية، والحقيقة أن جيوش البلدان الثلاثة لا تمتلك أيّ قدرات للتصدي لقوة هذه الميليشيات، بل إنها تبدو واهنة وغير مستعدة لقتالها، حدث هذا على سبيل المثال في سوريا حين قامت قوات النظام بتسليم مطار الطبقة العسكري لتنظيم داعش مخلفة عشرات الأسرى الذين قام التنظيم في وقت لاحق بإعدامهم جميعاً، ويمكن أن يكون النموذج السوري استثناء في كل شيء، فالنظام لا يكلف نفسه عناء قتال تنظيم داعش إلا لأسباب دعائية بحتة، فهو وكما تشير التقارير من الداخل السوري عقد أكثر من صفقة تجارية ناجحة مع التنظيم كان أبرزها استيراد الغاز الطبيعي من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش وبالمقابل فإن النظام توقف بشكل كامل عن قصف التنظيم في مناطق سيطرته في محافظة دير الزور الغنية بالنفط.

وبهذا تستطيع الميليشيات الكبرى أن تكون لاعباً أساسياً وعنصراً معطلاً لا في العملية السياسية فقط، كما حدث في لبنان واليمن، بل في كافة مناحي الحياة كما يحدث في المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش في سوريا والعراق، فالتنظيم يعلن أنه سيحطم معاهدة سايكس بيكو ويلغي الحدود، وهو فعلياً قام بهذا من خلال تحويل الحدود بين البلدين إلى معبر آمن لمقاتليه، ولعمليات التهريب التي يشرف عليها.

وفي ظل غياب أيّ قدرة لدى الأنظمة الحاكمة إما بسبب فشلها الكلي أو عدم رغبتها في مواجهة تلك الميليشيات وتحجيم دورها إن لم يكن إنهاءها بشكل كلي فإن الواقع يؤكد أن مستقبل المنطقة بأكملها سيصبح مهدداً ولن تكون السيطرة ممكنة لا على الحدود الخارجية فقط بل على مصادر الطاقة والحدود بين المحافظات أيضاً، ولأن طهران تعتبر المشغّل الرئيس لكافة هذه الميليشيات الكبيرة فستكون اللاعب الأساسي الذي يرسم خارطة جديدة للمنطقة وتحالفاتها وفق ما يخدم قُم ونظام ملاليها بكل تأكيد.

ولعل "عاصفة الحزم" بداية الطريق إلى وقف التدهور في المفاهيم الأساسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط الآن.

8