عالمنا يتحول إلى لوحة من الجمال المفقود

العزلة المفروضة تشكل فرصة ليكتسب الكوكب مناعة ضد التغيرات المناخية المتواصلة.
الخميس 2020/04/30
صدمة كورونا ستغير أنماط الحياة حول العالم

لا شك في أن العالم يعيش أياما كئيبة تتناقض مع ألوان الربيع التي بدأت تكتسيها الحدائق، بسبب حالة العزلة التامة التي فرضها انتشار فايروس كوفيد- 19، لكن لهذه الأيام قد تنتهي إلى صورة زاهية كألوان هذا الربيع وقد استعاد العالم بعضا من جماله الذي فقده.

واشنطن -  في أحد الأيام، ذهبت إلى منتزه محلي أين رأيت طائر الكاردينال الأحمر الجميل. كان “أول” طائر شاهدته قبل 63 عاما. كان عمري 12 سنة عندما لمحته لأول مرة بعد أن ترعرعت في نيويورك التي تعدّ مدينة الحمام التي لا تحترم مفهوم “الإبعاد الاجتماعي” المنتشر اليوم.

أتذكر ذلك الطائر الأحمر اللامع. كنت أزور صديقي في كونيتيكت في سنة 1956، وكان والداه يمتلكان كتابا يفصّل أنواع الطيور. عندما كنت أتصفحه، صادفت الطائر الذي رأيته، وقرأت عنه. وعند عودتي إلى المنزل، كتبت نصا صغيرا حول تجربتي لمعلمتي في الصف السادس، السيدة كيسي التي لم أنسها، كما لم أنس ذلك الطائر. احتفظت بالنص وسط أوراق قديمة في مكان ما فوق خزانتي الموجودة في غرفة نومي.

بعد ستة عقود، وفي هذه الأيام الكئيبة من ربيع 2020، ومع إغلاق مدينتي وبقائي في العزلة الذاتية، أشعر وكأن علي أن أعتذر لعالمنا الأشبه بالجحيم ولبلدنا الذي يقوده رئيس لا يتمتع بالكفاءة الكافية والذي يواجه قادة يفكرون بطرق كارثية مثله.

عندما حوّل دونالد ترامب رأيه في ما يتعلق بالوباء (بعد فترة قضاها في إنكار خطورته)، بدأ الاقتصاد الذي كان يتفاخر به خلال سنوات حكمه الثلاث في الانهيار. لم يكن قلقا على مصير شعبه ولا حتى مؤيديه، بل كان يخشى تدهور اقتصاد المناطق التي كانت تعتمد على صناعة الوقود الأحفوري في الولايات المتحدة.

ومع انخفاض الاعتماد على وسائل النقل وسط حالة الذعر العالمية الناتجة عن تفشي الفايروس، ومع اندلاع حرب أسعار بين السعوديين والروس، كانت هذه الشركات تتلقى الضربات الأقوى. فحوّل الرئيس انتباهه إليها.

أصبحنا في عالم من المدارس المغلقة والشعوب المعزولة، والمرضى والمحتضرين، وعلى كوكب يبدو وكأنه يتفتت،

وأعلنت وزارة الطاقة الأميركية أنها ستشتري ما يصل إلى 30 مليون برميل من النفط الخام لاحتياطي البترول الاستراتيجي بنهاية يونيو، تلبية لأوامر الرئيس الذي شدد على أهمية ملء مخزون الطوارئ لمساعدة منتجي الخام المحليين.

وتتوجب الخطوة تخصيص موارد مالية لم تعد متاحة للمواطنين المهددين بتداعيات الفايروس على وضعيتهم الصحية والمالية. وتوضّح لنا هذه الأزمة الصحية أولويات رئيس الولايات المتحدة كنموذج لصنّاع القرار اليوم.

لماذا بدأت حديثي عن هذه الأزمة بتجربتي الشخصية مع طائر الكاردينال؟ هذا ما أريد أن أركز عليه في عالم سيصبح أكثر عرضة للأوبئة مع تغيراته المناخية المتواصلة. وتبقى الأوبئة جزءا من النتائج التي تشمل الحرائق والفيضانات والعواصف.

أصبحنا في عالم من المدارس المغلقة والشعوب المعزولة، والمرضى والمحتضرين، وعلى كوكب يبدو وكأنه يتفتت، وفي بلد لم يتمكن من إجراء تحليل لنفس عدد الأشخاص الذين تعاملت معهم كوريا الجنوبية في يوم واحد في غضون شهرين رغم أنه يعتبر نفسه قوة رائدة على المستوى العالمي.

