عام أخير من فقدان الثقة في سياسات أوباما

الثلاثاء 2016/01/12
الصمت الاستراتيجي

لندن - يكافح الرئيس الأميركي باراك أوباما وفريقه في عامه الأخير في البيت الأبيض لدحض انطباع بالتردد بات يهيمن على وصف السياسة الأميركية تجاه أزمات متلاحقة تعصف بدول عدة في منطقة الشرق الأوسط وسط عزوف أميركي عن المشاركة في إيجاد حلول واقعية لها.

وتحولت حيرة إدارة أوباما أمام احتجاجات حاشدة عصفت بأنظمة الحكم في تونس ومصر وتحولت إلى حروب أهلية دامية في سوريا واليمن وليبيا، إلى غياب أميركي عن تقديم أي ردود فعل، وبدلا من ذلك وجه الرئيس الأميركي اهتمامه إلى اتفاق نووي نجحت القوى الغربية في التوصل إليه مع إيران في يوليو الماضي.

ولم يؤدِ تسرع واشنطن في سحب القوات الأميركية من العراق إلى توفير فرصة السيطرة شبه التامة لإيران على مقدرات الحكومة العراقية، بل قاد إلى صعود تنظيم داعش الذي نجح في صيف عام 2014 في انتزاع السيطرة على مناطق واسعة في شمال العراق، وأزال الحدود الجغرافية مع سوريا.

ويصر أوباما على اتباع سياسة “الصبر الاستراتيجي” التي تبنتها الإدارة من بداية ولايته الأولى عام 2009، وقادت لاحقا إلى صمت أميركي مريب أمام تخطي الرئيس السوري بشار الأسد خطا أحمر رسمه أوباما أمام استخدام الأسد أسلحة كيماوية ضد المدنيين في الحرب الأهلية الدائرة هناك منذ خمسة أعوام.

وقال آرون ديفيد ميلر المستشار السابق في شؤون الشرق الأوسط في إدارات جمهورية وديمقراطية “هذا رئيس عازف عن المخاطرة يرسم خطوطا حمراء لا يطبقها. ولا يوجد ميل للمبادرات البطولية في ما تبقى من وقت”.

وفي وقت يجهز فيه أوباما لإلقائه خطاب حالة الاتحاد الأخير في ولايته اليوم، ما زالت روسيا تتصرف بلا رادع في الصراع الأوكراني كما أنها تحدت النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط بتدخلها العسكري في الحرب الأهلية السورية التي انتهزها منتقدو أوباما باعتبارها دليلا على أن السياسة الخارجية تسير من دون دفة.

وباتت روسيا اليوم أحد اللاعبين الرئيسيين الذين يحتاج المجتمع الدولي إلى موافقتهم على أي اتفاق سياسي محتمل في سوريا.

ويتفق محللون في الرأي مع مسؤولي الإدارة أن جانبا كبيرا من المشاكل العالمية تحركه قوى تتجاوز سيطرة أوباما.

لكن الخبراء يقرون انتقادات من يشيرون إلى أن استجابة أوباما للأزمات اتسمت في كثير من الأحيان بالتردد وأن أخطاء سياسته إما كانت سببا في تأجيج الصراع أو لم تفعل شيئا يذكر للحد منه في أماكن مثل سوريا والعراق، البلدين اللذين تحولا إلى مسرح للتنافس الإقليمي بين إيران والسعودية.

آرون ديفيد ميلر: لا يوجد لدى أوباما ميل للمبادرات البطولية في ما تبقى من وقت

وفقدت السعودية ودول خليجية أخرى الكثير من الثقة في هذه الإدارة التي يرون أنها هرعت في اتجاه إعادة تأهيل إيران كعضو هام في الأسرة الدولية دون النظر إلى المصالح التاريخية بين الدول الخليجية والغرب.

ولم تعد هذه الدول كما كانت في السابق حريصة على أراء واشنطن في ما يجري في المنطقة. وفي المقابل، تشن السعودية على رأس تحالف عربي يضم تسع دول أخرى منذ مارس الماضي حربا على ميليشيات الحوثيين اليمنية المدعومة من إيران من دون تنسيق مع الغرب.

وعبرت الرياض عن غضبها بشكل غير مسبوق في نوفمبر عام 2013 عندما رفضت الحصول على مقعد من بين الأعضاء الـ15 في مجلس الأمن ردا على التقارب الأميركي مع إيران التي تستغل ذلك في محاولة فرض هيمنة سياسية وطائفية على دول عدة في المنطقة.

وأبرم أوباما اتفاقا مهما للتجارة مع منطقة آسيا والمحيط الهادي لكنه يواجه معركة شاقة من أجل نيل موافقة الكونجرس عليه، في وقت تتراجع فيه أهمية النفط المتدفق من الخليج. ووصل سعر البرميل أمس إلى 33 دولارا.

وجاء هذا الاتفاق كثمرة لتوجه استراتيجي جديد تجاه جنوب شرق آسيا أعلن عنه الرئيس الأميركي فور توليه الحكم. وترك هذا التوجه فراغا استراتيجيا كبيرا تسعى إيران شيئا فشيئا إلى ملئه.

لكن الإدارة الأميركية لم تدرك حينها أن التوجه الأميركي الجديد سيتسبب في اتخاذ النزاعات في المنطقة طابعا أكثر دموية وعنفا، كما أنه سيهدد أولويات أوباما في آسيا.

ويقول خبراء إن إدارة أوباما وجدت نفسها محاصرة في المنتصف بين خيارات عدة جميعها خاطئة، وأنه لن يكون أمام الرئيس الجديد سوى محاولة تصحيحها.

ويستبعد خبراء إقدام أوباما على فعل أي شيء خلال عامه الأخير المتبقي في الحكم. ويشير هذا إلى أن الأزمات تتجه إلى التفاقم خلال عام 2016 وقد تتحول إلى أعباء استراتيجية هائلة أمام الرئيس الأميركي الجديد.

وتنفي إدارة أوباما نفيا قاطعا أنها أصبحت تقتنع الآن باحتواء صراعات المنطقة التي تبدو مستعصية على الحل. وللدلالة على ما حققته الإدارة من نجاح يمكنها أن تشير إلى الاتفاق النووي التاريخي مع إيران وكذلك الانفتاح الدبلوماسي التاريخي على كوبا واتفاق التغير المناخي الدولي.

وقال مسؤول إن كل هذه الإنجازات ستحظى بالإشارة إليها على الأرجح في الخطاب الذي يلقيه أوباما اليوم.

1