عاصمة الثورة وحصار طروادة

الأحد 2014/02/16
سوريون يسابقون الزمن للهروب من مدينة حمص

دمشق – مرّ على حصار النظام السوري لمدينة حمص نحو سنتين، ومازالت آلاف الأسر عالقة فيها في ظروف إنسانية صعبة، ووافق النظام على إجلاء بعضها وسط مخاوف على مصيرها وعلى مصير المدينة. “آنا برس″ ترصد معاناة حمص مع محاولات النظام الأسدي تفريغها من سكانها لتغيير ديمغرافيتها وعلْوَنَتِها وشَيْعَنَتِها.

مضت أكثر من سنتين على اقتحام القوات العسكرية والأمنية السورية لمدينة حمص التي تتوسط سورية، وبدء حصار المدينة التي هجرها غالبية سكانها هرباً من الجحيم الذي خلّفه القصف، ومازالت الأسلحة الثقيلة هي التي تستخدمها القوات العسكرية في قصف المدينة التي تحوّلت إلى ما يشبه مدن الأشباح، وساحة حرب لمعارك بين طرفين غير متكافئين.

منذ سنتين تقريبا، لا يمر يوم إلا وتقصف القوات العسكرية النظامية مدينة حمص، دُمّرت أحياء عديدة عن بكرة أبيها، وتحوّلت آلاف المباني إلى ركام في محاولة من النظام السوري لإخضاع “عاصمة الثورة” كما يحلو للسوريين تسميتها.

أعلنت السلطات السورية، والقيادة العسكرية عن “تحرير” حمص أكثر من مرة، وأكّدت أيضا أنها قضت على “العصابات الإرهابية المسلحة” الموجودة فيها، لكن هذا الإعلان يتكرر كل شهرين، فيما يؤكد أهالي المدينة على أنها، ورغم تدميرها وقصفها يوميا بالطيران الحربي والمدفعية الميدانية وراجمات الصواريخ، مازالت عصيّة على القوات النظامية، ويستمر الثوار بالسيطرة على أجزاء كبيرة منها، وهي الأحياء التي كانت تقطنها غالبية سنّية مناوئة للنظام السوري، فيما يسيطر النظام على الأحياء التي يقطنها مؤيدون له وبعض الأحياء المدمّرة كلياً.

مازالت تختبئ في حمص آلاف العوائل، يحميها عدد غير معروف من عناصر الجيش السوري الحر، وتقيم تلك العائلات في الملاجئ وسط قصف لا ينتهي، بينما يعاني الأطفال من حالات صحية ونفسية سيئة، مع وجود نقص في كل شيء.

بعض المنظمات المحلية والدولية صنفت حمص "مدينة منكوبة"

الناشط السوري المعارض هادي العبد الله، ابن مدينة حمص أوضح للعرب أن الحصار الشديد يتركز على أحياء حمص القديمة (باب هود وباب الدريب والحميدية وباب السباع والخالدية والقرابيص)،كما أن هناك آلاف العائلات في هذه الأحياء، لا تجد حتى الخبز بسبب منع النظام السوري من إدخال الطحين واستهدافه للأفران بشكل متعمّد. معظم العائلات تأكل وجبة واحدة في اليوم، كما تم إغلاق المشفى الميداني الوحيد في حمص القديمة بسبب نفاد الأدوية وتلف المعدات، فأصبح الجرحى مشاريع شهداء، وبسبب عدم وجود أدوية يضطر الأطباء إلى بتر أطراف المصابين والمرضى”.

اتهم ناشطون ومنظمات حقوقية دولية وأممية السلطات الأمنية بارتكاب مجازر في حمص أسفرت عن مقتل المئات، ليرتفع عدد الضحايا المدنيين إلى رقم قياسي بالنسبة إلى بقية المدن السورية، حيث قدّمت حمص للثورة ثالث أكبر عدد من الضحايا بعد ريف دمشق وحلب بأكثر من 14 ألف ضحية، ما دفع بعض المنظمات المحلية والدولية لاعتبارها “مدينة منكوبة”.

قطعت السلطات السورية عن الأحياء المحاصرة الماء والكهرباء والوقود والاتصالات، ومازال التنقل صعبا مع وجود مئات القناصة فوق الأبنية المرتفعة المطلة على الأحياء المحاصرة، وقُتل العديد من الناشطين من أبناء البلدات المجاورة خلال محاولتهم نقل المواد الغذائية إلى داخل تلك الأحياء، كما أوجدت السلطات السورية مبررات كي لا تسمح بهدنة لفتح ممرات آمنة لتأمين مرور المدنيين والجرحى والمساعدات الإنسانية، واشترطت قبل أية هدنة أن يسلّم المسلحون أنفسهم وأسلحتهم، وهو الأمر الذي رفضه الثوار لقناعتهم بأن الجيش سيقتل كل أهل المدينة إن توقفوا هم عن حمايتهم.