مع ذلك، أعتقد أن هناك علاقة غير واضحة بين عالمنا المضطرب وبين ذلك الطائر الذي رأيته منذ فترة طويلة. اسمحوا لي بأن أبدأ بهذه القصة: صدقوا أو لا تصدقوا، كانت الطيور أكبر سر أخفيته في سنوات مراهقتي.

حكاية غريبة

الأزمة الراهنة توضّح لنا أولويات ترامب كنموذج لصنّاع القرار في العالم اليوم
الأزمة الراهنة توضّح لنا أولويات ترامب كنموذج لصنّاع القرار في العالم اليوم

في عطلة الربيع، كنت أتوجه أنا وصديقي إلى سنترال بارك بانتظام، تلك الرقعة الخضراء الرائعة في وسط جزيرة مانهاتن. كانت تلك فترة هجرة الطيور السنوية، وكان المنتزه واحدا من الأماكن القليلة التي تتكدس فيها الطيور في المدينة الواسعة. بالاعتماد على منظار عمه القديم، كنا نتجول هناك لمراقبة الطيور، دون أن نخبر أحدا بهوايتنا السرية.

كنا نبحث عن الطيور الغريبة التي لم نألفها، حيث تمر عبر مدينتها في رحلاتها إلى الدفء. بالطبع، كانت كلها غريبة بالنسبة إلينا. كنا نرى طائر التناجر القرمزي بأجنحته السوداء اللامعة وغيره من الطيور التي لم أكن أعرف أنني لن أراها مرة أخرى لعقود.

وكنا نشاهد كبار السن الذين يأتون لممارسة نفس أنشطتنا. كانوا يجلسون على المقاعد ليراقبوا تلك الطيور. وكانوا يتمتعون بالصبر. كانوا مذهولين من انجذاب صبيين مراهقين كانا يتوقان إلى مشاهدتهم والتعلم منهم. كانوا كرماء وشاركونا مناظيرهم، وساعدونا في التعرف على الطيور التي لم نكن لنعرفها أو حتى نلاحظها. ولم يبخلوا علينا بمشاركة سنوات خبراتهم الثرية معنا.

وبالنسبة إليّ، كانت تلك الطيور عجيبة بالفعل. كانت تجسيدا لجمال حقيقي يتمتع به هذا الكوكب. وبطريقة غريبة، أدركت أنا وصديقي ذلك. ومع تقدمنا في السن، حاولنا أن نلتقي مرات أخرى في تلك الحديقة في مطلع شهر مايو لإلقاء نظرة أخرى على هذا الجمال المجنح.

وقد نكسر هذه التقاليد في 2020 بسبب الأزمة الصحية التي حبستنا في بيوتنا.بالطبع، في خمسينات القرن العشرين كان هذا سرنا لأسباب كانت أكثر وضوحا في ذلك الوقت. إذا كنت فتى واعترفت بأنك تريد النظر إلى الطيور، فلن تواجه ترحيب أترابك من الذكور. كل ما عليك فعله لاستحضار المزاج الذي كان طاغيا في تلك الفترة هو تخيل رد فعل رئيسنا في مواجهة هذه القصة. سيسخر مني الفتيان الذين ينظرون إلى الطيور بالتأكيد!

الآن، وبعد عقود عديدة، وفي أميركا مختلفة، وصل الفايروس المستجد بالفعل إلى مستويات وبائية (يحتمل أن تخلف خسائر بشرية فادحة وخاصة في صفوف كبار السن مثلي).

 تراجعت الأسهم وأصبح الركود يلوح في الأفق، وأصبح الاكتئاب منتشرا. وقد ننتخب روزفلتنا المستقبلي (الرئيس الذي ساعدنا في الخروج من الكساد الكبير الأخير في ثلاثينات القرن المنقضي) ليترأسنا نائب الرئيس السابق البالغ من العمر 77 عاما.

قد تبدو كتابتي عن الطيور الجميلة من زمن آخر خيارا غريبا. ولكنها تخدم هدفي.

النهاية

أريد أن أترك لأحفادي متعة الدخول إلى سنترال بارك في شهر مايو لمشاهدة الطيور الجميلة التي كنت أراقبها مع صديقي بعد فترة طويلة من رحيلي.
أريد أن أترك لأحفادي متعة الدخول إلى سنترال بارك في شهر مايو لمشاهدة الطيور الجميلة التي كنت أراقبها مع صديقي بعد فترة طويلة من رحيلي.

