عاصم الباشا ينحت "غبار اليوم التالي"

الأربعاء 2016/10/19

في روايته “غبار اليوم التالي” الصادرة حديثا عن دار توتيل في إسطنبول، يطرح عاصم الباشا أسئلة صادمة ومحرجة عن معنى الوطن، وفكرة الاغتراب عنه وفيه، والروابط التي تحدد مصائرنا، وعلاقتنا بالمكان، ليصدمنا في نهاية الرواية بوصوله إلى نقطة مصيرية حين يتحلل من جميع العلاقات الاجتماعية والدموية التي تربطه بالمكان، فيترك الباب مفتوحا على الخيارات جميعها، ولو أننا سنخمّن بأنه مغادر هذا الخراب لا محالة!

إحدى مزايا هذه الرواية أنها مكتوبة قبل عقدين من الزمان، ولا نعرف السبب الذي منع عاصم من نشرها طوال هذه السنوات، إذ أنها تؤسس لرؤية فنية راقية ترصد حجم الخراب في سوريا الثمانينات، واستحالة التعايش مع هذه التركيبة العجيبة من الفساد المغلف بالشعارات البراقة.

بطل الرواية أو مهزومها، نحات عاد بعد دراسته في موسكو، عاصمة الاتحاد السوفييتي آنذاك، ليجد عائلته الصغرى في حالة من الفاقة؛ أب غادر الحياة مهموما، وأم مكافحة تسعى إلى تأمين قوتها اليومي، وأخ قتيل، وآخر مقعد لا أمل في شفائه. تفارق والدته الحياة وتترك له كتلة اللحم الحية لكي يرعاها! المجتمع منهار برمته، والدولة عبارة عن سيارة مرسيدس سوداء يقودها عناصر غاضبون.

يتورّط هذا النحات، الذي كان إلى وقت قريب ممتلئا بالحماس للعودة إلى الوطن، مغامرا بإمكانية اعتقاله، يتورّط بطلب من جهات عليا بعملية إصلاح عبثية لتمثال مشوّه لرئيس البلاد.

كان هذا التمثال قد أنجزه أحد أساتذة كلية الفنون الجميلة، الفاقد للفن والمتمتع برضا الأجهزة الأمنية والحزبية، وصاحب الحظوة عند المسؤولين.

يحاول حاجب الوالي، كما يسمّيه عاصم، إجباره على القيام بعملية إصلاح التمثال، فيتأمل حجم التشويه المريع، ويخرج بنتيجة بعد أن يعاين الكتلة الإسمنتية عن كثب: هذا التمثال لا يمكن إصلاحه، فالرأس كبير إلى درجة مرعبة والجسد يبدو قزما، والذراع طويلة والأصابع مربعة، ولا بدّ من هدم التمثال وإقامة تمثال آخر بدلا عنه. ولكن الفكرة تجد اعتراضا من المسؤولين الذين يصرّون على إصلاح التمثال، فيعثر على مخرج مناسب يتمثل بوضع دراسات الإصلاح، تاركا أمر التنفيذ لمن صمم التمثال الأصلي، وفي هذا الوقت يموت شقيقه المقعد، الوحيد الذي يربطه بالمكان، فيتحرر من قيود الضرورة.

لا شك في أن قصة التمثال المشوّه وإصلاحه تحمل في طياتها بعدا رمزيا عميقا عن طبيعة النظام العصي على الإصلاح، فما حصل في العام 2011 وما بعده تأسس في تلك الفترة من ثمانينات القرن العشرين.

ورغم أن عاصم الباشا يتكئ على سيرته الذاتية في بناء عالم روايته، إلا أن هذه السيرة تغيب وراء تعمّد تشويه الأسماء واستبدالها، وربما السخرية منها، وليس الهدف كما يبدو الأمر للوهلة الأولى تقنية روائية معروفة، ولكنه دأب من جانب الكاتب على محو آثار سيرته الذاتية، فما يجري حقيقي وواقعي، ولكنه غير مرتبط بوقائع وأسماء محددة، قد يحدث في أيّ مكان ومع أيّ شخص في سوريا الثمانينات.

تفيض لغة الرواية عن الحدث الروائي، فعاصم الباشا بما يمتلكه من مخزون لغوي كبير، يحاول أن يطرز لوحة الخراب التي ينسجها، بلغة عالية أقرب إلى الشاعرية في بناء جملها السريعة، ومع ذلك لا يغيب التصوير عن هذا النص، فالكثير من الفصول كتبت كمشاهد لا كحوارات.

“غبار اليوم التالي” شهادة حية مؤلمة من عمر بلد وصل الخراب فيه إلى منتهاه، وهذه الرواية مع أعمال أخرى يمكن أن تمثل البعد الثالث للوحة التي نرى اشتعالها اليوم على شاشات التلفزيون.

كاتب من سوريا

14