"عاصفة الحزم" معادلة سياسية جديدة لتعديل موازين القوى

الجمعة 2015/04/03
الصراعات في اليمن متحولة بتحول مصالح مديريها

طرحت الأحداث التي يشهدها اليمن منذ سيطرة الحوثيين، بإيعاز إيراني، على العاصمة صنعاء وتمددهم للسيطرة على مدن أخرى، عددا من الأسئلة حول الظروف التي سمحت لهم بإحداث هذا القدر من الفوضى في غفلة من الجميع. ظروف اتسمت بعبث سياسي قاد جل التحالفات والصراعات منذ الحراك الذي شهدته البلاد سنة 2011، رغم محاولات عدد من البلدان العربية لإيجاد المخرجات السلمية التي تحافظ على استمرارية الدولة وسيادتها وشرعية مؤسساتها، والتي توجت اليوم عسكريا بعملية “عاصفة الحزم”.

تثبت الأحداث التي تجري في اليمن اليوم، أنّ هذا البلد الاستراتيجي العربي يجني ثمرة سياسة خاطئة جمعت في سلتها بين تفرقة قبلية ومذهبية مع كل ما تحويه من زرع لبذور الصراع الأهلي.

والوقوف على مجريات الأحداث المتسارعة في اليمن، يبين كيف انزلق اللاعبون السياسيون في المسرح اليمني نحو الاحتكام للقوة والسلاح، حيث اختار “أنصار الله” الخروج على شرعية الدولة والسلطة الشرعية، كما تعالت أصوات في الجنوب للانفصال في ظل أوضاع سياسية واقتصادية وأمنية صعبة للغاية، هذا في الوقت الذي استمرت فيه حوادث الاغتيال التي تستهدف ضباط الجيش والشرطة في الهجومات المدروسة على مقرات القيادات العسكرية كما وقع لمقري القيادتين الأولى والثانية في حضرموت، فضلا عن سعي القاعدة لإقامة إمارتين إسلاميتين في محافظتي أبين وشبوة.

ونتاجا لذلك فقد ظلّ مستقبل اليمن يراوح مكانه، لأنه ما يزال رهين الثالوث الذي أعاق تنميته وتطوره خلال حقبة طويلة. فالقبيلة والعسكر وحركات الإسلام السياسي، هم أبعد في صراعهم عن احترام الدولة المدنية الحديثة ومصالح الشعب اليمني وبناء دولة المؤسسات والحريات والقانون، وأقرب إلى خلق نزعات متناقضة دائمة بين اليمنيين.

وقد أربك المسار المتعرج الذي عرفته الثورة اليمنية بظهور قوى إسلامية ومذهبية طائفية وعودة القوى المضادة من النافذة، المشهد السياسي اليمني وجعله يتأثر بطبيعة الاستقطابات والمحاور الإقليمية التي تلت ثورات ما سمي بـ”الربيع العربي”.

التواطؤ الأميركي شجع على ظهور عدوانية من طرف طهران في اليمن، بشكل يتماهي مع ما يحدث في العراق وسوريا ولبنان

وقد حاولت المملكة السعودية من جهتها الدفع بالمبادرة الخليجية إلى الأمام لإيجاد حل سياسي للأزمة اليمنية، ثم حاولت إيجاد مخرج سلمي بأقل الخسائر الممكنة لأهل اليمن، فضلا عن دعم السلطة الانتقالية المتمثلة في عبدربه منصور هادي، بينما شجعت الدوحة وأنقرة والتنظيم العالمي للإخوان المسلمين الممثل في “حزب الإصلاح” (في اليمن) بقيادة حميد الأحمر وعلي محسن صالح الأحمر، على السيطرة على النظام السياسي ومصادرة أهداف الثورة اليمنية وحسم الأمر من خلال عمليات عسكرية.

وقد استغلّ الحوثيون كل أخطاء القيادات القبلية والأحزاب التقليدية والحكومية وتناقضاتها ليبسطوا نفوذهم تدريجيا على الجميع بدعم من إيران.

