عاصفة طائفية تجتاح منطقة الشرق الأوسط

الثلاثاء 2014/07/01
المصالح والمواجهات الجغرافية السياسية تلعب دور الحطب لنار الطائفية في الشرق الأوسط

بيروت – نجحت المصالح المتنافسة على منطقة الشرق الأوسط في إخراج جني الطائفية من قمقمه في خطوات يقول مراقبون إنها تشكل الخطوط العريضة الأولى لمشاريع تشكيل هويات طائفية تزيح الشعور الوطني وتحول المنطقة بأكملها إلى بؤرة أزمات وأشباه دول.

تتفق أغلب الدراسات والتحاليل الاستراتيجية والاستخباراتية على أن منطقة الشرق الأوسط تبدو على حافة حرب طائفية واسعة تشمل العراق وسوريا وتمتد إلى لبنان ومناطق أخرى. لقد حرّرت الحروب المتأججة في العراق وسوريا جني الطائفية من قمقمه.

في عام 1979 أدت الثورة الإسلامية لصعود نظام شيعي للحكم في إيران إلى منح بعد طائفي للسباق القديم على النفوذ في الخليج بين إيران والسعودية.

كما أدى الغزو الأميركي للعراق عام 2003 إلى تفككه على أسس عرقية وطائفية ليمنح الأغلبية الشيعية اليد العليا على الأقلية السنية ويعيد تشكيل توازن القوى الذي استمر قرابة قرن.

وفي سوريا يضع الصراع الأقلية العلوية التي ينتمي إليها الرئيس بشار الأسد في مواجهة شاملة مع مقاتلين معظمهم من الأغلبية السنية. واجتذب هذا الصراع متطوعين جهاديين ليخلق ساحة قتال طائفي هائلة تمتد من بغداد وحتى بيروت.

وقال فالي نصر، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية والباحث الأكاديمي في شؤون الشرق الأوسط والباحث بمؤسسة بروكينغز “لا يوجد إحساس بوجود هوية مشتركة. وبالتالي فكلما حدث انقسام على السلطة مثلما هو الحال في لبنان وسوريا والعراق ينتهي بهم الأمر إلى التناحر بشأن من سيفوز. أصبح الوضع هو .. الفائز يحصل على كل شيء”.


فظائع طائفية


زادت وحشية هذه الطائفية في الوقت الذي ينشط فيه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. وأظهر مقطع فيديو نشره التنظيم مقاتليه وهم يقتحمون منزل رجل مسن ويتهمونه وابنيه بالقتال مع الجيش العراقي تحت امرة رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي. وبينما كان الأسرى يحفرون قبورهم كان أحد المقاتلين يسخر منهم متسائلا لماذا لا يأتي المالكي لإنقاذكم. وناشد الرجل رفاقه بالتوبة والانشقاق عن جيش المالكي وينتهي مقطع الفيديو بصورة نصل سيف وهو يهوي على رقبته.

فالي نصر: الهويات القومية تتراجع بينما تزداد الهويات الطائفية وضوحا

وأوضح قيادي في التنظيم أن هذه الوحشية هي السياسة التي ينتهجها التنظيم فيما يبني الدولة الإسلامية عبر الحدود. وقال “تعاملنا مع أتباع المالكي ودولته الرجسية سيكون وفقا للشرع الحنيف… فمن جاءنا تائبا قبل القدرة عليه فهو منا.. أما من أصر على حربنا وتمسك بكفره وردته… فعلى نفسها جنت براقش وسيرون منا الفعل لا القول”.

ووصل خطاب الكراهية مع الدولة الإسلامية إلى مستوى جديد في العراق فهم يصفون الشيعة بأنهم "الروافض الأنجاس" كما يزعمون أن “الموت هو اللغة الوحيدة التي تفهمها المرجعية الشيعية وعصاباتها”.

جاء رد الجانب الشيعي مماثلا إذ نشر مقاطع فيديو تظهر عمليات إعدام لسنة. وفي أحد هذه المقاطع ظهرت جثث مجموعات من الرجال أطلق عليهم الرصاص وبعضهم أصيب في الرأس فيما بدا أنه غرفة تناثرت فيها الدماء وثقوب الرصاص على الجدران.

ويقول كثير من المحللين إن الدين يستخدم كسلاح لإعطاء زخم للمصالح المتنافسة لكن الهوية الطائفية بدأت تتخذ لنفسها نمطا خاصا سريع الانتشار يخرج في بعض الأحيان عن سيطرة من يحملون السلاح. ويقول الخبير الإيراني الأميركي في شؤون الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، فالي نصر، “الهويات القومية في هذه الدول تتراجع بينما تزداد الهويات الطائفية وضوحا”.

ويقول تشارلز تريب، الأستاذ في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، إن العملية في العراق بدأت في التسعينات عندما بدأ صدام حسين ما عرف وقتها باسم “الحملة الإيمانية” لتعزيز الدعم لنظامه العلماني في ظل العقوبات الاقتصادية الدولية القاسية.

وأدى هذا التشجيع العشوائي للسلفية السنية والشيعية إلى تشجيع المستفيدين من الطائفية الذين “وجدوا أن حشد الناس حول الدين أو الطائفة أمر مربح للغاية”.

ويقول تريب إن العملية التي استمرت في عهد المالكي شهدت تحول التمييز الطائفي إلى تعصب أعمى استغله قادة سقطوا في هاوية “حرب مزايدة” لنيل الشرعية الدينية. كما غلف اللاعبون في المنطقة مساعيهم لتحقيق تقدم سياسي على الأرض بغلاف الدين.

