عاطلون عن الحياة

السبت 2015/09/26

ما الذي سيطرأ على صحتك النفسية والجسدية إذا لم تحصل على إجازة؟ كان هذا هو السؤال الذي طرحه أحد الباحثين الأميركيين على زملائه، بعد أن كشفت نتائج دراسة حديثة عن أن أكثر من 56 بالمئة من الأميركيين لم يتمتعوا بإجازاتهم السنوية العام الماضي!

في مجال الصحة النفسية تعامل “الفواصل” بين أشواط الركض لتحصيل لقمة العيش، باعتبارها أكثر أهمية من العمل ذاته وقد يخسر المرء عمله ومعه صحته الجسدية والنفسية بسبب عدم وجود هذه الفواصل. ومن ضمن العلامات السلوكية الدالة على ذلك، تدهور العلاقة مع الزملاء في العمل والميل إلى ارتكاب أخطاء فادحة مع تدني منسوب السعادة وارتفاع مؤشر الاكتئاب، خاصة عندما يتجاوز عدد ساعات العمل 11 ساعة يوميا، أما الأعراض المزمنة للحرمان من الإجازة، فتتمثل في ارتفاع معدل الإجهاد وضغط الدم مع اضطرابات في النوم، وطبعا ارتفاع ضغط الدم سيؤدي في يوم ما إلى الإصابة بالسكتات القلبية والدماغية، واضطرابات النوم سيضعف جهاز المناعة، أما الإجهاد والضغط النفسي فقائمة “عطاياهما” لا تعد ولا تحصى وأهمها ذلك المذاق المر للصباحات القاتمة، والإحساس المبهم بثقل الصخرة العنيدة التي تجثم على الروح في كل الأوقات وترفض أن تغادرها.

لم يتحاش البحث، كشأن الأبحاث الإنسانية، الحديث عن العمل المرهق الذي تقوم به ربة المنزل والأم، حيث وضعها على رأس القائمة المستحقة لوقفة حرّة لالتقاط الأنفاس؛ فالقيام بالأعمال المنزلية لأكثر من 11 ساعة يوميا على مدى سبعة أيام في الأسبوع، يجعلها في مصاف الأعمال الشاقّة التي لا يضاهيها سوى تكسير الصخور العنيدة من قبل مساجين الأشغال الشاقة المؤبدة.

لهذا، قد يبدو سؤال الباحث الأميركي مشروعا، لكن أسئلة أكبر حجما وأكثر شرعية ستأخذ مكانه حتما، فتظهر على شكل صدمة في متن البحث العلمي وأهمها؛ ماذا لو لم يتوفر هذا العمل الذي يستحق على حامله القيام بإجازة هدنة؟

العاطلون عن العمل والحياة كُثر، وفي العالم العربي، مثلا، بلغت نسبة البطالة أرقاما هائلة ومخيفة لتدخل ميدان المنافسة العالمية فتفوز بمعظم المراكز الأولى. هناك عاطل عن العمل من بين كل أربعة شباب عرب، وهناك حاجة إلى توفير ملايين الوظائف في المنطقة العربية بحلول نهاية هذا العقد، مع معوقات لا حصر لها في سوق العمل وبرامج تنمية شبه معطلة أو مغيبة، وسط حمى الفوضى والحروب والانهيارات السياسية التي ما زالت تعصف بشتى مجالات الحياة أو شتى وجهات الموت الذي مازال يرتدي قفازات الحياة.

يستطيع الباحثون العرب أن يتوصلوا إلى نتائج مبهرة في هذا المجال، بالاشتراك مع نتائج الأبحاث الأميركية مع تغيير بسيط في التفاصيل، فالعاطلون عن العمل لا يحتاجون إلى إجازة، إذ تعد أيامهم إجازة مفتوحة لكنها غير مدفوعة الثمن، فضلا عن ذلك، فهم يعانون من سوء العلاقة مع الجميع ويرتكبون الأخطاء في كل وقت، حتى أن وجودهم يعد خطأ فادحا من وجهة نظرهم.

أما الأمراض فتأتي إلى عتبات قلوبهم وشرايينهم على قوارب نجاة عجلى؛ لتتسلمهم الأمراض النفسية على الضفة الأخرى طارقة أبواب أرواحهم في كل لحظة، فتصلبهم على جدران اليوم مثل ساعات عاطلة عن الأرقام، تدور حول نفسها في اليوم ألف دورة ودورة.

لكن المقارنة في النتائج ستصب في صالح الفريق العاطل، لأنه سيخرج متفوقا بفارق عارض نفسي واحد سيعلق بروحه وجسده مثل خيوط عنكبوت واهية وغير مرئية، لكنها محكمة، إنه اليأس.

21