فكر في الأمر بهذه الطريقة: مع انتهاء السنة الماضية، ذكرت مجلة العلوم “ساينس ماغازين” أنه في أميركا الشمالية، أصبح عدد الطيور أقل بثلاثة مليارات مما كانت عليه في سنة 1970. وبعبارة أخرى، اختفى الآن واحد من كل ثلاثة طيور في هذه القارة. وكما قال كارل زيمر في صحيفة نيويورك تايمز: “السماء تفرغ”.

من بين أنواع الطيور الأكثر شهرة، تلقّى عصفور الهازجة المغرد (طائر الغابة المغرد) واحدة من أثقل الضربات حيث قل انتشاره بنحو 617 مليونا. ويرجع هذا النقص إلى العديد من الأسباب، بما في ذلك قطع الأشجار والمبيدات الحشرية وحتى القطط الوحشية.

لكن، يبقى تغير المناخ العامل الأهم بلا شك. على سبيل المثال، يقترح مؤلفو أحدث تقرير وطني لجمعية أودوبون الوطنية الأميركية غير الربحية التي يركّز نشاطها على المجال البيئي أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، سيشهد العالم ارتفاعا في الحرارة بمقدار 3 درجات مئوية (5.4 درجة فهرنهايت) بحلول سنة 2100. وستصبح أكثر من ثلثي أنواع الطيور في أميركا مهددة بالانقراض.

ويمتد هذا الخطر على نطاق عالمي يتجاوز أميركا الشمالية، ولن تقتصر هذه النتائج الكارثية والمروعة على محو الطيور في كوكبنا. فعلى سبيل المثال، تعاني الحشرات من مخاطر تهدد وجودها بالفعل. وانخفضت أعداد الفراشات الملكية بنسبة 90 في المئة في الولايات المتحدة خلال السنوات العشرين الأخيرة. نميل إلى التفكير في هذه الحشرات الملوّنة على أنها مثال للجمال الطبيعي، ولكنها أهم من ذلك؛ فهي تساهم في نقل غبار الطلع وتعدّ عنصرا أساسيا في عدد من السلاسل الغذائية.

يوم 8 مارس، وصلت حرارة مدينة نيويورك إلى 68 درجة فهرنهايت (20 درجة مئوية) ولم يقلق ذلك الأمر سكان المنطقة. ففي 19 فبراير،  بلغت درجة الحرارة في سنترال بارك رقما قياسيا قُدّر بـ78 درجة فهرنهايت (25 درجة مئوية) في فصل الشتاء.

 في ذلك الوقت، كنا نمر بـ”شتاء” لم نشهد فيه تساقط ثلوج. ولم يفاجأ أحد بهذا المشهد المناخي، حيث كان شهر يناير 2020 الأكثر حرارة على الإطلاق. وجاء بعد خمس سنوات كانت الأحر في تاريخنا المسجّل على هذا الكوكب. وقد تتحول 2020 إلى السنة الأكثر حرارة إذا استمرت هذه الموجة دون أن نتخذ إجراءات فعالة تحدّ منها.

وبالمناسبة، وبعد أن سجلنا 68 درجة في فترة وجيزة، بدأت ألاحظ بزوغ الزعفران والنرجس من التربة، وأزهرت بعض النباتات. كان المشهد جميلا. لكن، لا يجب أن ننسى ثمن هذا الجمال الذي تكبّده كوكبنا الذي قد تصل حرارته إلى نسب وبائية.

يروي ما لا يزال جميلا في عالمنا هذا قصة أكثر قتامة. لذلك، فكر في هذا النص كمحاولة لإحياء ذكرى الكوكب الذي نشأت عليه والطيور التي اعتقدت أنني أعرفها. اعتبره نوعا من الرثاء المسبق لعالم لن نستطيع أن نتعرف عليه عندما نخرج من عزلتنا هذه، إذا واصل أشخاص مثل دونالد ترامب اتخاذ القرارات الأهم فيه.

في هذه الأثناء، اعتبرني في حداد وأنا شبه منعزل في شقتي. أبلغ من العمر 76 عاما تقريبا، وأصبحت سنواتي على هذا الكوكب محدودة. ولكن، بالنسبة إلى أولئك الذين سأتركهم ورائي، من أطفالي إلى أحفادي، لم يكن هذا العالم الذي أردت أن يرثوه من جيلي.

في الحقيقة، وفي هذه اللحظة، يتحول عالمنا أمام أعيننا إلى لوحة من الجمال المفقود. مع تذكري لسنوات مراهقتي، أريد أن أترك لأحفادي متعة الدخول إلى سنترال بارك في شهر مايو لمشاهدة الطيور الجميلة التي كنت أراقبها مع صديقي بعد فترة طويلة من رحيلي.

يبقى هذا أملي، على الرغم من كل شيء.

7