عالم صغير موحش بعيد عن الجغرافيا والزمن

ربما كان السجن مكانا عاديا بالنسبة إلى من لا يفكر في ما خلف جدرانه، لكنه مكان مليء بتفاصيل تخرج الذات البشرية من وجودها الجغرافي والزمني، وليس أقسى من ذلك، حيث لو تأملنا في فكرة السجن، سنجدها مكانا لتعليق الذوات من خلال أجسادها، لذا فقليلون من دخلوا سجنا وخرجوا منه أفضل.
السبت 2017/09/09
لذة فقدان الحواس في عالم قاتل

يختار اللبناني عبده وازن لروايته الجديدة عنوان “البيت الأزرق”، وهو التعبير الذي يطلق على السجن الاحترازيّ الذي يوضع فيه السجناء المصنّفون مرضى نفسيّين، ويقضون فيه أعواماً طويلة ويستمر حجزهم حتّى يثبت شفاؤهم.

لكن المفارقة هي أنّ إثبات الشفاء عملية مستعصية وتكاد تكون مستحيلة، وذلك في غياب المعالجة والعناية والرعاية الطبية اللازمة، وفي ظل انعدام وجود أطباء نفسيين، حيث يقوم الدركيون بإعطاء السجناء جرعات الدواء المفترضة، وهم أصلاً جاهلون بسبل الرعاية الطبية.

ينأسر الراوي لشريكه الميت وأوراقه التي تفتح عيونه على تفاصيل كثيرة مخبوءة في واقعه، تكشف له ثراء حياته التي عاشها في بحر الخرس المختار، وهجرته الطوعية من صخب العالم المجنون من حوله إلى انعزاله، وكانت عملية الاتّهام بقتل سامية، توريطاً انساق بدوره إليه، واكتفى برفعه كلمة بريء في وجه القاضي الذي افتقر إلى العدالة، وأشهرها كأنّها صفعة أخرى يوجّهها للآخرين الذين يغرقون في ثرثرتهم وضجيجهم وجنونهم بدورهم.

عالم السجن

يحبك وازن لعبة التشويق في الرواية، الصادرة بالاشتراك بين منشورات ضفاف والاختلاف 2017، لا يكشف أسرار أوراق بطله، يبقي راويه متنقّلاً يقوم بدور الصحافي الاستقصائيّ من منطقة إلى أخرى، ويرفض الكشف عن الأوراق ومعرفة محتوياتها قبل الخوض في سيرة صاحبها وما تشتمل عليه من مفارقات وأحداث، وتأتي تالياً لتكمل دائرة التعرّف إليه عن كثب، إلى أعماقه، وشذراته، ونظراته في الفكر والحياة والسجن والحب والموت وغيرها من المسائل التي شغلته ودفعته إلى اختيار عالمي الخرس والمشي، ومن ثمّ الرضوخ لدفعه إلى عتمة السجن وإغراقه فيه.

يوغل وازن في توصيف عالم السجن، وكيف أنّ السجين يعيش خارج الزمن، خارج الأيام التي تفقد بالنسبة إليه أسماءها على الرغم من تعاقبها المستمر، لا يكترث لأي تغيير في الخارج لأنه يعيش في عالمه الصغير الموحش. كما يصف عالم السجن بأنه عالم آخر، متعدد الطبقات والهويات، شاسع على الرغم من انغلاقه داخل الجدران والبوابات، وكيف أن السجناء يؤلفون وطناً خارج الجغرافيا.

الروائيّ العاجز عن العثور على نهاية مفترضة لم يتمكّن من تحديدها بعد يقع في شراك أوراق كاتب آخر، يقتفي أثره، يحاول تقصّي ما وراء تلك الأوراق، ينبش حياة صاحبها بحثاً عمّا يعتقد أنّه قد يكشف له كثيراً من التفاصيل المستغلقة، يتعرّف إلى الراحل عن طريق مساراته ومكاشفاته واعترافاته، يشعر بالقرب الشديد منه، يسطو على أوراقه وذكرياته وحتّى حبيبته..

عملية السطو الأدبيّة التي يمارسها الروائيّ المفترض بحقّ الآخر الذي يغدو قرينه، أو شريكه، تنقله من عالم لآخر، تضفي على حياته معنى، تضعه في مسارات مختلفة، يكتشف عمق المشاعر التي كانت تكتنف الشخص الذي يصبح بطله ودليله إلى ذاته وروايته، يعيش معه محنه، وآلامه، وعذابات صمته وشوقه ووحدته وعزلته ويتمه وسجنه، يبقيه فاعلاً مستمرّاً من خلال أوراقه التي يشرع في ترتيبها وتهيئتها للنشر بحلة مناسبة.

يختار بول أندراوس الخرسَ وسيلة احتجاج يرفعها في وجه العالم، يصفع ضجيج العالم بصمته الاختياريّ الذي يكون منفاه الأثير، يرتاح من أعباء الشرح والإيضاح والمساجلة والمحاججة، ينسحب إلى عزلته، يعطّل ملكة الكلام وهبة اللغة لديه، يكتفي بالتعاطي مع محيطه بالإيماءات، يوصف بكثير من الأوصاف التي تحاول النيل منه، لكنّه يمضي في درب خرسه وصمته باحثاً عن حلم قصيّ وهدوء مأمول.

