عالم الطفل الانطوائي.. عميق ومتخيل، لا يستطيع التخلص منه

أهم ما يميز الأطفال الانطوائيين، أنهم يتخذون قراراتهم بناء على معاييرهم وقيمهم الخاصة دون أن يتبعوا الحشود.
الأربعاء 2019/04/24
عشق للوحدة حتى في اللعب

الانطوائية، مجرد سمة خاصة من سمات الشخصية، هي ليست مرضا أو اضطرابا نفسيا بالتأكيد فلا يوجد شيء خاطئ كون المرء انطوائيا، لكن ستكون له أوقاته العصيبة أيضا التي سيقضيها بصحبة الأهل والأصدقاء وبقية الأشخاص ضمن محيطه الاجتماعي الضيق. هذا الأمر، من شأنه أن يستنزف مشاعره وطاقته.. حيث تبدو صحبة الناس بالنسبة إليه مضيعة للوقت وتعطيلا لخططه (الداخلية)، بكل ما من شأنه أن يؤطر به عالمه الخاص من أفكار وأحلام وحتى معارك وهمية يخطط لها بنفسه، يخوضها ضد نفسه وهو مرتاح البال وكأنه يقضي نزهة على شاطئ البحر.

العالم الخارجي، بكل زحامه وضجيجه، يمثل كابوسا حقيقيا لصاحب الشخصية الانطوائية. فإذا علمنا بأن نسبة كبيرة من الناس يحملون هذه الصفة، تقدرها بعض الدراسات في الغرب بأنها ربما تصل إلى 30 بالمئة من حجم السكان، فسندرك بالتأكيد أننا ربما نكون ضمن هذه المجموعة من دون أن نعي ذلك. نورث هذه الصفات لأبنائنا، أم يولدون وهم يحملونها سلفا.. هذا أمر مازال قيد البحث؛ فالانطواء والانبساط هما سمتان فطريتان على الأغلب وتبقى الانطوائية بصورة خاصة ملازمة للفرد طوال مراحل حياته، فلا يستطيع الفكاك منها أو لا يريد ذلك باختياره.

ولا يحبذ متخصصون في علم النفس إهمال الطفل الانطوائي على الرغم من أنها سمة لن تعيقه عن إيجاد طريقه في الحياة واكتساب مهارات جديدة وتطوير ذاته وشخصيته.

ووفقا لعلماء النفس، فإن الطفل يبدأ في إظهار علامات الانطواء في عمر أربعة أشهر تقريبا وإذا كانت علامات الانطواء في الأشخاص البالغين تختلف من شخص لآخر، فإن هناك بعض المشتركات بين الأطفال الانطوائيين إلى حد ما.

وترى الأميركية جين جرانيمان؛ مؤلفة كتاب (العالم السري للانطوائيين)، أن هناك على الأغلب علامات محددة تؤكد أن طفلا بذاته يحمل سمات الشخصية الانطوائية وأبرزها على الإطلاق؛ أن هؤلاء الصغار يعيشون أغلب الوقت في عالمهم الداخلي، وهو عالم حيّ مليء بالأفكار والمشاعر المعقدة.. عالم متخيل، تنتفي معه الحاجة للآخرين أو الأصدقاء إلا في حدود ضيقة؛ فالطفل الانطوائي يفضل اللعب بمفرده وربما يغلق على نفسه باب غرفته لساعات، فينهمك في ألعابه الخاصة، يكتب، يرسم، يستخدم ألعاب الكمبيوتر وغيرها من النشاطات التي لا تتطلب بالضرورة مشاركة الآخرين.

لسوء الحظ، يمكن أن يكون وجود مثل هذا العالم الداخلي الثري بالنسبة للطفل سيفا ذا حدين؛ لأنه إذا لم يكن يمنحه تذكرة لعالم الإبداع أو التفوق العلمي مثلا فإنه قد يحكم عليه بالعزلة الدائمة، ومن هنا يأتي دور الأهل في مساعدة الطفل لاستغلال هذه السمة الشخصية وتطويعها لتكون مصدر قوة لا مصدر ضعف.