الصراع ليس دينيا خالصا ولا سياسيا بالكامل، العاملان يمتزجان ويغذيان بعضهما البعض

وقال تريب “إذا شددت على مدى شيعيتك بصفتك إيرانيا فهذا يتيح لك التدخل في لبنان (حيث توجد نسبة كبيرة من الشيعة) وبالمثل فإذا كنت سعوديا تستطيع أن تزعم أن الأمر لا يتعلق بالتنافس الإقليمي بل بقضية أكبر. وأضاف “على المستوى الإقليمي يخوض الناس صراعا على القوة ليس لأجل الدين بل لأجل الموارد والهيبة”. ويجادل يزيد صايغ، وهو باحث كبير في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، بأنه “لا يوجد فعليا خطاب ديني في هذه الحرب الدينية.. الأمر في جوهره كما هو الحال دائما هو صراع على السلطة”.


شبه دويلات


رغم أن العداء بين السنة والشيعة لطالما اتخذ طابعا عنيفا ودمويا فإنه الآن يمتد عبر مناطق شاسعة من شرق المتوسط إلى العراق والخليج واليمن.

ويقول الباحث طارق عثمان إن الصراع “ليس دينيا خالصا ولا سياسيا بالكامل.. العاملان يمتزجان ويغذيان بعضهما البعض وتلعب المصالح الشخصية والمواجهات الجغرافية السياسية دور الحطب للنار”.

ويشير عثمان، مؤلف كتاب “السيناريو الخطير في شرق البحر المتوسط”، إلى أن الحروب الطائفية تحدث في وقت تمر فيه المجتمعات العربية بتحول من النظام السياسي القديم في أعقاب الإطاحة بحكام حكموا بلادهم لسنوات طوال إلى نظام لم تتحدد ملامحه بعد.

وللمرة الأولى في الأعوام المئة والخمسين الماضية تشهد المنطقة صعود جماعات جهادية قوية ومسلحة بشكل جيد تهيمن على سهول تمتد من شرق سوريا إلى غرب العراق وتشكل لنفسها تدريجيا شبه دويلات يأملون أن تصبح كيانات دائمة.

ويقول عثمان “لو حدث ذلك فسيشكل ذلك خطرا ليس على كل الدول ذات السيادة في تلك البقعة من العالم فحسب وليس على الأقليات الدينية فحسب بل على جميع المجتمعات”. ويجادل خبراء بأن المستقبل سيتحدد من خلال عوامل محلية وإقليمية.

يزيد صايغ: لا يوجد خطاب ديني في هذه الحرب الأمر في جوهره صراع على السلطة

ويقول تريب “السياسة المحلية ستشكل هذا بشكل أو بآخر. في بعض الأحيان ستعني السياسة المحلية أن يكون ذلك أمرا مروعا وعنيفا للغاية وسنشهد أمورا مثل تلك التي شهدناها في سوريا حيث تقوم قرية بذبح قرية أخرى. وبالطبع سينزع العامل المحلي الفتيل ويزيل المرارة لأنه قد يؤدي فعليا إلى تسوية محلية”.

ويقول خبراء إن الائتلاف الجهادي بقيادة الدولة الإسلامية في العراق والشام سينقسم في نهاية المطاف بسبب النزاعات الداخلية بشأن اقتسام الأموال والأراضي والسلطة.

ويعتقد الخبراء أن مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية سيستنزفون أنفسهم بإثارة استياء العشائر والجماعات السنية الأكثر عملية والضباط السابقين من حقبة صدام والمواطنين العاديين مثلما فعلوا بين عامي 2005 و2008 تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي عندما ثار العراقيون على سياساتهم المغالية في التشدد.

ويدفع البعض أن هذه الانقسامات ستحدث بسرعة لأن الجهاديين سيضطرون إلى تأسيس الحكم في المناطق الهائلة التي سيطروا عليها. ويقول تشارلز تريب “واحدة من أهم نقاط القوة لدى القاعدة هي أنها لم تكن لديها إدارة اجتماعية. فهي قد تحشد الناس حول فكرة لكنها لم تكن مضطرة إلى توفير الكهرباء والمياه والعدالة الاجتماعية وما إلى ذلك. تنظيم الدولة الإسلامية يتعين عليه ذلك الآن”.

ويقول تريب إن تركيب القوى الاجتماعية في المناطق السنية لا يزال يهيمن عليه زعماء العشائر والمسؤولون السابقون في حزب البعث بينما تقبع قوة السلاح والقسوة والعنف في يد تنظيم الدولة الإسلامية.

ويضيف “يعرفون أنهم لا يستطيعون حكم تلك المنطقة دون تعاون العشائر وعندما تراجع نمط ما حدث من قبل فهذا بالضبط ما أدى إلى انهيار سيطرة القاعدة والزرقاوي .. لأنهم أثاروا نفور العشائر”.

وعلى الأرض يصعب تصور أن يستطيع المالكي استعادة السيطرة على المحافظات السنية التي سيطر عليها التنظيم عن طريق الجيش الذي يعد وجوده صوريا. لكن خبراء يقولون إن استعادة تلك المناطق بمساعدة الميليشيات الشيعية التي دربتها إيران مثل عصائب أهل الحق ينذر بحمام دم طائفي.

ويتوقع كثيرون أن يستمر القتال حتى تقوم كل الفصائل – من شيعة وسنة وأكراد وعلويين من سوريا إلى العراق – بتشكيل مناطق حكم خاصة بها حتى لو ظلت ضمن الحدود الدولية ذاتها.

6