عام أدبي وفني حافل في البحرين شهد ظهور أسماء جديدة

استمر المشهد الثقافي البحريني في 2015 على إيقاعه الفائت مقتسما القرص في جميع الفعاليات الثقافية والأنشطة الفنية بين المؤيد والمعارض للربيع البحريني، وعليه اختار بعض المثقفين تحييد الموقف السياسي عن الثقافي، بينما اختار البعض الآخر موقعه الواضح بين الصفين. ومع هذا الصراع المتولّد بعد الربيع غابت المظلة الثقافية الموحدة لهم، غير أن بعض الفعاليات الثقافية شهدت حضوراً لافتاً للجميع، وربما كان أهمها أمسيات وجود الثقافية، ومركز كانو الثقافي، الذي تنوّعت برامجه وأنشطته الثقافية الأسبوعية، بالإضافة إلى بعض المعارض التشكيلية والفعاليات الثقافية التي أقيمت في منطقة محايدة لا تشرف عليها وزارة الثقافة.
الخميس 2015/12/24
تغريد البقشي تمنح البحرين ألوانا أخرى

المنامة - الساحة التشكيلية في البحرين صاخبة، لا تهدأ أبداً، فما إن ينتهي معرض حتى يقام آخر، وما إن يعلّق جاليري على أبوابه يافطة “مغلق” حتى يقوم جاليري آخر بفتح ورشة فنية جديدة. ومع أن المساحة الجغرافية للبحرين صغيرة مقارنة بغيرها من العواصم العربية إلا أنها تشتمل على العديد من الصالونات والمراكز والجمعيات التشكيلية الخاصة والعامة، ومن أهمها جاليري الرواق والبارح، ومركز الفنون التابع لوزارة الثقافة، وجمعية البحرين للفنون التشكيلية المرؤوسة من الفنان علي المحيميد، وهند جاليري، ونادين جاليري، وجمعية البحرين للفن المعاصر التي يشرف عليها عبدالكريم العريض. هذه الجاليريات تعمل طوال العام على تقديم التجارب التشكيلية الشخصية والجماعية، بالإضافة إلى إشرافها على العديد من التجارب والورش الفنية.

ومن أهم التجارب التشكيلية العربية والبحرينية التي قدّمت فيها هذه السنة بشكل عام، تجربة تغريد البقشي، وخالد فرحان، ولبنى الأمين، والتجربة الثنائية لجمال عبدالرحيم وعبدالإله العرب، وتجربة محمد المهدي، ونادر العباسي، وأيضاً تميّزت هذه السنة التجارب البحرينية الجماعية في آرت بحرين، والمعرض المفاهيم (تكوين مجرد)، المقام على صالة مركز الفنون، والمتكئ على السؤال الفلسفي عن حقيقة الإنسان المعاصر، ومعرض تاء الشباب الذي شارك فيه الفنانان محسن المبارك وعلي حسين مع مجموعة تجارب شبابية من البحرين والخليج.

ويشرف الرواق قريباً على “مهرجان ألوان” ومعرض “العش”. ويتجهّز الفنانون البحرينيون حالياً لتقديم تجاربهم في المعرض السنوي الجماعي الذي يقام في صالة المتحف الوطني تحت إشراف وزارة الثقافة، والمتوقع افتتاحه في يناير القادم.

ميلاد روائي بحريني

التاريخ البحريني وواقعه المعاصر مليء بالحكايات المحرّضة على الكتابة، وينتظر بجدارة الروائيين الجادين الباحثين عن مكامن قوته لنبشه وكشفه والكتابة عنه ضمن شخوصه الروائية الحقيقية والافتراضية التي من الممكن أن تخلّق أسئلة تمس حياة الإنسان بكل أطيافه وانتماءاته المتنوعة، بدءا من التاريخ القديم، مرورا بالاحتلال البريطاني، وصولاً إلى زمن الربيع العربي. ومن المهم الإشارة في هذا العام لميلاد روائي بحريني جديد، وهو حسين عبدعلي، الذي أتى من عمق المسرح والفنون الأدائية حاملاً معه مولوده السردي الأول، رواية “متاهة زهرة”، ليدشن بها مرحلة روائية شبابية جديدة في المشهد السردي البحريني، تأتي بعد تجارب روائية وقصصية كانت وما تزال متسيّدة للمشهد الروائي والقصصي في البحرين، على رأسها تجربة الراحلين خالد البسام، والروائي عبدالله الخليفة، وتجارب أمين صالح وحسين المحروس وفريد رمضان وأحمد المؤذن وعبدالعزيز الموسوي وآخرين.

واتسمت تجارب هؤلاء الروائيين باختلاف المنابع التي ينهلون منها، فالبعض فضّل الاغتراف من التاريخ القديم، لا سيما ذاك التاريخ المحاط بالتحولات الثقافية الكبرى التي أثّرت في تكوين هوية المواطن البحريني المعاصر مثل الاحتلال، والتغيّرات الاجتماعية التي أفرزها اكتشاف النفط.

