"عاصفة الحزم" واحتمالات التدخل البري

السبت 2015/03/28

جاء التدخل العسكري من قبل عدد من الدول العربية وبقيادة المملكة العربية السعودية في اليمن في اللحظة الأخيرة بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث لم تكن تفصلنا عن سقوط مدينة عدن الجنوبية فيما لو لم تبدأ العملية العسكرية سوى مجرد ساعات معدودة. لماذا تأخر هذا العمل العسكري فيما الحوثيون يتمددون في اليمن خلال عام كامل؟ وهل هو عمل “إسعافي” سوف يقتصر على الضربات الجوية؟ أم أنه يتجه إلى عمل عسكري بري يؤكد أن “عاصفة الحزم” لا ينقصها أي قدر من الحزم؟

من دون شك، تعاملت السعودية بهدوء وحذر شديدين مع تطورات المشهد اليمني خلال العام الماضي. ورغم أنه كان عاما عاصفا بشدة على المستوى العسكري، إلا أن السعودية ظلت تراهن على العملية السياسية دون أن تدعو لاستبعاد أي طرف سياسي، حتى تلك الأطراف التي كانت لا تقيم وزنا للتسوية السياسية، وتضع كل جهودها في الحسم العسكري بدعم من إيران، أي الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح.

بعد انتهاء الثورة اليمنية بتسوية سياسية قسمت سلطة الدولة بين عدة فرقاء، وأبقت على قوة الفريق الموالي للرئيس السابق، وجد الحوثيون الفرصة مواتية من أجل فرض أنفسهم كلاعب رئيسي في اليمن. استغل الحوثيون ضعف السلطة المركزية وانشغالها عنهم بنزاعات مكوناتها القبلية والسياسية، وعقدوا تحالفا غير معلن مع عدوهم السابق الرئيس علي عبدالله صالح، واستطاعوا عبر تحالفهم ذاك، وعبر تدهور سلطة الدولة اليمنية وتفاقم النقمة الشعبية على أدائها، أن يوسعوا من سيطرتهم ويخوضوا عدة معارك عسكرية في شمال اليمن ضد أطراف سياسية كالسلفيين وآل الأحمر أعدائهم الألداء في تلك المرحلة.

وفي ظل حياد القطاعات العسكرية التي تتبع لسلطة الحكومة المركزية، وتآمر القطاعات التي تتبع لعلي عبدالله صالح معهم، استطاع الحوثيون خلال العام 2014 إحكام سيطرتهم التامة على شمال اليمن وتشكيل ما يشبه الحكم الذاتي. مع نهاية العام 2014 كانوا قد تخلصوا من بعض الخصوم السياسيين والعسكريين، وكان الطريق سالكا نحو العاصمة اليمنية صنعاء.

دق سقوط صنعاء جرس الإنذار بالنسبة لدول الخليج والسعودية على وجه خاص. وفيما بقيت تراهن على تسوية ينصاع لها الحوثيون، كان واضحا أن الأخيرين، متحالفين مع صالح، قرروا السيطرة على كل اليمن، حيث تقول الحسابات العسكرية أن بإمكانهم ذلك، وهو ما بدأوه باحتجاز الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي وفرض سلطة جديدة في صنعاء.

في تلك المرحلة بدأ الدعم العسكري والمالي الإيراني يصبح علنيا، إذ باتت العشرات من الطائرات الإيرانية تهبط في مطار صنعاء، كما رست سفن إيران المحملة بالذخائر والأسلحة في ميناء الحديدة. من المرجح أن السعودية اتخذت قرار التدخل العسكري عند تلك النقطة، وأن القرار تأخر بسبب وفاة الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز. ما يرجح ذلك هو أن عملية “عاصفة الحزم” جاءت قوية بمشاركة أكثر من 160 طائرة حربية، وبتنسيق على مستوى عال بين الدول العربية. ولا يمكن لعملية “إسعافية” تستهدف منع سقوط عدن فقط أن تجري على هذا المستوى.

لذا، يتوقع أن تتواصل العملية العسكرية وتستخدم كل الوسائل التي تجعلها قادرة على تحقيق أهدافها، بما في ذلك الاجتياح البري. وقد مهد اجتماع وزراء الخارجية العرب الطريق بالموافقة المبدئية على إنشاء قوة عربية مشتركة ستكون قوة التدخل البري في اليمن في حال تم إقرار ذلك.

قد تحتاج الحملة العسكرية الجوية ضد الحوثيين إلى قوة برية في حال استمر تحالفهم مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، حيث لا قوات برية مؤهلة يمكن أن تدحرهم عن عدن وتعز وصنعاء. لكن حزب صالح، وبمجرد بدء العمليات العسكرية، أصدر بيانا بدا فيه وكأنه يتراجع عما ارتكبه من حماقات أثناء تحالفه مع الحوثيين وعن تجاهله رسائل المملكة السعودية، كما بدا مستعدا لفض ذلك التحالف، إن لم يكن قد قام بذلك من دون إعلانه.

يمكن أن يساهم تحييد قوات صالح، وترتيب وضع القوات الموالية للرئيس اليمني عبدربه منصور هادي في تشكيل جبهة عسكرية تضع حدا للحوثيين على الأرض من دون الحاجة لدخول قوات برية. إذ أن سيطرتهم على المدن اليمنية الواحدة تلو الأخرى في الأشهر الماضية لم تكن ممكنة دون تحالفهم مع صالح.

إن تشديد العزلة على الحوثيين في اليمن وتجريدهم من حليفهم الحالي الذي سهّل تقدمهم العسكري وجعله دون أي كلفة، وبالتوازي مع الموقف الحازم للمجتمع الدولي الذي يحمّلهم مسؤولية التصعيد العسكري الحالي، ربما يجبر إيران على الإيعاز لهم بقبول التسوية السياسية قبل فوات الأوان، وقبل دخول قوات برية عربية إلى اليمن لتعيدهم إلى محافظة صعدة، الفقيرة بالموارد، والمثقلة بالسكان والأزمات.

كاتب فلسطيني سوري

8