"عامي مع سالينجر" احتفال بالبطولة النسائية

مهرجان برلين السينمائي ينطلق وسط أجواء من الحزن والقلق.
السبت 2020/02/22
مرغريت كوايلي في دور البطولة وأداء مبهر

انطلق مساء الخميس، مهرجان برلين السينمائي في دورته السبعين، بُعيد ساعات على هجوم عنصري أسفر عن سقوط تسعة قتلى في ألمانيا، مما أشاع جوا من الحزن والقلق على الملتقى السينمائي الرئيسي الأول في أوروبا هذه السنة.

برلين – وسط أجواء من القلق والحزن والتوتر والغضب، في أعقاب الحادث الإرهابي الذي وقع في بلدة بجنوب ألمانيا مدفوعا بدوافع عنصرية وراح ضحيته تسعة من المهاجرين، افتُتِحت مساء الخميس، الدورة الـ70 من مهرجان برلين السينمائي الدولي بفيلم “عامي مع سالينجر” My Salinger Year للمخرج الكندي فيليب فالاردو.

إدارة المهرجان أصدرت بيانا يدين الحادث الإرهابي ويبدي تعاطفا مع عائلات الضحايا كما أكد المهرجان تمسكه بقيم التسامح والاحترام وحسن الضيافة، ووقف النجوم وممثلو صناعة السينما الذين حضروا الحفلة، دقيقة حدادا على أروح الضحايا قبل بدء مراسم الافتتاح.

بين الغضب والتحقّق

فيلم الافتتاح الذي عرض للمرة الأولى على الساحة العالمية، هو نموذج مثالي لفيلم المرأة من دون أن تكون مخرجته امرأة، فموضوعه يدور حول فتاة شابة لم تستكمل دراستها العليا وأرادت أن تصبح كاتبة. ولكن بدلا من أن تجد الطريق مفروشا بالورود أمامها، التحقت بوظيفة مؤقتة كمساعدة للسيدة “مرغريت” وكيلة أعمال الكاتب الأميركي الشهير “جيروم ديفيد سالينجر” المعروف بـ“ج. د. سالينجر”. ومع ذلك لا يظهر سالينجر في الفيلم وإن كنا نسمع صوته عبر الهاتف، وهو اختيار ربما كان يتسق مع رغبة سالينجر نفسه الذي توفي عن 91 عاما سنة 2010.

فقد اختار هذا الكاتب الذي حقق شهرة كبيرة بعد نشر روايته الوحيدة “الحارس في حقل الشوفان” عام 1951، أن يعيش في عزلة تامة بعيدا عن الأضواء وامتنع تماما عن الظهور الإعلامي. كما رفض نشر أعماله التالية التي قيل إنه واصل كتابتها، واختار الإقامة في مكان ما على شاطئ ولاية بنسلفانيا. وكان يقضي معظم وقته في الكتابة باستخدام آلة كاتبة عتيقة داخل كوخ خشبي، وهو اختيار يعكس موقفا صارما من فكرة أن يصبح الفن أو الإبداع الفني معروضا للبيع مثل أي سلعة.

رواية “الحارس في حقل الشوفان” The Catcher in the Rye (التي ترجمها إلى العربية غالب هلسا) وقورنت بـ“عوليس” لجيمس جويس، أصبحت أيقونة من أيقونات الأدب لدى أجيال من المراهقين الشباب في الولايات المتحدة والعالم، وظلت تُطبع ويعاد طبعُها منذ صدورها (وكانت توزع سنويا 250 ألف نسخة). واعتبرت “مانيفستو” للغضب والتمرّد على القيم التقليدية للمجتمع، وكان بطلها يرمز لجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي يحتج بقوة على كل أشكال الزيف الاجتماعي.

