عام إعدام الملاحق الثقافية في لبنان

الأحد 2016/01/03
لوحة: بهرام حاجو

الكتابة عن الثقافة في لبنان باتت عملا من أعمال الذاكرة، حيث يجد المرء نفسه في إحالة دائمة إلى ماض لم يكن مشاركا في صناعته، أو موجودا خلال سريانه وحضوره.

لم تعد الثقافة في لبنان فعلا حيا انسيابيا وجاريا بل سياقا من سياقات العادة والتكرار الذي يطمح إلى إعادة إنتاج ما يكرر بشكل حرفي، يصفه الفيلسوف الفرنسي دولوز بأنه الجامع المشترك بين كل الأصوليات. ربما هنا تحديدا يكمن الخطر الذي يصيب الثقافة في لبنان والتي صارت، تحت سلطة المهرجانات والاحتفائيات الطامحة إلى نيل مجد التكرار الحرفي، فعلا ينتمي إلى حيز الأصوليات الجامدة والحبلى بالتعصب والتحجر. هذا المعنى يناقض تماما بنية الثقافة التي لا تحتمل الركود والتوقّف والجمود، بل تحيا فقط في حالة السيلان، والفوران، والغليان والتفاعل. لم تغب المهرجانات عن لبنان هذا العام على الرغم من كل المشاكل الاقتصادية، والصراعات السياسية، والأزمات التي تحيط به من كل حدب وصوب، بل بدت وكأنها قد عرفت انتعاشا وبعثا، لم يكن في واقع الأمر إلا تكرارا على تكرار.

مهرجانات مسيسة

الجدير بالذكر أن المهرجانات لا تخرج في واقع إدارتها وتنظيمها عن الاصطفاف السياسي الذي يطبع البلاد، ولا تؤسس لحالة لا تربطها صلات بالتقسيمات المناطقية والطائفية، لا بل على العكس من ذلك، تتبع المهرجان في كل تفاصيلها لتلك السلطات، وتنطق باسمها، وتعبّر عن مزاجها وأهوائها في كل التفاصيل المرتبطة بها.

لكل منطقة مهرجاناتها وضيوفها وخياراتها التي باتت شبه دائمة ومتوقعة، لا تجديد فيها ولا مغامرات، ولا خروج عن الإيقاع المقبول والمتفق عليه مسبقا، والذي يرسمه رقباء من خارج عالم الثقافة والفن.

مهرجانات بعلبك احتضنت هذا العام عرض”إلك يا بعلبك” الذي يتألف من عرض مسرحي غنائي من إخراج نبيل الأظن.

العرض قدم على أدراج معبد باخوس، وهو يتألف من توليفة موسيقية شعرية غنائية، تآخت فيها نصوص صلاح ستيتية، ناديا تويني، طلال حيدر، أدونيس، أيتل عدنان، لميس مخلوف ووجدي معوض، مع موسيقى عبدالرحمن الباشا وبشارة الخوري وغدي الرحباني وناجي حكيم ومرسيل خليفة وإبراهيم معلوف وغبريال يارد وزاد ملتقى.

شهد العام عودة إطلاق مهرجان الأرز الذي توقف منذ فترة طويلة، حيث أطلقت عقيلة رئيس حزب القوات اللبنانية النائب ستريدا جعجع هذا المهرجان من جديد، عبر حفلات غنائية رومنسية أحياها النجم وائل كفوري والنجمة إليسا. انضمت منطقة عكار هذا العام إلى خريطة المناطق التي تنظم فيها مهرجانات فنية، حيث تم تنظيم مهرجان فني ضخم، شارك فيه خمسة آلاف شخص أحياه كذلك النجم وائل كفوري.

مهرجانات بعلبك احتضنت هذا العام عرض”إلك يا بعلبك” الذي يتألف من عرض مسرحي غنائي من إخراج نبيل الأظن

يلا عقبالكن

حال السينما في لبنان عام 2015 لم يكن مختلفا عن الوضع الثقافي العام المتردي، فقد قدمت مجموعة أفلام تنتمي في معظمها إلى عالم السينما التجارية حيث يسود الاستسهال والتسطيح والرغبة في تحقيق الربح المادي السريع.

