عام الخسائر الكبيرة طوى معه أسماء لامعة في الثقافة العربية

الثلاثاء 2014/12/30
سنة تودّع أهم وأبرز المبدعين العرب

بعد غد يطوي عام 2014 أوراقه، ويرحل، لكن سيبقى من سيرته وذاكرتنا تلك المرارة التي خلفها في حلوق وصدور المهتمين بالثقافة في مفهومها العام، حتى كاد يغلب عليه عام الحزن من فرط ضربات يد المنون التي كانت تفتك خبط عشواء.

قد تبدو المصادفة عاملا مهمّا في بداية هذا العام؛ فقبل أن تهلّ علينا أيامه الأولى رحل الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم، وهو ما كان استهلالا يوحي بالانقباض لاستقبال عام جديد قادم، وللوهلة الأولى فإن المتابع لسيرة الموت وسرادقات الرثاء في الصحف للمبدعين الذين رحلوا في هذا العام، يشعر بالدهشة، فقد تميّز هذا العام بأكبر نسبة من الراحلين فاقت الأعوام السابقة، وفي المقابل لم يُقدِّم لنا موهبة واحدة تضاهي هؤلاء الراحلين أو حتى تكون عزاء فيمن رحل.

لقد غاب هذا العام عدد من الشعراء العرب من بينهم سميح القاسم وأنسي الحاج وحسين عبداللطيف وسعيد عقل، وكان آخر الراحلين قبل أن تُطوى صفحة أيامه الأخيرة الشاعر والناقد الموريتاني محمد ولد عبدي.

بدأ العام حزينًا في مصر ففي مستهل يناير وبالتحديد في الثالث عشر منه، رحل الأديب قاسم مسعد عليوة عن عمر يناهز 68 عاما بعد إصابته بنزيف في المخ والراحل من مواليد بورسعيد في 1946 ومن أهم أعماله: «الضحك» و«صخرة التأمُّل» و«إنها الحرب» ورواية «الغزالة».

وما بين رحيل قاسم مسعد عليوة في يناير إلى رحيل رضوى عاشور وشيخ التربويين حامد عمّار في ديسمبر، نصب الموت شباكه، وراح يرمي المثقفين والمفكرين بنباله، فأصاب العديد.

العام بدأ حزينًا في مصر برحيل الأديب قاسم مسعد عليوة

وتوالت الضربات الموجعة، في مصر والعالم العربي، فتلا رحيل قاسم رحيل الفنان التشكيلي محسن شعلان في التاسع من فبراير المولود عام 1951.

ثمّ لحقه المفكر اللبناني الكبير جوزيف حرب، في الحادي عشر من فبراير والمولود في قرية المعمارية في جنوب لبنان عام 1944 وصاحب العديد من القصائد الشهيرة التي غنت له الست فيروز مثل “لبيروت”، “حبيتك تنسيت النوم”، “لما عالباب”، “ورقو الأصفر”، “أسامينا”، “أسوارة العروس”، “زعلي طول”، “بليل وشتي”، “خليك بالبيت”، “رح نبقى سوا”، “فيكن تنسو”، “البواب”، “يا قونة شعبية”، كما تولى رئاسة “اتحاد الكتاب اللبنانيين” من عام 1998 حتى العام 2002.


فاجعة لبنان


ولم يهنأ لبنان كثيرًا حتى فوجعت بوفاة الشاعر أُنسي الحاج في 18 فبراير عن عمر ناهز 77 عاما بعد صراع طويل مع سرطان القولون.

وفي مارس وبالتحديد في الثالث منه رحل فنان الثورة الفلسطينية إبراهيم محمد صالح الشهير باسم “أبوعرب” عن عمر ناهز 83 عاما في سوريا بعد صراعٍ مع المرض الذي لازمه في الأعوام الأخيرة.

وفي 16 مايو ودّعَ الفنّان العراقي نوري الراوي الحياة بأحد مستشفيات بغداد عن عمر ناهز 89 عاما، تاركا بصمته الواضحة في مسار حركة الفن التشكيلي بالعراق.