احتجاج على الزيف الاجتماعي
احتجاج على الزيف الاجتماعي 

ويمكن القول إن بطلة فيلم “عامي مع سالينجر” تنتمي بدورها إلى ذلك الجيل الغاضب الذي يبحث عن الجديد، في اللغة وفي وسائل التعبير، وهي تنشد الأدب، وتقرض الشعر، تعيش في الخيال أكثر ممّا ترتمي في أحضان الواقع. لكنها رغم ذلك عنيدة، مستقلة، وسوف تصل في نهاية المطاف بعد أن تنضج على نار التجربة، إلى معرفة ما تريده لنفسها بالضبط من مشوار الحياة. فتختار الوقت الذي تعلن فيه رغبتها في البحث عن شيء آخر أكثر من مجرد العمل لتلك الوكالة الأدبية، رغم ما وجدته من اهتمام بعملها الذي حقّقت فيه نجاحا كبيرا.الفيلم مقتبس من كتاب بالعنوان نفسه، للكاتبة جوانا راكوف، تروي فيه تجربتها الشخصية، وقد أصبح عند صدوره في عام 2004، من أكثر الكتب مبيعا.

وتدور أحداث الفيلم في منتصف التسعينات، قبل ظهور وانتشار الكمبيوتر المنزلي وشبكة الإنترنت الدولية، في عصر الآلات الكاتبة، والوسائل التقليدية القديمة في الترويج للكتب الجديدة، وعلاقة وكالات النشر بدور الصحف الكبرى، والرسائل البريدية التي كانت تنهال على الكتاب من المعجبين والقراء. وبالتالي على بطلنا الغائب – الحاضر “سالينجر” نفسه، الذي يمكننا أن نتعرف على جوانب حياته الغريبة في لمحات من خلال الحوارات التي يتداولها من يعملون لحسابه، وخاصة مرغريت التي ترتبط معه بصداقة وتحرص كثيرا على إرضائه وتنفيذ تعليماته بدقة، وأهمها ألاّ يعرف أحد عنوان إقامته.

أساس اهتمام السيناريو هو تلك العلاقة التي تنشأ بين “جوانا”، الفتاة الشابة الجميلة المليئة بالحيوية والحياة والتألق والرغبة في التحقّق القادمة من الريف، و“مرغريت” السيدة الصارمة التي لا تقبل أي خطأ، وتفرض ستارا حديديا على من يعملون معها. ولكن تحت هذه القشرة السميكة من الصلابة، قلب رقيق وحسّ إنساني يمكنه أن يتفهّم ويغفر، وقدرة خاصة على معرفة الحقيقي من الزائف، والموهبة من الادعاء.

والفيلم يسبر أغوار تلك العلاقة من خلال تراكم المشاهد من دون ذروة تقليدية في الحبكة، مع لمحات بارزة عن تأثير سالينجر على طموح جوانا لأن تصبح كاتبة. وكيف تلهمها الرسائل المرسلة إلى سالينجر، ولا يمكنها أن تقاوم فكرة الاحتفاظ بالبعض منها وقراءتها بدلا من التخلص منها بعد أن تنتهي من فحص محتوايتها حسب التعليمات التي لقنت إياها من البداية، بل وكتابة رد حقيقي على بعضها بعيدا عن تلك الصياغة الروتينية التي أعطيت لها لتكرارها على الجميع.

نشاهد لقطات تتداعى في ذهن جوانا وصورا متخيلة لبعض الذين يبعثون بتلك الرسائل إلى سالينجر وكأنهم يستنجدون به للمساعدة في التوصل إلى حلول لمشاكلهم. كما نشاهد لمحات أخرى عن الحياة الخاصة لجوانا، التي تبحث في الوقت نفسه عن الحب الحقيقي، تتوهّم وجوده أولا مع “مارك” وتقبل العيش معه في شقة ضيقة كئيبة بحي بروكلين بمدينة نيويورك (حيث تجري أحداث الفيلم)، لكننا سنرى كيف أن كلا منهما يعيش في عالمه، منعزلا عن الآخر. ألم تشعر بالندم بسبب التضحية بحبيبها السابق الذي تركته وراءها في البلدة التي جاءت منها على أمل أن تقضي فيها شهرا أو شهرين، ثم تقرّر قضاء العام بأكمله؟

ليس هذا بالطبع السؤال الوحيد المطروح في هذا الفيلم، بل هناك أسئلة أخرى تدور حول البحث عن الذات وعن التحقّق، وعن حقيقة ما يريده المرء.. عن التضامن النسائي في لحظات الشدة.

