عالم المرأة التعيسة في قصص تتأرجح بين الأريج والرماد

الكاتبة المصرية أمل رفعت تصدر مجموعة قصصية بعنوان "أريج الرماد" تحتوي على 24 قصة مختلفة العوالم تُعنى بقضايا المرأة.
الخميس 2018/06/14
عرض لمشاكل المرأة العربية

عمّان - تتخذ المتوالية القصصية منحى سرديا يختلف اختلافا بنيويا عن المجموعة القصصية التقليدية. فهي قصص تكتب أصلا لتكون كتابا، وتنتمي كلها إلى عوالم متقاربة أو متماثلة. ويرى بعض الدارسين أنها نوع سردي له خصائصه وتقنياته. ويُعدّ همنجواي أول من اشتغل على المتوالية القصصية في مجموعته “في زماننا” التي تتكون من 18 قصة قصيرة. وتمثل “حكايات حارتنا” لنجيب محفوظ واحدة من أقدم المتواليات في الأدب القصصي العربي الحديث.

مؤخرا صدرت عن الآن ناشرون وموزّعون في عمّان متوالية قصصية بعنوان “أريج الرماد” للكاتبة المصرية أمل رفعت، تحتوي على 24 قصة مختلفة العوالم تُعنى بقضايا المرأة، وترصد بعض أزماتها الوجودية.

أول ما يجذب النظر في المجموعة عنوانها “أريج الرماد” الذي يجمع نقيضين هما الأريج وهو الرائحة الطيبة، والرماد وهو ما يتبقى من اشتعال النار ولا أريج له.

تلج الكاتبة عالم المرأة التعيس الذي يسري في معظم النصوص، وتعرض المشكلات التي تواجهها في المجتمعات العربية، مثل نظرة الزوج وأهله للمرأة التي لا تنجب الذكر، والتعامل معها معاملة العاقر. كما تتعرّض لمشكلة الطلاق، وتقدّمها بشكل سردي حميم يعبّر عن مأزق المرأة حينما ينسل الرجل من حياتها تاركا لها أطفالا يعانون قسوة العيش كما في قصة “شيك شاك شوك”، وأيضا في قصة “خارطة البحر” إذ ترصد حالة سيدة تعيش حالة من القلق وهي تراجع شريط حياتها قرب البحر، وقد مرّت بظروف مختلفة وتعرّضت للطلاق ما جعلها تتطلّع إلى الحرية والانعتاق من عالم الرجل.

الكاتبة تلج عالم المرأة التعيس الذي يسري في معظم النصوص، وتعرض المشكلات التي تواجهها في المجتمعات العربية
الكاتبة تلج عالم المرأة التعيس الذي يسري في معظم النصوص، وتعرض المشكلات التي تواجهها في المجتمعات العربية

وتسلط القاصة الضوء على موضوع الخيانة الزوجية في قصة “الحمقى” التي تحكي قصة نشوى الفتاة المثقلة بالخيبات وبعذابات حياة قلقة، بينما يطارد زوجها نساء أخريات. إنها تروي، وهي على فراش الموت، شريطا متهالكا من عهد مضى، تسترجع فيه تفاصيل الحكايات التي مرّت بها، وتكشف من خلاله عن مرارات وعذابات سبّبها ذلك “الأحمق” الذي يرتكب الكثير من الخطايا والأخطاء.

وفي قصة “أبيض وأسود” تسوق الكاتبة الأحداث بيقظة وتمهّل لتعرض مشكلة التحرّش، وفيها تذهب طفلة صغيرة لشراء الحلوى، فيتحرّش بها صاحب المحل، وتكون تلك البداية المبكرة من علامات انتهاك جسد الأنثى، وهي قضية تشتغل عليها الكاتبة بهدوء وحذر.

وتبدو قصة “بلا مشاعر” أنشودة عشق للحياة رغم القهر الذي يحيط بالمرأة، ويعيق تطلّعها إلى حياة سعيدة بلا منغّصات، فهي تقول إنّنا لسنا وحدنا في هذه الحياة، مع كوننا مسوّرين بالحزن والفقد والغياب، حيث يعاود المفقودون في القصة الظهور من جديد، وتعود البطلة للتأقلم مع عاداتها الجميلة، التي توقّفت عنها، كإطعام الطيور والسلاحف.

وتخرج الكاتبة عن صورة المرأة المظلومة، وتتّجه إلى رصد فكرة المرأة التي حرّرت ذاتها بالنضال كما في قصة “الحاوي”، فبطلة هذه القصة ناشطة سياسية متمرّدة، تقوم بتوزيع استمارات للتمرّد في ميدان التحرير، الذي يعجّ  بالبشر تحت
مروحيات الجيش وطائراته. وفي ذلك إشارة إلى الحملة التي قام بها بعض الشباب لرفض حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

وفي قصة “إيلات” تعالج أمل رفعت موقفا وطنيا، مبتعدةً عن هموم المرأة التي هيمنت على معظم المجموعة، فالبطلة فيها كانت طفلة حين حدثت العمليات العسكرية المصرية التي نفذتها ضفادع بشرية من البحرية المصرية، واستهدفت سفنا وناقلات جنود إسرائيلية في ميناء إيلات الإسرائيلي خلال حرب الاستنزاف في أعقاب حرب يونيو 1967، حيث تستعيد ذكريات أبيها الذي كان أحد أبطال هذه المعركة وخاضها ببطولة منقطعة النظير، مركّزةً على العلاقة التي تجمعهما، دون أن تتوقّف كثيرا أمام تفصيلات العمليات العسكرية، وبطولات أبيها.

تبدو القصص في ظاهرها تحرّرا من قيود المجتمع، وكسرا لنمطية وضع المرأة الذي يقبل به لكسر إرادتها، لكنها لم تغفل تحرر الإنسان من الداخل، أو من ذاته المكبَّلة، حيث لا تجد الكاتبة خلاصا لها في نهاية الموت إلا بانعتاق الروح عن الجسد في نوع من التحدي، وكحل لنجاة المرأة من كل آلامها التاريخية.

يُذكر أن أمل رفعت شاعرة وقاصة وروائية صدرت لها ثلاث مجموعات شعرية “حدائق البيلسان”، “دانتيلا”، “آنية الأحلام”، ومجموعتان قصصيتان “طائر الخريف” و”سكرة الروح”، وثلاث روايات “بنت الراوي”، و”متاتيا”، و”الذي عاد إلى هناك”.

15