ويتعامل الطفل الانطوائي مع الجوانب الأعمق في الحياة، فهو لا يخشى طرح الأسئلة الكبيرة عن الوجود وعن وجوده الشخصي أيضاً، يهوى التأمل في الأشياء ويبحث دائما عن مصادر السلوك ولعبته المفضلة هي أن يسأل كل من حوله وخاصة الأهل “ماذا لو؟” وهناك دائما علامات استفهام كبيرة في رأسه، وهو قد يطرح أسئلته واستفساراته في سن مبكرة جدا الأمر الذي يثير فضول الآخرين.

أما في أوقات اللعب، فهو يفضل المشاهدة والمراقبة الطويلة أولا، ثم يبدأ تدريجيا بالانضمام إلى حلقة اللعب كأن يكون فريق من الأصدقاء أو زملاء المدرسة، وهذه سمة أخرى تؤكد حذره الشديد من الدخول في مواقف جديدة غير محسوبة النتائج.

وأهم ما يميز الأطفال الانطوائيين عن غيرهم، أنهم يتخذون قراراتهم بناء على معاييرهم وقيمهم الخاصة دون أن يتبعوا الحشود أو يأخذوا برأي الأغلبية، وهذه الميزة إيجابية ولصالحهم تماما لأن هذا يعني أنهم لن يقعوا بسهولة تحت طائلة الضغط من أي نوع ولا يمكنهم بالتالي أن يكونوا ضحايا إرادة الآخرين وتسلطهم عليهم، هؤلاء الصغار يفعلون ما يحبونه وما يناسبهم فقط.

الآخرون يمثلون كابوسا لأصحاب الشخصية الانطوائية
الآخرون يمثلون كابوسا لأصحاب الشخصية الانطوائية 

كما أنهم مستمعون جيدون للآخر، يفكرون قليلا قبل أن يجيبوا على أسئلة الناس، يتحدثون بهدوء واتزان ولا يتعجلون في عقد علاقات جديدة حتى يطمئنوا للشخص المقابل فلا يعبرون عن أفكارهم وتصوراتهم بسهولة فهم يستمعون كثيرا ولا يتحدثون إلا عند اللزوم.

وتؤكد جين جرانيمان أن قيم المجتمعات تغيرت كثيرا، فأصبحت سمات الشخصية الانبساطية هي المفضلة داخل المجموعات البشرية، العلاقات والإنجازات المشتركة والقبول الاجتماعي صارت هي المعايير المعتمدة أكثر من التفكير الهادئ والعزلة واتخاذ القرارات الشخصية بمعزل عن تأثير الحشود.

هذا التغيير أسهم بشكل سلبي في تعقيد مشكلة الأشخاص الانطوائيين ومحاولة دمجهم قسريا بالعالم الخارجي، في الوقت الذي مازالوا يتمسكون فيه بحقهم في خياراتهم الذاتية. في المدرسة، مثلا، يقضي الصغار ما بين 6 إلى 7 ساعات يوميا مع قرابة 30 طفلا آخرين، حيث تطلب منهم طوال الوقت المشاركة في العمل الدراسي ضمن مجموعات وهذا قد يشكل تحديا كبيرا بالنسبة للطفل الانطوائي. هناك من يستطيع التكيف بشكل تدريجي وهناك من يعاني قبل أن يقسر على تفتيت القوانين الخاصة بعالمه الداخلي، وفي كلا الحالتين، يتوجب على الآباء تقديم الدعم النفسي ومساعدة الطفل على تخطي هذه الحواجز المجتمعية واستثمار سمات شخصيته الفريدة بما فيه مصلحته وتفوقه.

في وقت ما، شعرت جرانيمان بأنها مختلفة وغريبة الأطوار بسبب ميلها للعزلة والهدوء وهي صفات شخصية انطوائية، أحبت أن تشارك تجربتها مع أناس قد يخبرون مشاعر متشابهة ويحتاجون إلى دعم نفسي من قبل أشخاص يشاركونهم هذا الاتجاه. ولهذا، مازالت تنشط في الكثير من القنوات الإعلامية لتقديم المشورة والدعم وهي تكتب باستمرار لهذه الفئة المتميزة من المجتمع التي تتشارك معها سمات وأسرار عالمها الداخلي الفريد.

21