عاصفة الحزم تصنع الاستنثاء العربي

السبت 2015/03/28
نبيل العربي: القمة العربية تعقد في ظل تحديات غير مسبوقة في المنطقة

القاهرة- بينما كان المجتمع الدولي يرتقب سقوط مدينة عدن، جنوبي اليمن، في أيدي جماعة أنصار الله، هبت “عاصفة الحزم”، لتطوي معها جميع التوقّعات وتسطر مرحلة جديدة في الأزمة اليمنية، وأيضا الأزمات الأخرى في المنطقة، وتضع على طاولة قمة القادة العرب الـ26، العديد من التساؤلات حول الوضع ما بعد “عاصفة الحزم” ومدى إمكانية استغلال هذا الحدث الاستثنائي السعودي العربي نحو تغيير دفّة الصراعات في المنطقة، وكبح جماح الاستفزاز الإيراني.

تنعقد الدورة الـ26 للقمة العربية،في خضم الاهتمام الدولي بعملية “عاصفة الحزم”، وهي دورة عادية في سياقها العام، واستثنائية في ملفاتها وينتظر كثيرون أن تكون أيضا استثنائية في قراراتها.

وسبق قمة القادة العرب، التي تفتتح أعمالها اليوم السبت بشرم الشيخ، وتسلم الكويت رئاستها لمصر، اجتماع وزراء الخارجية العرب الذين أقرّوا مشروعا ينص على تشكيل قوة عربية مشتركة تضطلع بالتدخل السريع في المنطقة، وتم رفعه إلى القادة العرب لمناقشته في اجتماعهم.

ومن المنتظر أيضا أن تكون العملية الحدث “عاصفة الحزم”، التي انطلقت من السعودية وبدعم عربي ودولي، لحسم أمر الحوثيين ووقف التمدّد الإيراني، المحور الرئيسي لمحادثات زعماء الدول العربية، وسيكون اليمن حاضرا عبر رئيسه عبدربه منصور هادي، كما ستكون سوريا حاضرة بملف قضيتها، فيما سيبقى مقعدها شاغرا، وسيمثّل ليبيا عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب.

ورغم أن قمة شرم الشيخ، هي قمة عادية، كما ذكر السفير أحمد بن حلي، نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية، إلا أنها بسبب الظروف التي تمر بها الدول العربية حاليا تعتبر قمة استثنائية لخطورة الملفات المعروضة عليها، حيث سيتم إصدار إعلان شرم الشيخ في ختامها ويتضمن توجيهات بشأن القضايا المطروحة عليها للعمل بها تحت رئاسة مصر طوال العام القادم.

بدوره، قال سامح شكري إن “القمة العربية السادسة والعشرين تنعقد في لحظة تواجه فيها الأمة العربية تحديات وتهديدات غير مسبوقة، لتعددها وخطورتها على الأمن القومى العربي”، مضيفا أن “الدول العربية قادرة على التعامل معها بحزم وأن تكون على مستوى المسؤولية”.

منذ انطلاق القمم العربية، في أنشاص المصرية في مايو 1946، وحتى العام الماضي، تكاد تكون قرارات وتوصيات القمم العربية السنوية هي نفسها في قضايا عربية إقليمية رئيسية، كالقضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، وأمن وسلامة دول المنطقة.

السعودية تضع نفسها في موضع قوة وتؤكد: ما لم يكن الأمر في مصلحتنا فلا ضرورة للاستجابة للإملاءات الغربية
إلا أن القمة العربية الـ26، تنعقد في ظل ظروف استثنائية تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط، وحراك اجتماعي عربي تطالب فيه الشعوب بالمزيد من الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، ووسط تحديات هائلة تواجه الأمن القومي العربي، ودعوات لمكافحة الإرهاب وإنشاء قوة عربية مشتركة.

والأبرز من ذلك، أن قمّة 2015، على غير عادة العرب، منذ سنوات طويلة، نجحت في لمّ شمل أغلبهم، على تأييد قرار واحد والتأكيد على أن الدول العربية ليست عاجزة عن حل أزماتها الأمنية، ويمكنها التدخل بمعزل عن الإملاءات الخارجية، وأن تصدّر بعضها قائمة أكثر دول العالم تسليحا ليس تباه بل هو استراتيجية دفاعية، تم تطبيقها في “عاصفة الحزم”.

