عام السرد العراقي

الخميس 2016/12/29

لست موثّقا للحركة الأدبية في العراق في عامها الماضي ولست جامعا للإصدارات المثيرة والكثيرة التي حفل بها عام 2016 لكنني كالآخرين مثابر على متابعة الإصدارات الأدبية والنشاطات الثقافية التي اختلطت معها الأجيال الأدبية في النشر والعرض والبيع والمنافسة، وهذا شيء مقبول إذا أضفنا له النشاطات الثقافية العامة المختلطة التي حفلت بها المنتديات الأدبية ومراكز توزيع الأدوار الثقافية مع صدور مجلات تعنى بالآداب ومشتقاتها لا أحد يراها أو يقرأها أو يعرضها في الصحف المحلية التي تملأ الأرصفة كل صباح.

يمكن تأشير بعض المعطيات لهذا العام الثقافي على وفق متابعاتنا اليومية التي نراها تقف عند مهيمنين أساسيين لا ثالث لهما وهما المعطى الروائي الذي لا يزال يشهد انفجارا سرديا متلاحقا، والمعطى التشكيلي الآخذ بالحضور عبر معارض مديرية الفنون التشكيلية، بينما يتراجع المعطى الشعري وينحسر كثيرا سواء عند المتلقي أو حتى في النشر الشخصي قياسا لفنون أدبية أخرى كالرواية، على أن الأدبي صبّ اهتماماته على نحو متواضع على ملاحقة الإصدارات الروائية بأسماء محددة وبغياب أسماء لامعة كان لها الحضور المثري في المشهد الثقافي العراقي، ويختفي المسرح العراقي كليا من الحضور وتكاد السينما تُنسى تماما من ذاكرة التلقي العام كصناعة ناشئة لم تتطور منذ عقود طويلة حتى قضى عليها العقد الأخير مع السلطة الحاكمة التي لا ترى في السينما فنا سابعا قائما بذاته فقد تراها كوسيلة من وسائل اللهو غير الحميدة!

انحسار الشعر في السنوات الأخيرة تسبب به ظهور الرواية على نحو غير مألوف في المشهد السردي والثقافي العمومي، ومثل هذا الظهور أوجد معه التلقي العام لا سيما في وجود القارئ الشاب الذي خضع لسلطة السرد المتكاثر بطريقة فجائية. كما أحيته دور النشر التي تنافست في طرح المنتوج الروائي كبضاعة غير خاسرة تجد متلقيها دائما في مختلف الظروف الثقافية، إضافة إلى قلة مهرجانات الشعر التي تحكمت بها الظروف الأمنية السائدة في البلاد مثلما هو تحول الجلسات الشعرية المسائية إلى صباحية للسبب ذاته وبالتالي خسارة جمهور نوعي مرتبط بنهارات الوظيفة أكثر من لقاءات لا تقول إلا الشعر!

لم يستطع الشعر كسر الصورة النمطية المرافقة له منذ عقود طويلة لا سيما قصيدة النثر التي تخلفت عن سياقها الإبداعي وتحولت إلى لغة صورية لا تقول شيئا في النهاية، بمزاحمة السرد البارع في خلق أجوائه الشخصية مهما اختلفنا في تقييمه بالنهاية، لكنه تمكن من استيعاب المرحلة الحساسة التي شهدت أحداثا مروّعة في البلاد لم يكن الشعر قادرا على احتوائها بعكس الرواية التي انفتحت على مثل هذه الأحداث واستوعبت الكثير منها بدرجات فنية متفاوتة.

ومع أن ظروفا غير ثقافية عطّلت هذا النشاط أو ذاك كالظروف الأمنية اليومية إلا أن الفن التشكيلي مثلا، ومعه الرواية بطبيعة الحال، استطاعا أن يتوصلا إلى حلول جزئية، ومع هذه الجزئيات لا أحد يستطيع إغفال المنجز لهما، بينما لم يستطع الشعر أن يلتحق بركبهما الإبداعي.

سيادة الرواية سيادة مطلقة على مجمل الإصدارات الأدبية في هذا العام، كما في الأعوام التي سبقته، وبحسب باحث أكاديمي يهتم بالتوثيق الأدبي فإن كمّا غير مسبوق من السرديات الروائية صدر هذا العام بما يقارب 80 رواية معظمها لشباب غير معروفين نشروا مع مدّ الموجة الروائية التي غزت البلاد منذ عام 2003 وحتى اليوم، وساعدت بذلك دور النشر التي توجّه اهتمامها للكسب المادي من دون النظر إلى الجودة الفنية حتى ولو في حدّها الأدنى، وتسابقت معها دور النشر اللبنانية والسورية والأردنية والمصرية للاستحواذ على هذا النصيب المادي من دون أن تكون هناك خطط لاستيعاب هذا الكم الكبير من السرد.

كاتب من العراق

14