عالم بلا حدود

السبت 2018/01/20

حين نقول إن الرواية عالم بلا حدود، فهذا القول يشمل موضوعاتها وأحداثها وفضاءاتها وأشخاصها، كما يشمل الشكل والرموز والبنى، وهذا التصور ينفتح بنا على النص الروائي مع كل رواية جديدة، حيث يتداخل الواقعي بالمتخيل والممكن بغير الممكن والمعقول بغير المعقول.

قرأت أخيرا رواية “هيا نشتر شاعرا” للروائي البرتغالي أفونسو كروش ترجمها إلى العربية عن اللغة البرتغالية عبدالجليل العربي، وهذه الرواية في بناها السردية تكاد تشكل قفزة في كتابة الرواية الحديثة، لكنها لا تمثل استثناء في السرد المعاصر، لأننا كلما تابعنا النتاج الروائي الجديد في العالم، نكتشف قفزات أخرى، في الشكل والبنى السردية دائما، وفي الموضوع أحيانا.

ولو توقفنا عند موضوع هذه الرواية، وأدركنا جوهره، لاستطعنا أن نقول عنه، إنه موضوع مكرر، يتعلق بالمجتمعات الحديثة التي استغرقها كل ما هو مادي، بعيدا عن فاعلية الجمال وحيوية الثقافة، وهو موضوع تناولته كتابات كثيرة جدا، أدبية واجتماعية وفلسفية، وتعددت الرؤى والمواقف بشأنه.

وإذ كنت أرى في هذه الرؤى مبالغات، تظهر في هذه الرواية، لكن ليس هو الأمر الذي أتناوله، وإنما، كيف عالج الروائي موضوع المجتمع المادي وكيف أفاد من انفتاح نصه وتجاوزه حدودا كثيرة، حيث تُقْدِمُ صبيةٌ على شراء شاعر! لتفيد من المجازات اللغوية في التحرر من قيود محيطها المادي، وقد سبقتها إلى ذلك زميلات لها في المدرسة بشراء نحات أو رسام، بالدافع ذاته الذي كان وراء شرائها الشاعر، أي التحرر من قيود عالم مادي يفقد فيه الإنسان إنسانيته ويتحول إلى مجرد رقم. ومما أفاد منه أفونسو كروش في رواية “هيا نشتر شاعرا” الحرية التي هي بلا حدود في النص الروائي، فأقدم على كتابة فصل بعنوان “ما يشبه الخاتمة” ينتسب إلى المقالة، أكثر من انتسابه إلى هذه الرواية وإلى الكتابة السردية.

وهذا يقودنا إلى استعادة ما قاله جاك سوتيل في المقدمة التي كتبها لرواية فلوبير “مدام بوفاري” “إن القرن التاسع عشر هو قرن الرواية، بل هو قرن الفن الروائي المكتمل، أما في أيامنا هذه، والقول مازال لجاك سوتيل، فإن الفن الروائي بثبات حدوده كجنس أدبي، يبدو على وشك الزوال”، حيث ينصرف الكتاب إلى تجميع عدد من أجناس الكتابة في ما يفترض أنه نص روائي.

وهذا ما عرفته الرواية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تتداخل المذكرات واليوميات والشعر والتاريخ والوثيقة والرحلة وغيرها، أما على صعيد البنى السردية فيسود تفكيك النص وتشتيت الأحداث والأزمنة، وجموح الخيال وتبادل الأدوار والمواقع بين الأشخاص.

إن كل هذا، أدى إلى ظهور إشكالية الوضع الروائي، أو إشكالية الرواية، فالتنوع المفتوح بلا حدود في النوع الروائي يقود إلى سؤال جوهري بشأن مواصفاتها كجنس أدبي، ومثل هذا السؤال، مهما كانت الإجابة عنه، يسبقه اعتراف بنسب هذا المختلف إلى شجرة العائلة الروائية التي يصفها ميلان كونديرا بقوله “حرية بلا حدود لابتكارات شكلية”.

إن هذه الحرية بلا حدود، قابلها انفتاح نقدي، إذ يقول د. إدريس النقوري “تظهر أشكال روائية جديدة تجد استجابة فورية من النقاد والباحثين الذين يسارعون إلى تسميتها واختلاق مصطلحات خاصة بها”.

بعد كل ما تقدم، أجدني أمام سؤال ملحٍ حقا، يحضرني كلما انتهيت من قراءة رواية جديدة تنفلت تماما من مقومات النص الروائي الذي عرفناه في رواية القرن التاسع عشر وإلى حدٍ ما في رواية النصف الأول من القرن العشرين، والسؤال هو: في هذا الفضاء الروائي الذي لا حدود له، وفي تراجع مقوماته، ولا أقول ثوابته، حتى تكاد تغيب، إلى أيِّ مآلٍ ستؤول الرواية؟

كاتب عراقي

14