وقد باركت جلّ الدول العربية، باستثناء العراق والجزائر وسلطنة عمان، بالإضافة إلى النظام السوري، عملية “عاصفة الحزم”، وأعلنت اصطفافها خلف السعودية بل ومشاركتها عسكريا في الخطوة التي تهدف أولا إلى تحجيم الدور الحوثي في اليمن؛ ومن ثمّة وقف الاستفزاز الإيراني ومحاولات طهران دعم الجماعات المتمرّدة وتغذية الميليشيات الدينية الطامحة إلى السلطة، لكسب نفوذ أكبر إقليميا ودوليا. بل وأكثر من ذلك، تحاول إيران تصدير أفكارها إلى الدول البعيدة عنها جغرافيا وذلك عبر الحسينيات والمراكز الثقافية، وحتى الفضائيات.

وقبل أيام من القمة العربية، قال الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي إن العالم العربي يواجه “كارثة” إقليمية رأى أنها تتمثل في أن الولايات المتحدة تبدو متغاضية عن تمدد نفوذ إيران في عدد من الدول العربية من أجل أن تعقد اتفاقا معها حول برنامجها النووي الذي يثير قلق الغرب منذ سنوات.

دلالات عاصفة الحزم

قبل أن تنطلق “عاصفة الحزم” دعت السعودية إلى التمسك بالحوار الوطني واحترام رئيس شرعي انتخبه ثمانية ملايين مواطن يمني، والنظر في إمكانية تحقيق تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم فيدرالية. لكن، رغم إمكانية تحقق كل ذلك، إلا أن جماعة الحوثي، كانت تراوغ، وترفض، تحت طائلة الإغراء الإيراني من جهة، ثم دخل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، على الخط، من جهة أخرى، بما أفشل المساعي السعودية لحلّ الأزمة اليمنية سلميا.

وتطور الأمر في اليمن استدعى ضرورة التدخل السعودي . وحملت العملية العسكرية التي تقودها السعودية عدّة دلالات، على مستوى التحرك والتوقيت والدول المشاركة والأهداف، ومن بين هذه الدلالات:

* لأول مرة زمام المبادرة العسكرية خليجي: رغم أنها ليست المرة الأولى التي تشارك فيها دول الخليج في عمليات عسكرية، لكنها المرة الأولى التي تأخذ زمام المبادرة في عملية عسكرية من هذا النوع.

* استحضار قوة نووية إسلامية: بدا لافتا مشاركة دولة إسلامية هي باكستان، التي تتمتع بالقوة النووية، وكأنها رسالة لإيران، الداعمة للحوثيين، والتي تتهمها القوى الغربية بالسعي للحصول على القنبلة النووية.

* التغطية العربية: باستثناء العراق والجزائر، لم تعلن أي دولة عربية رفضها لتحالف “عاصفة الحزم”. ويضم التحالف 9 دول عربية كغطاء عربي للعملية، وهي: السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن والمغرب والسودان؛ ثم انضمت مصر رسميا في العملية العسكرية، في وقت لاحق.

* اللوجستية والمعلوماتية الأميركية: حصل التحالف الذي تقوده السعودية على دعم لوجستي أميركي. وهو أول تحرك سعودي عربي بمعزل عن الإملاءات الأميركية.

* الزعامة السعودية: استبقت “عاصفة الحزم” جهود سعودية بذلت من أجل تلطيف الأجواء في العلاقات الملتهبة بين الدول.

* القدرة على الإعداد الشامل لمسرح العمليات: سبق “عاصفة الحزم” السعودية إعداد شامل لها، تضمن التسليح وتهيئة الأجواء سياسيا، والتنسيق العسكري مع قوى دولية وإقليمية.

على مستوى التسليح، قال مكتب خبراء “آي أتش أس جينس” ومقره لندن، إن السعودية استوردت تجهيزات عسكرية بقيمة 6.4 مليار دولار العام الماضي، لتصبح أكبر مستورد عالمي بعدما كانت في المرتبة الثانية في عام 2013 بعد الهند.

* الرسالة إيرانية: في سبتمبر عام 2014، قال علي رضا زاكاني مندوب مدينة طهران في البرلمان الإيراني، المقرب من المرشد الإيراني علي خامنئي، إن العاصمة اليمينة صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة التابعة لإيران بعد كل من بيروت ودمشق وبغداد، مبينا أن ثورة الحوثيين في اليمن هي امتداد للثورة الخمينية في إيران عام 1979.