ثم لحقت به الكاتبة المصرية والمسرحية فتحية العسال في 15 يونيو صاحبة حضن العمر، وقد بدأت الكتابة الأدبية في عام 1957 واهتمت بالقضايا الاجتماعية وقضايا المرأة بشكل خاص، وقد تمّ اعتقالها ثلاث مرات بسبب كتاباتها عن قضايا المرأة.

في الثلث الأخير من العام وعلى الأخص في بداية أغسطس توالت سرادقات الموت، حيث رحل في السادس عشر من أغسطس فنان الكاريكاتير المصري مصطفى حسين، صاحب التجربة الثنائية الشهيرة مع الكاتب الساخر أحمد رجب، الذي لا يطيق فراق صاحبه، ويرحل بدوره بعد أقل من شهر على وفاة قرينه، فكأنما تعاهدا على ألا يفترقا في الدنيا وفي الموت، إذ يرحل هو الآخر في التاسع عشر من أغسطس.


شاعر المقاومة


ويرحل شاعر المقاومة سميح القاسم، عن عمر يناهز الخامسة والسّبعين عامًا مخلفًا تراثًا شعريًا حافلاً، ثم يترجل المفكر التونسي عبدالوهاب المؤدب أحد أهم المفكرين والمبدعين التونسيين، وأحد أهمّ الناشطين في الشأن الثقافي والحقل الأكاديمي بأوروبا في خصوص الثقافة العربية الإسلامية وتحاورها مع ذاتها ومع الثقافات الأخرى، وقد ترك للمكتبة العربية أكثر من ثلاثين كتابًا، كما ترجم رائعة الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشّمال» إلى الفرنسية.

وفي ذات اليوم الذي رحل فيه المؤدب، السادس من نوفمبر، يرحل الشّاعر اللبنانيّ جورج جرداق صاحب رائعة أم كلثوم هذه ليلتي، والمعروف عنه ولعه بحب الإمام عليّ رضى الله عنه، حتى أنه كتب عنه ستة مجلدات هي: “عليّ وحقوق الإنسان”، و”بين عليّ والثورة الفرنسية” و”عليّ وسقراط”، وصولاً إلى “روائع النهج”.

وفي 20 من أكتوبر ودّعت العاصمة السّودانية الخرطوم الشاعر والأكاديمي الدكتور محمد الواثق الذي يُعدُّ أحد أشهر شعراء السُّودان في العصر الحديث.

الشيء الملاحظ أن شهر نوفمبر هو الأكثر فقدًا للكتَّاب والمثقفين والفنانين؛ ففيه رحل الكاتب والمترجم المصري محمد إبراهيم مبروك، ثمّ يلحق به ساحر الرِّواية محمد ناجي، ثمّ الشّاعر اللبناني سعيد عقل المولود في مدينة زحلة شرقي لبنان عام 1912، والذي أثار جدلاً بموقفه إزاء القضية الفلسطينية، عن عمر تجاوز المئة بعامين بعد صراع طويل مع المرض، وقد لُقب بالشاعر الصغير نظرا لنظمه الشعر منذ الطفولة.

رحيل شاعر المقاومة سميح القاسم

وفيه يرحل الكاتب اللبناني منح الصلح صاحب المنتدى القومي العربي الذي شارك في تأسيسه منذ عام 1992، وكذلك العلّامة اللبناني هاني فحص عن 68 عاماً، نتيجة مضاعفات مرض في الرئة، وهو رجل دين لبناني شيعي، عرف بمناهضته لحزب الله وبانخراطه في العمل السياسي، ونشاطه في المجتمع المدني وفي مجال الحوار بين الأديان بالإضافة إلى أنه من رجال الدين القلائل الذين انخرطوا في العمل الحزبي العلني، بدأ حياته السياسية مع حركة فتح الفلسطينية، عندما كان مقر قيادتها في لبنان، وكان مقرباً من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ثم تنضمّ في نهاية شهر نوفمبر الأديبة الكبيرة رضوى عاشور صاحب “ثلاثية غرناطة”، و”أثقل من رضوى”، والمعروف عنها مواقفها المناهضة لسلطة الاستبداد، وقمع الحريات.


