عالقون في شرك الشكليات

المشكلة الأسوأ تكمن في أحكام المجتمع القاسية على الأفراد الذين لا يتمتعون بشكل جذاب، وكيف يمكن لهذه الأحكام المتعلقة بالشكل الخارجي أن تزيد في تغذية مشاعر كراهية الذات.
الجمعة 2019/12/13
المظهر يمثل امتدادا لذواتنا ومنه نستمد ثقتنا بأنفسنا

تقول الكاتبة الأميركية دوروثي باركر “الجمال ليس إلا قشرة خارجية رقيقة، أما القبح فهو متغلغل في المرء حتى العظام”.

ربما يوحي هذا القول -بشكل مقصود أو غير مقصود- إلى قيمة الجمال الداخلي، التي تكاد تفتقد معناها في مجتمعات اليوم، لكنه يحيلنا في الوقت نفسه إلى فقاعة المظهر الخارجي، التي أصبحت تطفو على قمة الصفات الإيجابية، وتستأثر بوقت ومال الناس واهتماماتهم أكثر من الصفات الأخلاقية.

تعلق الباحثة الأميركية ليزا سلاتري ووكر المختصة في علم النفس الاجتماعي عن الجمال الخارجي بقولها إنه “واحدة من الصفات العديدة التي تحدد مكانة ومنزلة من نتعامل معهم، ويمكن تميزها والتعرف عليها في وقت مبكر للغاية من خلال تعاملاتنا مع غيرنا”.

وهي محقة في ذلك، فاهتمام المرء بشكله ليس بالأمر السيء، على العكس، فالمظهر يمثل امتدادا لذواتنا ومنه نستمد ثقتنا بأنفسنا ونؤكد على هويتنا في المجتمع، وهو أيضا المرآة التي يكون من خلالها الآخرون صورة عامة عن شخصيتنا وذوقنا ونظافتنا وحالتنا النفسية.

فكلما اعتنى الإنسان بنفسه وظهر في شكل أنيق، تهافتت عليه عبارات الثناء والإعجاب، وهذا يخلق لديه مساحة هامة للنجاح في العمل والحياة، ويساعده على تحقيق التناغم مع الوسط المحيط به، ولعل ذلك ما يجعل معظمنا يكرس الوقت والمال، لمسايرة نسق الموضة المتعلقة بالمظهر.

يقول الباحث كريستوفر أوليفولا من جامعة كارنيغي ميلون الأميركية “على الرغم من أننا نحب الاعتقاد بأننا نتخذ قراراتنا بطريقة عقلانية، إلا أننا غالبا ما نميل إلى قرار معين بسبب تأثير بعض الإشارات والأمارات السطحية”.

لكن الأكثر إزعاجا في هذا الشأن، هو الصخب والمغالاة أحيانا داخل الأسر والمدارس ووسائل الإعلام والشارع بالمظاهر الخارجية، الأمر الذي ساهم في خلق أجواء من القلق والتوتر في صفوف المراهقين، وحتى الأطفال الصغار أصبحوا مفتونين بالمظاهر الخارجية، كما هو حالنا، بل لعلّنا بالفعل قد شكلنا لهم رؤيتهم الخاصة لأنفسهم، وحرمناهم من التصرف على سجيتهم، والشعور بالقيمة الحقيقية لأنفسهم.

من بين القضايا الجادة التي تفرض نفسها اليوم، هي تأثير الأسرة على رؤية الأطفال لأجسادهم، وخصوصا في مجتمعات اليوم، التي تقدس جمال الشكل والمظهر، وتهمل جمال الجوهر.

معظم الآباء يطلقون تعليقات أكثر قسوة في الحكم على مظهرهم، وحتى على هيئة أطفالهم وشكلهم، وهم لا يدركون أن تلك التعبيرات والنعوت السلبية، قد تنقص من إحساس أبنائهم بقيمتهم الذاتية وتفقدهم الثقة في النفس.

من أشد الأمور حزنا، أن الأبحاث تجمع على أن الأطفال أصبحوا ينظرون إلى أنفسهم وأجسادهم بإحباط، وتنتشر هذه المشاعر السلبية في مختلف المجتمعات والثقافات، وربما ستنتقل كالعدوى من جيل إلى آخر، إذا لم تتم مقاومة هذا الهوس المرضي بمسألة الجاذبية الشكلية، التي تشوه رؤية الأطفال لأنفسهم وتحد من تفاعلاتهم مع الآخرين.

تحدثت ابنة إحدى قريباتي التي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها بعفوية أمامي عن حديث المرايا الذي تردده والدتها يوميا “كم أنا بدينة ويجب ان أتبع حمية لأقلل من وزني” وحاولت تقليدها في كيفية وصف نفسها بـ”القبيحة” و”المثيرة للاشمئزاز” على الرغم من أنها في واقع الأمر ليست كذلك.

ستكبر هذه الفتاة ذات يوم، وستبقى تلك الرسالة التي ترسخت في ذهنها عن الطريقة التي تنظر بها والدتها إلى جسدها مؤثرة فيها، وليس من المستبعد أن تساهم في تشكيل شخصيتها ونظرتها إلى جسدها.

والمشكلة الأسوأ تكمن في أحكام المجتمع القاسية على الأفراد الذين لا يتمتعون بشكل جذاب، وكيف يمكن لهذه الأحكام المتعلقة بالشكل الخارجي أن تزيد في تغذية مشاعر كراهية الذات، ومن المرجح أن تصبح سببا رئيسيا في إصابة الكثيرين بالعديد من المشاكل النفسية.

وأكدت التقديرات التي نشرت مؤخرا على أن “اضطراب تشوه الجسم”، أو ما يعرف اختصارا بـ”بي.دي.دي”، يصيب نحو اثنين في المئة من الأشخاص، ويجعل الشخص يفكر في أنه يبدو قبيحا، ويقارن مظهره بالآخرين، ويشعر بالقلق حيال منطقة معينة من الجسم، وعادة ما يكون الوجه.

ولا شك أن العلاج النفسي لهذه الاضطرابات يصنع فرقا، لكن الحل الأنجع يكمن في تعليم الأجيال كيف يتقبلون صورة أجسامهم ويتأقلمون معها، وتدريبهم منذ الصغر على عدم الحكم على الناس بناء على المظهر الخارجي.

تبدو إعادة النظر في منظومة القيم التي تحدد ما هو جميل من عدمه شائكة وصعبة، ولكنها مع ذلك ليست بالمستحيلة، والأمر برمته قد لا يتجاوز أحيانا، مجرد تغيير بسيط في الرأي أو في الطريقة، التي ننظر بها إلى أنفسنا أو إلى غيرنا. فلدينا ولديهم الكثير والكثير من الأشياء العظيمة، التي قد لا نلاحظها أو لا نقدرها حق قدرها.

21