البطل يختار الخرس وسيلة احتجاج يرفعها في وجه العالم، ليصفع ضجيجه بصمته الاختياري الذي يكون منفاه الأثير

كما يختار المشي كضرب آخر من ضروب الاحتجاج، أو التنفيس عن الصخب الذي يعكّر أيّامه، ويبقيه في متاهة واقع لا يرحم، يكون المشي بالإضافة إلى الخرس سبله لإعادة ترتيب عالمه المغدور، يستجنّ بحثاً عن غايته، يعترف بخوفه وجبنه وتردده وضياعه، يوصف بالمجنون، الأخرس، وهو المشاء الذي لا ينفكّ يبحث عن ذاته المهدورة وسط فوضى محيطه العارمة.

يتناص بطل وازن في اختياره المشي وسيلة مواجهة للعالم الخارجيّ مع بطل رواية “حكاية السيّد زومّر” للروائيّ الألماني باتريك زوسكيند الذي يشير إليه وازن في معرض حديثه عن أدباء يؤثرون العزلة والبعد عن الأضواء.

عالم المثلية الجنسية

يقتحم صاحب “غرفة أبي” عالم المثلية الجنسية في أكثر من مكان، يكشف جانباً من التعتيم الذي يمارس لإبقائه بعيداً عن التناول والمكاشفة، يبرز كيف أنّ الأمر يتخطّى حدوداً وحواجز كثيرة ويتغلغل إلى زوايا يفترض بها أن تساهم في التخفيف من حدّة هذه الحالات لا أن تساهم في تسعيرها، كحالة شخصية بول الذي يكون نقطة التقاء لأكثر من مثليّ جنسيّ، سواء كان الأب ألبير الذي يتعلّق به تعلّقاً خطيراً، يتأرجح بين الرهبنة التي اختارها والاشتهاء الذي يقضّ مضجعه، ويبقيه تائهاً وسط نيران الشوق المضطرمة، وذاته المضطربة المرهونة للقلق.

هناك جورجينا؛ وهو اسم يطلق أحد المساجين المثليين، كان قد حاول تحويل جنسه، وتعاطى الهرمونات ليغير من شكله، فقد هيئته الذكورية لكنه لم يكتسب شكل المرأة كما يجب، فكان ضائع الهوية بدوره، مغترباً عن ذاته ومحيطه، يلبّي احتياجات أو طلبات بعض المساجين الجنسية لقاء مبالغ مالية، ويتعلّق بدوره ببول الذي يعامله بطريقة مختلفة، يخاطب فيه الإنسان لا المتحوّل الذي فقد شخصيته وهويّته، لذلك يجد معه راحة وأماناً، ويسرّ له بما يخفيه عن غيره، ويصبح معين بول على تنفيذ مخططه في الاستنكاف عن الطعام، والمضي إلى الموت البطيء بهدوء.

هناك غادة التي كانت حبيبة الراحل بول تقع في شراك الروائيّ المتقصّي عن بول، تعيد معه حكاياتها مع بول نفسه، يكون بول جامعاً بينهما في موته، مقرّبا إياهما من بعضهما بعضاً لفترة، ثمّ يصبح بدوره ذكرى تجمعهما بمرور الأيّام، وبعد هجرة غادة إلى كندا، وانشغال الآخر بعالمه من جديد.

يبيّن صاحب “قلب مفتوح” كيف أن الراوي يسطو على حياة بطله وحكاياته وعلاقاته وأسراره، يعيد تقديمه بحلة جديدة، يهندس فوضى عالمه، يعيده إلى كنف المجتمع الذي هرب منه عبر الكتابة، يتفهّم دوافعه وأسبابه للغوص بعيداً في ذاته، وابتعاده عن كلّ ما يمتّ إلى الخراب المحيط به بصلة، بحيث أنّ البيت الأزرق الذي سكنه في سجنه كان أخفّ وطأة عليه من حياة الخارج التي كانت سجناً أشدّ قسوة وعذاباً عليه..

يبادل وازن بين أدوار الداخل والخارج، فالخارج الذي يفترض به أن يكون ميدان حريّة الفرد يغدو بيتاً أزرق قاتلاً للمسجونين فيه، أولئك الذين يعدّون أنفسهم أحراراً في اختياراتهم، لكنّهم في الحقيقة واقعون تحت سطوة قوى تتحكّم بهم، وتقيد حرّيتهم وتبقيهم أسرى أوهامهم بالحرّيّة.

تثرى الرواية برؤى الروائيّ الأدبية، تلك التي يمكن تلمّس ملامح ورؤوس أفكار منها في مقالاته النقدية ومقارباته التحليلية، وتصوراته حيال الدين والفلسفة والرواية والشعر والموت والحياة والحب، وغيرها من القضايا التي قارب زوايا منها في أعمال سابقة له، وتراه يقدّم صوراً وتظهيراً لأزمات ومآزق تعيشها شخصيّات تنتمي إلى شرائح مختلفة من البلد، تظلّ تائهة بعيدة عن أي تصالح مع ذاتها ومحيطها.

17