قبل أن تنطلق “عاصفة الحزم” دعت السعودية إلى التمسك بالحوار الوطني واحترام رئيس شرعي انتخبه ثمانية ملايين مواطن يمني، والنظر في إمكانية تحقيق تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم فيدرالية

وجاءت العملية العسكرية بمثابة رسالة إلى إيران الداعم الأول للحوثيين، كما أنها جاءت -أيضا- متزامنة مع توقعات باتفاق وشيك بين طهران والقوى الغربية، لتبعث برسالة أن دول الخليج ستسعى لتحقيق أمنها دون النظر لهذا الاتفاق الذي تخشى دول الخليج أن يفتح الباب أمام امتلاك إيران السلاح النووي.

* التأسيس لتدخلات عربية أخرى: رغم أنه كان من الممكن الانتظار حتى تنعقد القمة العربية ويتم النظر في مسألة اليمن، إلا أن المملكة العربية السعودية لم تنتظر قرارا من القادة العرب، خاصة مع اقتراب دخول الحوثيين إلى عدن، ما يؤسس لتدخلات عربية مستقبلا في الأزمات دون انتظار لقرار من الجامعة العربية، التي لطالما كانت قراراتها حبرا على ورق، يتم التلويح بها مع كل أزمة، دون أن يتمّ تفعيلها.

قمة الحسم

فور إعلان السعودية عن عملية “عاصفة الحزم”، أصبح السؤال الذي يتردد ”متى تهب العاصفة على ليبيا وسوريا ؟”، في إشارة إلى تأسيس تلك العملية لاحتمال التدخل العسكري على خط معالجة هذه الأزمات، لاسيما أن البيان الخليجي الصادر قبل دقائق من هبوب العاصفة وضعها في سياق قانوني.

وقال البيان أن تحرك التحالف يأتي استنادا إلى مبدأ الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، واستنادا إلى ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك.

وأكد نبيل العربي، الأمين العام للجامعة العربية، على هذا في اجتماع وزراء الخارجية العرب، وقال العربي ”إن العملية العسكرية ضد الحوثيين في اليمن تتفق مع ميثاق وقرارات الجامعة ومعاهدة الدفاع المشترك”.

حماية الأمن القومي العربي أهم ملف أمام قمة شرم الشيخ

وينتظر أن يتم اليوم التأكيد على ذلك، في افتتاح قمة القادة العرب الـ26 العادية في تواترها الزماني، والاستثنائية في الأحداث والتغييرات التي تتزامن معها، مع التأكيد على ضرورة استغلال القرار السيادي العربي السعودي ومواصلة العمل عليه، خاصة وأن أغلب الصراعات التي تجري في المنطقة، وتدهور الوضع في العراق وسوريا وليبيا، مردّه الأجندات الغربية، والمحاولات الأميركية لتحقيق نصر تاريخي بتوقيع اتفاق مع إيران، سيحسب من ضمن إنجازات عهد الرئيس باراك أوباما، بالإضافة إلى الحسابات الفرنسية والأوروبية في ليبيا.

وعقدت اجتماعات وزراء الخارجية في ظل ضربات جوية تقودها الولايات المتحدة وتشارك فيها دول عربية وتؤيدها أخرى ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على أجزاء واسعة من العراق وسوريا، وأظهر وجودا في مناطق أخرى. وسبقت اجتماعات القادة العرب عملية عسكرية مفاجأة قادتها السعودية، في اليمن، ضد التهديد الإيراني، بالأساس، وهو التهديد الذي يراه المسؤولون العرب شديد الخطورة.

ولا يزال من غير الممكن توقع إن كان القادة العرب سيتخذون قرارات بتكوين القوة العسكرية الأمنية التي وقع الحديث عنها، إلا أن المؤكّد أن القمة ستخرج بتوصيات هامة، خاصة بعد تأكد أنه من الممكن التحرّك عربيا واتخاذ قرارات سيادية خارج أسوار الجامعة، عندما يقتضي الأمر.

وقال العربي ردا على سؤال بشأن القرارات المتوقعة من القمة “أتوقع أن تخرج القمة بقرارات في الموضوع الأمني لأن كل الدول مهتمة بهذا الموضوع”. وقال مصدر دبلوماسي عربي “هناك أخطار محدقة بالدول العربية ولابد من تحرك جماعي لمواجهة هذا الخطر… هناك شعور عام مؤيد للفكرة لكن القرار والمناقشات ستكون بين أيدي الحكام والقادة العرب”.

وأضاف مندوب يمثل إحدى دول المغرب العربي “نعم هناك شعور عام بالخطر… وشعور عام بضرورة أن نعمل معا ضد هذا الخطر الجديد. وهناك خطر وجودي على الدول العربية ربما لأول مرة منذ الاستقلال”.

7