التمدد الحوثي

شهد اليمن تطورات خطيرة تمثلت أولا في معركة عمران التي سيطر عليها الحوثيون في 7 يوليو 2014، حيث استطاعوا إخراج مشايخ حاشد باستغلال تناقضات حزب الإصلاح الداخلية، وهو ما لبث أن كشف حقيقة نواياهم، إذ كان هذا الانتصار مقدمة للتمدد نحو صنعاء وإحكام الخناق عليها منذ 18 أغسطس 2014، والذي تم تسويغه بشعارات ومبررات إسقاط حكومة الوفاق والقيام بحراك اجتماعي يطالب بإلغاء رفع أسعار المشتقات النفطية، ومطالب سياسية تمثلت في تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، حاولوا من خلالها توسيع مظلتهم وقاعدتهم السياسية، فضلا عن جمع كل الغاضبين والناقمين على الوضع الاقتصادي والسياسي من حولهم.

والواقع أن اتفاق السلم والشراكة الوطنية في 21 سبتمبر 2014 والمكمل للحوار الوطني في 28 يناير 2014، يناديان بدولة مدنية، لكن “أنصار الله” غيروا من مطالبهم بالتدريج وأصبحوا ينادون بالدولة “العادلة” مكان الدولة المدنية، مما جعل هدفهم السياسي بعيدا عن كل مصالحة وطنية وديمقراطية، مهما ارتدوا من أزياء مغرية ولونوا عباراتهم عن العدالة السياسية بأصباغ تجميلية.

وقد كان الهدف الحقيقي للحوثيين هو إنهاء مظاهر سيادة الدولة اليمنية بالانقلاب على الرئيس الشرعي وإدخال الدولة في أتون فوضى عارمة. حالة من الفوضى ما لبث أن استغلها الحوثيون لتثبيت أركان سلطتهم والسيطرة على مرافق الدولة ومؤسساتها ومدّ نفوذهم إلى المناطق الأخرى.

ومن ثمّ اتضح أن لعبة الدومينو التي تنتهجها إيران في منطقة الخليج العربي وجوارها الحيوي في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن بدأت تتوسع من منظور طائفي وتنخرط في أعمال الاستفزاز والتحريض.

وقد مضت إيران في محاولة التّحكم في مفاصل اللعبة السياسية للقوى الشيعية وعزلها عن انتمائها القومي العربي مقابل ولاء مذهبي لها، في ظل ترويج مقولة أنّ “الإرهاب مصدره السنّة”، وهو الأمر المفهوم في ضوء تواطؤ الطرفين الإيراني والأميركي في إخفاء تفاصيل الصفقة النووية من خلال تقديم واجهة ربح مشتركة، من أحد تداعياتها جعل الأمن الاستراتيجي الخليجي منكشفا ومهددا من “العنصر الشيعي العربي”.

المتأمل في الصراع الدائر بين الإصلاح (الإخوان) و”أنصار الله” والقوى المتشددة، يدرك حجم الأخطار لو تحول اليمن إلى محطة اقتتال بين الزيدية والشافعية من جهة، أو بين أتباع “المسيرة القرآنية، والذين يطالبون بـ”الحاكمية” من جهة أخرى، وأثره على أمن الخليج العربي برمته، خاصة حين قام انتحاريون من تنظيم “الدولة الإسلامية” في 20 مارس 2015 باستهداف مسجدي بدر والحشوش اللذين يرتادهما حوثيون، أسفر عن مقتل 142 وجرح 351، حسب التقديرات الأولية لوزارة الصحة، حيث حاول منفذوه النفخ في جمر الاحتراب المذهبي، مستغلين انهيار الدولة وضعف الأجهزة الأمنية.