التاريخ البحريني وواقعه المعاصر مليء بالحكايات المحرّضة على الكتابة، وينتظر بجدارة الروائيين الجادين الباحثين عن مكامن قوته لنبشه وكشفه والكتابة عنه ضمن شخوصه الروائية الحقيقية والافتراضية

غياب الصواري

رغم تألق مسرح الريف في مهرجانه التاسع بمجموعة عروض كان أهمها مسرحية “اللعبة” من إخراج أحمد الحجيري، وتأليف خلف أحمد خلف، غير أنه قد غاب هذا العام في المقابل مسرح الصواري -الذي انطلق في البحرين منذ بدايات التسعينات- عن تقديم عروضه بسبب عدم توفر الداعمين من القطاعين الخاص والعام، ويعدّ مسرح الصواري من أهم المشاهد الثقافية البحرينية الذي من الممكن أن يرصد المتابع من خلالها الواقع التجريبي في المسرح الخليجي، وقد خرّج هذا المسرح من على خشبته العديد من الفنانين البحرينيين والخليجيين تحت إشراف عرّابي المسرح البحريني ونقاده، مثل الفنان عبدالله السعداوي، ويوسف الحمدان، وإبراهيم خلفان، ويأمل المنظمون أن يستأنف دورته في العام 2016، غير أن كثيراً من المسرحيين بقي قلقاً من هذا الغياب المؤقت، لا سيما وأن مسرح الصواري سبق وأن توقف عن مسابقته السنوية لأكثر من عشر سنوات، حين توقف سنة 2000 ثم عاد في عامي 2013 و2014 بعروض ضعيفة لم تكن بمستوى تاريخه الطويل الذي كان يلهب ضمير المشاهدين والإعلام.

وقد شارك خلال الدورتين الأخيرتين العديد من الفرق المسرحية بطاقم زاد عن 200 مشارك بين فنانين وإداريين، حيث شارك خلالهما 21 عرضا مسرحيا من البحرين والخليج تنافس على 12 جائزة مسرحية.

أماسي وجود

بالتعاون مع دار فراديس في المنامة استمر مشروع ملتقى وجود البحريني على مدى أكثر من عام، ابتداء من نوفمبر 2014 حتى نهاية 2015، ولا يزال، في تقديم مشروع «شهادات إبداعية في التجارب البحرينية» الذي استضاف من خلاله في مقر الدار عددا من الكتّاب والمبدعين البحرينيين في شتى المجالات، ومن مختلف التخصصات للإدلاء بشهاداتهم حول تجربتهم الإبداعية. ثم أقام مؤخراً أمسيتين قصصيتين لمجموعة من القاصين والقاصات البحرينيين تحت مسمى “ومضات قصص قصيرة جداً”.

وأوضح المشرف على الملتقى القاص عزيز الموسوي لـ“العرب” بأن هذه الأمسية والأماسي التي سبقتها تأتي لتعزز من قيمة الأدب على اختلاف مشاربه وفنونه وتنوعاته في البحرين، حيث شهد تعاوناً بين وجود وفراديس في أكثر من مشهد ثقافي خلال السنتين الماضيتين قدموا من خلاله المشهد البحريني بمبدعيه ومثقفيه على منصة أهلية ضمّت التنوّع والاختلاف.

رغم تألق مسرح الريف في مهرجانه التاسع بمجموعة عروض كان أهمها مسرحية “اللعبة” من إخراج أحمد الحجيري، وتأليف خلف أحمد خلف، غير أنه قد غاب هذا العام في المقابل مسرح الصواري

وقد شهدت أماسي وجود المتعددة خلال هذا العام حضوراً لافتاً للمهتمين من النخب الثقافية البحرينية والأدباء، وعبّروا عن التجربة الأدبية في البحرين على أنها تجربة ناضجة وقطعت مسافة كبيرة في التعبير عن الذات الجمعية البحرينية، وعن أسئلة المثقف الخاصة به.

من جهتها عبّرت القاصة البحرينية بتول حميد لـ“العرب” قائلة “أماسي وجود كانت قريبة جدا من الروح، أحب هذا الجنس الأدبي، أعني تلك القصص التي بها كثافة ودهشة، يستهويني السرد بشكل عام، والقصص القصيرة بشكل خاص، لأن عالمها يكون إما رائعا أو هشا! عميقا أو سطحيا. قد تتغلب قوة الفكرة على ضعف الأسلوب، أو يقوى الأسلوب فيسند الفكرة. والأجمل أن تتزاوج الفكرة الملهمة برشاقة الأسلوب. هذه القصص تشبه وميض البرق تذهلنا في هنيهات شتوية حميمية، وأنسب وصف لها بالنسبة إليّ موسيقى سردية”.

الجدير بالذكر أن ملتقى وجود اختتم مؤخراً مسابقته الدورية في القصة القصيرة جداً التي انطلقت تشجيعاً للمشتغلين في هذا الجنس السردي المميز واقتناصا للموهبة وتنميتها. وهي محاولة دائمة لمواكبة الأدب في شتى صوره الإبداعية وفتح أفق أرحب للتمكن من كل شكل وجنس وفن قادر على ضخ الجميل في المشهد الثقافي.

“وجود” مبادرة تطوعية أهلية مستقلة تدعم وتساهم في تنشيط الحركة الثقافية بمختلف المجالات الإبداعية، تتخذ -حالياً- من دار فراديس للنشر منطلقاً لفعالياتها التي من المؤمل أن تتعدد وتتنوع مستقبلاً في مجالات إبداعية أخرى تلحّ على أن تكون هناك خطوات قادمة قد تتركز -حسب الموسوي- على فنون مغايرة كالتشكيل والتصوير والمسرح، وكذلك التاريخ والتراث مع بقاء المجالات الأدبية، كل ذلك يحدده التعاطي والإمكانيات، وتقييم الخطوة الأولى بشكل عملي ومدروس.

16