عالم قبلي جديد

الشعبوية التي نراها تتجسد اليوم في بريطانيا أنتجت عالما قبليا في داخل الأحزاب واستطاعت أن تشق وحدة هذه الأحزاب كما لم يحدث منذ زمن طويل.
الأربعاء 2019/01/23
هذا عالم جديد تماما

يفترض بالأنظمة الديمقراطية أن تعتمد على الأحزاب في مسيرتها لتحويل السياسة إلى أساليب بالحكم. يجتمع أعضاء الأحزاب في التراتبيات الدنيا ليعتمدوا أفكارا وتصورات تمر بدورها إلى القيادات المحلية ثم إلى القيادات العليا في الحزب.

تتصادم مشاريع الأحزاب على المستوى الوطني لتفرز من خلال الانتخابات أحزابا فائزة وأخرى معارضة أو تشكيلات مؤتلفة تستطيع أن تقود البلاد من خلال حكومة ائتلافية.

 هذه هي الصيغة الأوروبية المعتمدة عموما، والتي أثبتت نجاحها عبر مراحل ومطبات سياسية وإستراتيجية كبرى، ليست الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية إلا بعض من أوجهها.

هذا صحيح لحد الأمس القريب. فخلال السنوات القليلة الماضية تغير كل شيء. صعدت الأحزاب الشعبية وتمكنت من توجيه نسبة معتبرة من الرأي العام نحو توجهات كانت توصف إلى وقت قصير بأنها مخجلة ولا محل لها في السياسة في عالم ما بعد الحرب الباردة. كانت الفكرة من التكنولوجيا المتطورة هي الارتقاء أكثر فأكثر بالمجتمعات نحو وعي أكبر ومسؤولية مثالية. لكن ما حدث هو عكس ذلك.

الشعبوية أنتجت أحزابا مؤثرة. ربما لم تصل إلى الحكم، لكنها قادرة على إجبار الأحزاب التقليدية على تبني سياساتها بالباطن. حزب الخروج البريطاني من أوروبا مثلا، استطاع اختراق الحزبين الرئيسيين، المحافظين والعمال، وأن يملي سياسته الغريزية القائمة على رفض الأجنبي ورفض الأوروبي معا، على نسبة مهمة من قيادات الحزبين.

لو استمعت إلى بعض من قيادات حزب المحافظين اليوم وهي تجادل في البرلمان بصيغة الخروج من الاتحاد الأوروبي، ولو نزعت اسمها عن شريط شاشة التلفزيون، سيكون لديك الانطباع بأن من يجادل هو عضو في حزب الخروج. والمشهد نفسه يتكرر بلا تزويق في بعض مجادلات أعضاء البرلمان من حزب العمال حتى أنك تنسى أن من أمامك هو شخص يمثل، نظريا، اليسار ويتسامى على المنطق الشعبوي لأن الأساس في وجود اليسار هو الأيديولوجيا وليس رغبات ما كان يعتبرهم رعاعيين وشوفينيين لا يحبون الآخر.

الشعبوية التي نراها تتجسد اليوم في بريطانيا أنتجت عالما قبليا في داخل الأحزاب واستطاعت أن تشق وحدة هذه الأحزاب كما لم يحدث منذ زمن طويل. تستطيع أن تشخص قبيلة داخل حزب المحافظين تتبع رئيسة الوزراء وأخرى تتبع معارضيها الذين لم تطرف عينهم وهم يقفون ضد زعيمتهم ويصوتون ضد خطتها للخروج من الاتحاد الأوروبي.

هذا عالم جديد تماما، وتغيراته التي شهدناها في صعود ترامب وإقرار بريكست، هي الصيغة التي علينا أن نتعامل معها وأن نقبل بها. وصف الدوس هكسلي في رواية “عالم جديد شجاع” عالما حالما تم تحوير جيناته ويعمل بتراتبية مختلفة. لا أعرف ماذا نسمي عالمنا الجديد اليوم. بالتأكيد أنه ليس شجاعا.

24
مقالات ذات صلة