عالم الإنتلجينسيا العراقية المشوهة في روايات علي بدر

تثير العلاقة في ما بين التاريخي والروائي أسئلة إشكالية مفتوحة، إذ تضع التاريخ عند العديد من الشُبهات، مثلما تضع الروائي عند مهيمنات غير مأمونة من التخيّل، وحين تعالجُ هذه العلاقة موضوعاتٍ غامضةً وملتبسةً في حياتنا، وتصطنع لها وقائع مُتخيلة وأقنعة، نجد أنفسنا أمام معطيات من الصعب الاطمئنان لها، والوثوق بمرجعياتها، لكنَّ ذلك في المقابل يتحوّل إلى حافز لوظائفية ذلك المتخيل، بوصفه مجالا تعبيريا يستغرق ما هو وجودي أو غائر في شبكة علاقاته النصية، حيث ينزوي التاريخ بمسكوتاته ورواته ومُخبريه والناظرين فيه أمام فاعلية السرد وشراهته.
الخميس 2016/12/01
ضبابية صورة المثقف العراقي (لوحة للفنان نذير إسماعيل)

يضعنا كتاب الباحث محمد فاضل المشلب الموسوم بـ”الإنتلجينسيا العراقية في عالم علي بدر الروائي – دراسة في الرؤى والتمثلات” أمام قراءة مكشوفة لمقاربات علي بدر وأطروحاته حول “سردنة التاريخ” والطبائع السرية لمقموعيه، ولأنساقه المُضمرة عبر عوالم شخصياته الثقافية والمشوهة والمثيرة للجدل، وعبر رؤيته للتاريخ العراقي بوصفه أحداثا ووثائق وصراعات وتمثلات.

الصراع والاغتراب

يختار الروائي العراقي علي بدر مقاربة موضوعة الإنتلجينسيا في التاريخ العراقي المعاصر بوصفها مادة حيوية للسرد، فقد انحنى عبر معالجاته الروائية على موضوعات تخص الأنثربولوجيا العراقية وتحولاتها وسرائر صراعاتها في العقود الأخيرة من القرن الماضي، إذ باتت موضوعات الهوية والذات والجنوسة والحرية والسلطة أحيازا تتسع لقراءاته الثقافية والحفرية، ولا سيما عالم الطبقة الوسطى العراقية الحاضنة للجماعات الثقافية، بوصفها الطبقة الأكثر تمثلا للتحول، والصراع والاغتراب.

يضعنا الكاتب في عمله الصادر عن دار الرافدين في بيروت ودار “وراقون” بالبصرة سنة 2016، أمام عتبة تمهيدية لتوصيف الإنتلجينسيا من خلال التعريف بظاهرة المثقف تاريخيا، وعبر تحديد التسمية والمفهوم، إذ تحولت حادثة النقيب الفريد درايفوس إلى قضية رأي عام هزت المجتمع الفرنسي، وكان من أبرز المدافعين عنه الروائي أميل زولا، فضلا عن اهتمام عدد من رجالات الدين والثقافة العرب مثل رشيد رضا وعبدالرحمن الكواكبي، إضافة إلى تعالق هذه التمسية بظاهرة المثقف العضوي عند الإيطالي غرامشي.

ويحاول المشلب أن يستقرئ صورة المثقف الإنتلجينسيوي عبر أطروحات هشام شرابي، وأدوارد سعيد وهادي العلوي وعبدالله إبراهيم، فضلا عن انحنائه على مقاربة الإنتلجينسيا في العديد من القصص والروايات العراقية، والتي حاولت أن تضع المثقف في سياق اجتماعي وثقافي وسياسي مضطرب ومشوّه، وإزاء العديد من التحولات والصراعات التي يجد المثقف خلالها نفسه في أتون أسئلتها ومعطياتها أو عند هامشها، كما في قصص عبدالملك نوري وفؤاد التكرلي، أو عند رواية محمود أحمد السيد “جلال خالد”، وعند روايات غائب طعمة فرمان وغانم الدباغ.

صور المثقف

احتوى الكتاب على ثلاثة فصول تمحورت حول نظرة الكاتب لمقاربات علي بدر السردية وقراءاته لعلاقات المثقف العراقي بالهوية والجماعة والتاريخ، وعبر أنموذج الشخصيات التي يختارها.

