عاصفة في البيت وأخرى في القلب

الأحد 2013/11/10
حنا آراندت

كانت حنا آراندت في الثامنة عشرة من عمرها لمّا استمعت إلى محاضرة حول أفلاطون لمارتن هايدغر الذي كان آنذاك في السادسة والثلاثين من عمره. وكان متزوّجا، وأبا لطفل. ومنذ البداية انجذبت الطالبة اليهوديّة الجميلة ذات العينين السوداوين الواسعتين، والتي كانت ترتدي فستانا أخضر لصاحب "الوجود والزّمن". لذا سرعان ما وقعت في شراك حبّه هي التي كانت مفتونة آنذاك بالفلسفة اليونانيّة، وباللاّهوت. وكانت تعتبر الإنجيل جزءا أساسيّا من الفكر الإنساني. وعندما أخذت نار الحبّ تكوي قلبه، تذكّر الفيلسوف الكبير المبحر في ميتافيزيقا الوجود والزمن، قصيدة الشاعر الألماني الكبير فريديريك شيلّر التي يقول فيها:

في واد، عند رعاة فقراء

كانت تظهر كلّ رأس سنة

حالما تطير القبّرات الأولى

فتاة فاتنة الجمال

هي لم تولد في الوادي

ولم يكن أحد يعرف من أين أتت

وكانت آثارها تختفي

حالما تودّع

كانت رائعة المعشر

وكانت كلّ القلوب تنفتح لها

مع ذلك كانت عظمتها ومجدها

يبعدان كلّ ألفة

كانت تأتي بالزّهور وبالفواكه

التي نضجت في أماكن أخرى

وتحت شمس أخرى

في طبيعة أكثر سعادة

كانت تقتسم هباتها مع كلّ واحد

مع هذه الفواكه، مع تلك الزهور

المراهق والشيخ ذو العكّاز

وكلّ واحد كان يعود إلى بيته ومعه هديّة

كلّ الضّيوف كانوا يكرّمون

عندئذ اقترب عاشقان

فقدّمت لهما أجمل هديّة

وكانت الهدية أجمل الزهور

في مطلع عام 1925، تلقّت حنا آراندت رسالة من مارتن هايدغر فيها كتب يقول: "العزيزة آراندت:عليّ أن آتي هذا المساء مرّة أخرى بالقرب منك لأخاطب قلبك.عليك أن تكوني بسيطة، وصافية. عندئذ فقط سيكون لنا الشرف بأن نلتقي. أن تكوني تلميذتي، وأنا أستاذك، فإنّ هذا لم يكن غير فرصة سعيدة لما حدث بيننا. أبدا لن أسمح لنفسي بأن تكوني لي وحدي، غير أنك لن تخرجي من حياتي التي أدخلت فيها حيويّة غير معهودة".

مارتن هايدغر

وفي رسالة أخرى بعث بها في نفس العام، كتب هايدغر يقول: "العزيزة حنا: لماذا لا يمكن مقارنة الحبّ بالاحتفالات الأخرى التي توهب للكائن البشري؟ ولماذا هو حمل لذيذ على من يصابون به؟ هل لأننا نصبح من نحب من دون أن نتحوّل ونصبح كائنا آخر..".

وعادة ما كان اللقاء يتمّ بين العشيقين خلال سهرات تخصّص لمناقشة قضايا فلسفيّة. ومرّة دعا هايدغر أدموند هوسرل، رائد الفينيمونولوجيا، ومبتكرها إلى بيته. وكان النقاش ساخنا بين الفيلسوفين الكبيرين أثناء السّهرة. كلّ واحد منهما كان يبذل أقصى جهده لإثبات نفوذه، وصواب آرائه. ومنذ البداية انحازت الفيلسوفة الشابّة إلى عشيقها، منتصرة لأفكاره.

وفي رسالة بعثت بها إليه، كتبت تقول: "وأنا أستمع إليك تجادل هوسرل، التهب جسدي حبّا لك… لقد كنت رائعا". وفي شهر مارس-آذار 1925، انطلقت حنا آراندت إلى "كوينسبارغ"، البلدة التي عاش فيها الفيلسوف الشهير عمانويل كانط، فكتب لها هايدغر رسالة فيها يقول: "عندما تشتدّ العاصفة حول بيتي الخشبي، أفكّر في العاصفة التي اندلعت بيننا. كما أتذكّر الجولات الجميلة حيث كانت ضفاف نهر "لاهن" تقود خطواتنا، إلاّ إذا ما فاجأتني لحظة استراحة وأنا مستغرق في حلم كاف لكي يذكّرني بالفتاة المرتدية معطفا مطريّا، وقبّعتها نازلة على عينيها مبرزة نظرتها المفعمة بالطمأنينة، الفتاة التي اجتازت عتبة مكتبي للمرّة الأولى، مقدمة أجوبة مقتّرة، موسومة بالعفّة والتّحفّظ على الأسئلة التي طرحت عليها".

عند صعود النازيين إلى السلطة عام 1933، عيّن مارتن هايدغر عميدا لجامعة فرايبورغ .أمّا حنا آراندت فقد هاجرت إلى الولايات المتحدة الأميركيّة بعد أن أمضت فترة من الزّمن في باريس. وبعد انتهاء الحرب الكونيّة الثانية، اتّهم هايدغر ـ"التّعاون مع النازيّة"، غير أن حنا آراندت أنصفته، وكتبت له العديد من الرسائل معبّرة له فيها عن تضامنها الكامل معه. وعندما أدرك هايدغر سنّ الثمانين، وكان ذلك عام 1969، وصفته حنا آراندت بـ"ملك الفلسفة"، مشيرة إلى أنّ فلسفته "غيّرت المشهد الفكريّ في القرن العشرين"، و"أطاحت بصرح الميتافيزيقا الذي كان قائم الذّات"، و"كانت بمثابة العاصفة التي أثارتها فلسفة أفلاطون".

وأضافت حنا آراندت قائلة: "إنّ فلسفة هايدغر لا جذور لها في القرن العشرين.. إنها قادمة من زمن سحيق. وما تتركه وراءها إنجاز. ومثل كلّ إنجاز كبير وعريق، هو يعود بنا إلى الماضي البعيد".

12