غير أن الفيلم ينتقل تدريجيا ليصوّر كيف أثرت وسائل الاتصال الحديثة مثل الإنترنت على طريقة العمل، وكيف تم الانتقال من الآلة الكاتبة التقليدية القديمة إلى الكمبيوتر (الذي تعاديه مرغريت بشدة كونها تميل للتمسك بالوسائل القديمة).

فالفيلم يصوّر أجواء التسعينات بدقة، وبنوع من النوستالجيا أو الحنين إلى “عصر البراءة”. إن بطلة الفيلم جوانا تودّع في النهاية طفولتها أو مراهقتها وتتخلّى عن أفكارها النظرية عن العالم، بعد أن أصبحت قادرة على أن تتوقف مع نفسها وتختار. لقد أنضجتها التجربة.

فيلم أدبي

"عامي مع سالينجر" للمخرج الكندي فيليب فالاردو، هو نموذج مثالي لفيلم المرأة من دون أن تكون مخرجته امرأة
"عامي مع سالينجر" للمخرج الكندي فيليب فالاردو، هو نموذج مثالي لفيلم المرأة من دون أن تكون مخرجته امرأة

هذا فيلم “أدبي”، أي يسير كما تسير رواية تقليدية تدور حول الشخصية الرئيسية والتداعيات التي تعبر ذهنها، ولعها بالأدب وعالم الأدب والشعر، الوكلاء الذين يعملون للكتاب المشاهير، الإبداع ومغزاه وهل يصلح أن يكون سلعة أم قيمة غير قابلة للمساومة؟ وهل كان سالينجر يعتزم كما يقول الفيلم، نشر أعمال أخرى عن طريق ناشر صغير مغمور؟ ولماذا كان متحمسا لمقابلة بطلتنا الشابة جوانا وكان بشوشا معها هكذا في مكالماته الهاتفية، هل كان هذا مرتبطا بما عرف عن سالينجر من ولع بالفتيات صغيرات السن؟

أفكار كثيرة تشعر بها من تحت جلد المشاهد والصور، من دون أن يجيب عنها الفيلم. ولعل ما يميز الفيلم بوجه عام، ذلك الأداء المتميز من جانب كلٍ من سيغورني ويفر في دور مرغريت السيدة قوية الشخصية التي تقبض بقوة على جميع الخيوط في يدها، ورغم قسوتها الظاهرة فإنها تمتلك قلبا كبيرا قادرا على العطاء والحب.

ومرغريت كوايلي (ابنة آندي ماكدويل) تلك الموهبة الصاعدة بقوة مثيرة للإعجاب، في دور تؤديه بثقة وحيوية وتألق وشخصية تفرض وجودها بقوة على الشاشة. فهي تعبر بوجه جذاب في بساطة آسرة، عن الحب والعذاب والغضب والرفض والإعجاب، وتنتقل كالفراشة بين المكاتب، وتعبر الردهات والشوارع بنفس قوة الدفع التي تنعكس على وجهها فتزيده تألقا.

هذه ممثلة سيكون لها شأن كبير في المستقبل، بعد أن تجاوزت هنا دورها الصغير العابر في فيلم تارانتينو “ذات مرة في الغرب” في دور الفتاة اللعوب التي تركب سيارة براد بيت وتحاول إغواءه.

جدير بالذكر أن هذا الفيلم “النسائي” بامتياز “عامي مع سالينجر”، لا يكرّس فقط البطولة النسائية المطلقة مع جعل كل أدوار الرجال ثانوية (بما في ذلك دور سالينجر نفسه)، بل بالإضافة إلى أن قصة الفيلم مأخوذة عن كتاب جوانا راكوف التي تشارك في إنتاج الفيلم كمنتجة منفذة، فقد أسند المونتاج إلى ماري مينالي، والتصوير إلى ساره ميشارا.

13