الفصل الأول يحمل عنوان “الإنتلجينسيا والآخر” وعبر ثلاثة مباحث هي “المثقف والسلطة”، و”المثقف والمرأة”، و”المثقف والتراث”، يضعنا الكاتب من خلال رواية “الوليمة العارية” أمام لعبة الروائي علي بدر وهو يحدد ملامح هوية بطله الثقافي في شخصية منيب أفندي، الباحث عن أسلوب حياة مختلف، وذي طابع أوروبي مشوّه، مثلما يضعنا أمام الشخصية الضدّ، حيث أنموذج رجل الدين في شخصية الشيخ أمين، والذي يحاول عبره استعارة صورة الشخصية المشوهة في وعيها، والرافضة لقيم ومظاهر الحداثة.

التراث عند المثقف لم يمثل قيمة إنسانية وثقافية أصيلة

ورغم أنّ هناك العديد من الروايات التي كتبها بدر، والتي يمكن من خلالها استقراء علاقات المثقف بالنسق السياسي، إلّا أنّ اختيار الكاتب لرواية “الجريمة، الفن، وقاموس بغداد” يثير تساؤلا حول مرجعيات هذا الاختيار لرواية يشتبك فيها التاريخ السري لبغداد مع استبداد السلطة ومع أحداث تمسّ العالم العميق لبغداد التاريخية.

وفي المبحث الثاني “المثقف والمرأة” يحاول الكاتب مقاربة موضوعة تعدّ هي الأخطر في روايات بدر، إذ أنّ المرأة المتخيلة في هذه الروايات هي امرأة مشوهة، فهي أنموذج للمرأة العاهرة والعشيقة والضحية والخائنة، وأنّ المثقف يمارس وعي بطولته المخذولة والمشوهة عبر غمار اللذة والخداع، والإيهام بالفحولة التعويضية، وهو ما تبدّى واضحا في “بابا سارتر” و”الركض وراء الذئاب”.

وفي مبحث “المثقف والتراث” نجد أكثر اهتمامات الروائي علي بدر حضورا، أنه مشغول بالتاريخ السري العراقي، وبفكرة الوثائق والمخطوطات التي تدوّن هذا التاريخ، ولعل ماورد في موضوعة الوثيقة في رواية “بابا سارتر” هو إبراز للحمولة الرمزية لوظيفة المثقف الشائهة والمشوهة في هذه الوثيقة، فضلا عن أنّ انشغاله بتاريخ الصراع السياسي ينطلق من هيمنة وهم صدمة الحداثة التي عاشتها الإنتلجينسيا العراقية، والطبقة الوسطى عبر التاريخ/ مرحلة الاستبداد التركي والاحتلال الإنكليزي.

وينحني الفصل الثاني “أنماط الإنتلجينسيا” على موضوعة توصيف المثقف العراقي، عبر تمثلاته لرؤى ووظائف تختلط فيها الكثير من الأقنعة التاريخية والثقافية، حتى تبدو الرواية التي يكتبها بدر وكأنها تبدّيات سردية لهذه الأقنعة، إذ هو يستقرئ عبرها تاريخ الأمكنة والشخصيات والأحداث، مثلما يستنكر عبرها التوصيف الأخلاقي للشخصيات، نابذا الأيديولوجيا والنزعة الحكواتية، ليقترح مستويات أكثر فاعلية للقراءة، ولمفهوم التخييل الروائي، وضمن سياق فضح العلاقات الثقافية والسوسيولوجية التي تعيشها، وعبر ما تتعالق به من تشوهات لها علاقة بـ”الفظائع الكبرى التي عاشها بدءا من فظائع السلطة وانتهاء بفظائع المجتمع”.

انحنت مباحث هذا الفصل على مقاربات لصور”المثقف المسيطر، المثقف الاغترابي، المثقف المهزوم، الإنتلجينسيا العراقية في علاقة واضحة بالتاريخ والسلطة والأيديولوجيا، حيث أبطاله غارقون في الأزمة. وفي الفصل الثالث يواصل المشلب مقاربته النقدية للشخصيات الروائية التي حفلت بها روايات علي بدر، إذ يقترح منظورا سيميائيا لمعالجة طبائع هذه الشخصيات وتمثلاتها لأقنعة التاريخ وتشوهاتها وأسرارها، من خلال ثلاثة مباحث “الشخصية المرجعية”، و”الشخصية الإشارية”، و”الشخصية الاستذكارية”.

14