اللافت أن جل هذه الأعمال استطاعت تحقيق نسب مشاهدة عالية على الرغم من كل الخلل الفني والتقني والإخراجي، وضعف السيناريو والحبكة، ما سمح لمخرجيها ومنتجيها بالدفاع عن أنفسهم ضد موجة النقد التي طالتهم من النقاد السينمائيين، والادعاء بأنهم يستحقون المديح والثناء لا النقد، لأنهم أحيوا السينما اللبنانية.

أبرز الافلام اللبنانية التي عرضت عام 2015 هي فيلم “يلا عقبالكن” من إخراج إيلي خليفة وكتابة نبال عرقجي وبطولة ندى أبو فرحات، مروة خليل، دارين حمزة.

فيلم “فيتامين” من إخراج إيلي . ف. حبيب، وبطولة كارلوس عازار، وماغي أبو غصن، إضافة إلى مشاركة النجمة السورية شكران مرتجى.

فيلم “شي يوم رح فل” من إخراج ليال راجحة وبطولة عادل كرم، لورين قديح، بيار داغر، جوي كرم.

فيلم “باباراتزي” من إخراج سعد هنداوي بطولة المغني اللبناني رامي عياش، والنجم المصري عزت أبو عوف، والممثلة المصرية إيمان عاصي. الفيلم اللبناني الوحيد الذي نجا من تهمة الابتذال والسطحية وغياب الرؤية التصويرية والإخراجية وركاكة السيناريو والحبكة والحوار كان فيلم “فيلم كتير كبير” للمخرج ميرجان بو شعيا.

ثقافة حزب الله

من الأحداث الثقافية التي تتكرر كل عام في لبنان معرض الكتاب العربي الذي انطلق هذا العام في دورته الـ59. شاركت في هذه الدورة من المعرض مئة وسبعون دار نشر لبنانية وسبعون دار نشر عربية، كما شاركت في المعرض ست دول عربية هي: المملكة العربية السعودية، دولة الكويت، الجمهورية الليبية، دولة فلسطين، سلطنة عمان إضافة إلى لبنان. شاركت الصين بدار نشر رسمية واحدة، وتركيا بثلاث دور نشر. اشتركت في المعرض أربع جامعات لبنانية هي جامعة البلمند، جامعة الكسليك، جامعة اللويزة، الجامعة اللبنانية، وامتد المعرض على مساحة تقدر بحوالي عشرة آلاف متر مربع.

من الأحداث الثقافية التي تتكرر كل عام في لبنان معرض الكتاب العربي الذي انطلق هذا العام في دورته الـ59

كان من اللافت هذا العام أن المعرض شهد انتعاشا في حجم المبيعات في تناقض مع تردّي وضع الكتاب بشكل عام. كتاب الممانع سامي كليب “الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج” والذي لا يصدر في طبعته الأولى قائمة المبيعات، ولم نعرف إذا كان احتل قائمة المبيعات ككل أمّ احتل قائمة مبيعات الكتب السياسية فقط.

لا تكمن المشكلة في هذا الجانب وحسب حيث أن شراء كتاب ما وخصوصا الكتاب السياسي، لا يعكس رغبة معرفية تتصل بسياق ثقافي ارتفاع المبيعات في هذه النسخة من المعرض، الذي كان عائدا بشكل خاص إلى ارتفاع مبيعات الكتب السياسية، عكس انتماء حزبيا وموقفا سياسيا.

لعلّ فريق الممانعة هو الأكثر نشاطا في هذا المجال والأكثر تجييشا وقدرة على التعبئة، حيث احتلت الكتب التي يصدرها المنتمون إليه قائمة المبيعات، ليس في هذا العام وحسب، ولكن في الأعوام السابقة كذلك. كان كتاب نائب حزب الله حسن فضل الله “حزب الله والدولة في لبنان” قد احتل قائمة مبيعات الكتب السياسية لعام 2014، كما أن كتاب الممانع أنيس النقاش” الكونفدرالية المشرقية” الصادر عن مكتبة بيسان، احتل هذا العام المرتبة الثانية في قائمة الكتب السياسية الأكثر مبيعا.

حكم إعدام

يبقى أن المشهد الأكثر فظاظة وإيلاما في الساحة الثقافية لعام 2015، هو حكم الإعدام الذي صدر في حق أعرق الملاحق الثقافية في الصحافة اللبنانية، حيث غاب ملحق نوافذ في جريدة المستقبل، وتلاه في الغياب الملحق الأكثر شهرة في لبنان والعالم العربي، أي الملحق الثقافي لجريدة النهار.

كاتب من لبنان

11