عالم جديد ممل

سلسلة المطاعم السخيفة هذه لا ينطق الزبون القاهري اسمها صحيحا إلا بعد ثلاث محاولات، اثنتان منها فيهما تلفظ بكلمتين بذيئتين. أضف إلى المأكولات الشريرة هذه علب كوكاكولا لتكتمل الصورة.
الثلاثاء 2018/04/17
لا أريد كنتاكي في كل بقاع الأرض

قبل أعوام انتبهت لمسألة. كنت أتفرج فيلما ظهرت في افتتاحية مشاهده مدينة في الليل شوارعها مزدحمة ومضاءة بشكل فاجر بضروب أضواء النيون الراجفة والمتحركة. وهناك إعلانات نيونية لأفلام فوجي وصورة مضاءة للكولونيل ساندرز العجوز (مؤسس دجاج كنتاكي) مبتسما ممتلئا بذاته ومبتهجا بما ذبح من دجاج. ظلت المشاهد تترى لخمس دقائق كاملة وأنا في حيرة من أمري. هل المشاهد من بلجيكا أم اليابان أم شيكاغو؟ لا أحد يعرف.

مضى زمن كنت أستطيع فيه تحديد المكان أو على الأقل القارة في اللحظات الأولى: مصابيح الورق في اليابان ومصابيح الغاز الغارقة في الضباب في أوروبا ومصابيح الطريق عالية الإضاءة في أميركا. ولو أنك أردت الاستهداء إلى المكان من ملابس الناس لما عرفت. ستجد جمهورا غفيرا يمضي في كل الاتجاهات من مرتدي الجينز والتي شيرت ذكورا وأناثا. لا فساتين مطرزة ولا جلابيات ولا ربطات رأس مزركشة، لا شيء ينبئ بثقافة معينة. عالم رمادي مضجر، عالمنا اليوم.

مسيرة التقدم والاندماج لا تتباطأ، فضلا عن التوقف كما أتمنى. أريد عالما ملونا؛ عالما به الفول والطعمية في القاهرة والشاورمة في الشام والكنتاكي والماكدونالد في أميركا والفش أند تشبس في لندن. لا أريد كنتاكي في كل بقاع الأرض. لو تعلمون كم هي بغيضة صورة الكولونيل ساندرز وبدلته البيضاء المضاءة في حي الجمالية في القاهرة الفاطمية. أرجو أن تقاسموني كراهيتي للكولونيل وابتسامته المتشفية بالدجاج المسكين. وأنا متأكد أن دجاج العالم كله يبغض هذا الكولونيل المسؤول عن عمليات إبادة جماعية.

سلسلة المطاعم السخيفة هذه لا ينطق الزبون القاهري اسمها صحيحا إلا بعد ثلاث محاولات، اثنتان منها فيهما تلفظ بكلمتين بذيئتين. أضف إلى المأكولات الشريرة هذه علب كوكاكولا لتكتمل الصورة. وهذه العلب تطاردك في بلد الإقلاع وبلد الوصول وعلى متن الطائرة أيضا.

هذا التقدم والتواصل والتحول إلى قرية عالمية يجيء محملا أيضا بأسماء غريبة. تجد “عطفة” في القاهرة ربما كان اسمها عطفة صميدة لكنها اليوم اسمها إنتركونتيننتال. هذا السم شرير يستعصي على الباعة الجائلين في انحرافة الشارع تلك. أذكر بائعا أراد أن يقول الكلمة لكنه لم يفلح. قبل أن يحاول قول إنتركونتيننتال كان يغمض عينيه ويتنفس بعمق كمن يستعد لأن يقفز ساقية. ثم يتعوذ من الشيطان ويطلقها فتخرج “انتر كون تي تي كاول” فيتوقف ويعاود الكرة دون نجاح. ظل يحاول “انتر تي تي تلّال” و”انتر كوننني تكتال” وهكذا إلى أن يأس وانكسر. هزمته العولمة.

24
مقالات ذات صلة