والحقيقة أنه طوال السنوات الماضية، كان المطاف ينتهي بجلّ الأحزاب اليمنية التي تتخذ من المرجعية الدينية سلاحا إلى استخدام القوة والعنف، بما يجعل الأحزاب المختلفة معها مذهبيا، تنتهج نفس الأسلوب. ومن ثمّة، أصبح حزب الإصلاح و”أنصار الله” يعملان على إعادة إنتاج الولاءات المذهبية ككيانات سياسية، فالإصلاح اندرج سابقا في ضرب الحزب الاشتراكي اليمني خلال المرحلة الانتقالية وأعلن الجهاد كحرب مقدسة ضده، فيما تحول الرئيس السابق إلى دعم الحوثيين والتواطؤ معهم بعد أن شنّ عليهم ست حروب، أطلق على الأخيرة اسم “حرب الأرض المحروقة” بعد أن اتّهمهم بالعمالة لإيران.

ومن الواضح أن العبث السياسي اكتملت فصوله في المشهد اليمني بين أعداء الأمس، حيث أنّه من المعلوم أنّ الحوثيين ناهضوا صالح وساندوا التيارات المعارضة له سابقا، قبل أن يعودوا ليتحالفوا معه، ممّا ينذر بأن الصراعات في اليمن متحولة بتحول مصالح مديريها، وهي تندرج في إطار رفض قيام دولة مدنية ودستورية، وتتفق مع بعضها في رؤية شمولية للوطن لا تؤمن بالتعايش المذهبي والتداول السلمي على السلطة والتسامح السياسي.

الهدف الحقيقي للحوثيين هو إنهاء مظاهر سيادة الدولة اليمنية بالانقلاب على الرئيس الشرعي وإدخال الدولة في أتون فوضى عارمة

عاصفة الحزم وإعادة البناء

أثبتت عملية “عاصفة الحزم” التي تعمل على إعادة بناء المشهد اليمني على الأساس السليم الذي انزاح عنه، أنّ التحالف العربي خرج من دائرة الانتظار إلى دائرة الفعل، ممّا أثبت معه أنّ دُوله باتت أطرافا فاعلة في تحقيق أمنها الجيوسياسي، لها مصالحها وحقوقها وأهدافها في محيطها الإقليمي. هذه الخطوة سيتزايد معها الاعتراف الدولي بدور العرب في حل النزاعات الإقليمية حتما، وستكون لها تأثيرات طويلة الأمد لاحقا، وربما سيكون من معالمها على المدى القصير إضافة لبنة جديّة في دور سياسي إقليمي فاعل، يوفر لها الدعم من الداخل قبل الخارج.

ولذلك تتنزّل هذه المبادرة، إضافة إلى كونها تمثل طوق النجاة بالنسبة إلى اليمنيين، في إطار تعزيز البلدان العربية لدورها الذاتي في مواجهة التحديات المطروحة واستعادة التوازن الاستراتيجي الذي فقدته منذ أمد. حيث لا مجال لحفظ السلم والاستقرار من دون سياسة حزم وردع ومرونة لمواجهة الفوضى في اليمن والعراق وغيرهما.

وتبقى القدرة المشتركة على النهوض بفعالية لتدبير احتياجات العرب الأمنية والإقليمية من دون مساعدة من الدول الكبرى، هي الخيار الذي يدفع الدول العربية إلى بذل قصارى جهدها لتتمكن من الاعتماد على مصادر قوتها الذاتية في الدفاع عن نفسها أمام التهديدات الخارجية. وهو ترسيخ لعلاقات الاعتماد المتبادل وتفعيل لاتفاقية الدفاع المشترك في مواجهة حدوث أي تكهنات عكسية تمس بأمن الدول العربية واستقرارها، حيث أنّه من غير المقبول السكوت عما يقع من حرب تدار رحاها في عقر دارهم، بإيعاز إيراني وأذرع ميليشياوية عميلة لها.

باحث جامعي، جامعة السوربون

اقرأ أيضا

حصاد أسبوع: صعدة الأشد قصفا وعدن قلب المعركة القادمة

6