وكان فك الحصار عن مدينة حمص أحد بنود الجولة الأولى لمؤتمر جنيف في جولته الأولى، ولم يتم التوصل إلى أي اتفاق بشأنه. ونقل برهان غليون القيادي في ائتلاف المعارضة السورية عن وفد النظام قوله إن الوفد رفض التجاوب في جميع نقاط الملف الإنساني، ولم يرد على اقتراح هدنة لإدخال المساعدات لحمص المحاصرة، واتهم المحاصرين في حمص القديمة من الأطفال والنساء بأنهم يشاركون في القتال.

لحمص خصوصية تجعلها تختلف عن أية مدينة سورية أخرى، فبالإضافة إلى أنها من أبرز معاقل الاحتجاج ضد النظام السوري، فإن نحو 75 بالمئة من سكانها هم من السنّة، معظمهم ضد النظام، ونحو 20 بالمئة منهم من العلويين الموالين للنظام، مع أقليات مسيحية لا تزيد عن 5بالمئة. والأقلية العلوية (التي ينتمي إليها النظام) هاجرت من الريف إلى المدينة خلال ثلاثين عاماً ومارست عمليات ابتزاز وإهانة وكسب غير مشروع بمساعدة وتغطية من القوات الأمنية، ويرى المراقبون أن وضع المدينة يمكن أن يهدد بحرب طائفية بين هذه المكونات.

وعن سبب الحملة التدميرية التي شنها النظام على حمص بالذات منذ وقت مبكر من عمر الثورة، قال الناشط المعارض أبو جعفر المغربل لـ “العرب”: “هدف النظام إخلاء حمص من سكانها لتغيير ديمغرافيتها وتدمير جزء منها لتصبح منطقة عازلة متاخمة لمناطق تواجده.

قطعت السلطات الماء والكهرباء والوقود والاتصالات عن الأحياء المحاصرة

نعم هناك تهجير قسري لأصحاب البيوت وعلونة وشيعنة لمدينة حمص وتبديل للهويات وإعطاء البيوت لغير أصحابها. وكما هو الحال في بابا عمر حيث دمرها النظام لتكون جدار عزل عنصري لمنطقة الإنشاءات، ستكون حمص القديمة منطقة عازلة بين المناطق الثائرة وبين الأحياء الموالية كالزهراء ووادي الذهب، وبمثابة جدار فصل عنصري، منها سينتقل الأمر لحي الوعر، ثم سيبدأ النظام حملة على الريف الشمالي من حمص”. ولا يثق أبناء المدينة بالاتفاق الذي أعلنت عنه السلطات السورية لإجلاء بعض المحاصرين في المدينة على عدة مراحل، وهو الاتفاق الذي اقتصر على إخراج بعض النساء والأطفال (دون 15 سنة) وكبار السن (فوق الـ 55) من المدينة، وسط رفض العديد من قوى المعارضة السورية لإخراج المدنيين وإصرارهم على ضرورة وقف قصفهم وإدخال المساعدات إليهم بدلاً من إجلائهم خوفاً من تعرض المدينة إلى حملة عسكرية شاملة بعد إخراج المدنيين منها.

وعن هذه المخاوف قال المغربل ابن المدينة: “رغم قناعتنا بحق المحاصرين في حمص بالخروج خاصة وأن هناك العديد ممن يحتاجون إلى عمليات جراحية ضرورية وهناك نساء وأطفال في المنطقة المحاصرة منذ ثلاث سنوات بحاجة إلى رعاية طبية مكثفة وعشرات الحالات بحاجة ماسّة إلى الخروج الفوري، إلا أننا نخشى من عدم وجود ضمانة أن لا تُرتكب بحقهم مجازر كما حصل في بابا عمرو خصوصا بعد تصريحات وزير الإعلام التابع للأسد بأن العصابات المسلحة تمنع إخراج الأهالي، بينما عمليا لا توجد عصابات مسلحة وإرهابيون غير الميليشيات التي جاء بها النظام من العراق ولبنان وإيران”.

75 بالمئة من سكان حمص من السنة، معظمهم ضد النظام

وأعرب الناشط أبو جعفر عن قناعته بأن النظام سيشن حملة عسكرية تدميرية لما تبقى من المدينة بعد إجلاء المدنيين، وقال: “يتم نقل المحاصرين من المدينة إلى الوعر شبه المحاصر حصريا (الحي السنّي)، وسيقوم النظام بتدمير الوعر آخر مكان يتواجد فيه أهالي حمص ويهجّرهم بعد أن يرتوي من دمائهم. وبكل تأكيد سيتم هدم حمص فور خروج الناس، كما حصل في بابا عمرو، ليشن النظام وميليشياته حملة عسكرية شرسة تنتهي بتدمير المدينة عن بكرة أبيها بحجة أن من بقوا داخلها هم إرهابيون”.

يؤكد الناشطون والمعارضون السوريون أنه على الرغم من أن المدينة باتت خرابا، إلا أن قصفها أو حصارها لا يعني أنها ستسقط، ولا يعني أن تتخلى عنها الكتائب الثورية المسلحة، خاصة وأن غالبية أهلها، يعرفون شوارعها شبرا شبرا، ويدافعون عن أرض آبائهم وأجدادهم وعن وجودهم التاريخي.

4