راحلون أواخر السنة


وقبل أن يطوي أوراقه الأخيرة رحل حامد عمّار شيخ التربويين العرب المولود في 25 فبراير 1921 في قرية سلوا بمحافظة أسوان (جنوب مصر) عن عمر يناهز الثلاثة والتسعين عامًا، بعد رحلة من العطاء العلميّ والفكريّ والجَلَدِ، وهو واحد من علماء التربية الذين أسهموا في الفكر التربوي بآرائهم أو بكتاباتهم أو حتى بمشاوراتهم، فكان نموذجًا للعالم الباذخ بعطائه، والمعلِّم والقدوة بتواضعه وزهده.

ثم يلحق به المخرج نادر جلال أحد أبرز مخرجي أفلام الحركة في السينما المصرية، التي قدّم لها أكثر من خمسين فيلمًا، ومن أشهر أفلامه الإرهابي ومهمة في تل أبيل وبخيت وعديلة بأجزائه.

ومن الأسماء المهمة التي رحلت في مجال الصحافة والسياسة في هذا العام، الكاتب سعد هجرس الذي ولد في مدينة المنصورة، وقد بدأ مسيرته في عالم الصحافة من خلال عمله في جريدة الجمهورية، وقد توفي في أواخر مايو.

وكذلك ترجل الكاتب اليساري البارز سعد زهران الذي خلّف وراءه العديد من المؤلفات الهامة منها، كتاب “في أصول السياسة المصرية”، وترجمات منها كتاب “بناء حضارة جديدة” للأميركي ألفن توفلر، و”الإنسان بين المظهر والجوهر” للفيلسوف الألماني إريك فروم.

المرض يطوي صفحة الإعلامي المصري وجدي الحكيم

كما ترجم رواية “عناقيد الغضب” الفائزة بجائزة بوليتزر عام 1940، وهي الرواية التي حاز مؤلفها الأميركي جون شتاينبك على جائزة نوبل للآداب عام 1962.

كما توفي كاتب السيناريو فايز غالي بعد صراع مرير مع المرض، وقبل أن يتجه إلى الفن السابع كتب في مجال القصة القصيرة، ثمّ توجّه لدراسة النقد فنال ديبلوم الدراسات العليا في النقد الفني من المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون بالقاهرة.

وبداية من عام 1974 كتب غالي السيناريو والحوار لأفلام سينمائية منها “ضربة شمس” و”الثأر” و”فارس المدينة” و”العوامة 70” و”يوم مر يوم حلو”، و”الإمبراطور”، و”الطريق إلى إيلات”.

وينضم إلى الراحلين في هذا العام صاحب خزائن “أسرار الفنانين” كما كان يطلق على الإعلامي المصري وجدي الحكيم عن عمر ناهز الثمانين عاما بعد صراع مع المرض، وقد عرف الحكيم باهتمامه الشديد بالموسيقى والغناء، وقد أجرى حوارات مع معظم نجوم الغناء وفي مقدمتهم: أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، ومحمد عبدالوهاب.

وكذلك رحل الكاتب الصحفي خالد السرجاني بعد أزمة قلبية مفاجئة.

كما رحل الصحفي محمد كمال رئيس مجلس إدارة روز اليوسف وصاحب أكثر الشخصيات جدلاً إبان الثورة المصرية بدفاعه عن مبارك. والبرلماني المشاغب أبوالعز الحريري، والمناضل السياسي أحمد سيف الإسلام نصير البسطاء والغلابة.


إقرأ أيضا:



◄ رحيل الناقد والشاعر الموريتاني محمد ولد عبدي



◄ الثقافة العربية لم تستفق بعد من الصدمة

15