عام الفنان السوري في لبنان: حرية أكثر.. قيود أكثر

الثلاثاء 2013/12/24
فجيعة وغرابة في معرض ثنائي لمحمد خياطة وغنى سباعي

أقيمت العديد من المبادرات التي تهدف إلى استخدام الفن كأسلوب علاجي، بصورة أدق “العلاج بالفن”، شارك ناشطون بدعم من مؤسسات المجتمع المدني وعملوا على تعليم الأطفال من سوريا الرسم كأسلوب للتعبير، وذلك في المخيمات المختلفة في لبنان، يساعد هذا الأسلوب الأطفال على التعبير عما يمرون به كوسيلة للتطهير من المأساة، تقول ع. س. 23 عاما: “عملنا هذا تطوعي بحت، الهدف منه مساعدة الأطفال وتقديم ما نستطيعه لهم كفنانين شباب”، وقد أقيمت العديد من المعارض ضمن لبنان وخارجه كمعرض “الفنون السورية- بيروت” الذي شارك فيه فنانون كبار مثل يوسف عبدلكي وحسين ماضي، وقد بلغ ربع المعرض حوالي الـ600 ألف دولار. كما أقيمت معارض متخصصة برسوم الأطفال، في حين أن هناك بعضا من الرسومات التي لم تر النور، واستخدمت لأسباب بحثية أو ضمن منشورات على مستوى ضيّق في سبيل جمع التبرعات.


أزمة سورية


لم يقتصر استخدام الفنون البصرية والفن التشكيلي على الجانب العلاجي/ الدعائي، بل امتدّ إلى الجانب الفني من قبل محترفين، حيث شكّلت سوريا مصدرا فريدا للإلهام، فالفنان السوري الشاب عبد الله عمري مثلا قدّم سلسلة لوحات تمثل أطفالا من سوريا مخضبين بالدماء، عاكسا موقفا إنسانيا لا يمكن إلا للفن وحده التعبير عنه تكثيفا لهذه المعاناة. كذلك نجد الفنان السوري فادي الحموي الذي أراد توريط المتلقي في المأساة، حيث أقام في المعرض الأخير الذي شارك به “أرتيوم بيروت” أو “تركيب- installation” بعنوان “إلى من يهمه الأمر” يمثل منزلا مهدما يحوي تلفازا قديما، لا بدّ للمتلقين أن يشاهدوا الخراب بأمّ أعينهم ضمن توليفة فنية تصعد المشاعر وتصدم المتلقي.

العمل التركيبي "إلى من يهمه الأمر" لفادي الحموي

ويبرر فادي سبب استخدامه لهذا الأسلوب: “نحن جميعنا مشاهدون، ولكن هناك فرق بين المشاهد على التلفاز والمشاهد على أرض الواقع، فعندما تدخل الغرفة المدمرة (العمل التركيبي) وتنظر إلى التلفاز سوف ترى صورتك على شاشته من خلال كاميرا مخفية بين الركام تصور وجهك، هي ازدواجية المكان والزمان والشعور”.

أقيم مؤخرا في بيروت “معرض الفن السوري المعاصر” الذي رغب منظموه في إقامته بدمشق، لكن الظروف في سوريا حالت دون ذلك، فاحتضنته بيروت، وشارك فيه حوالي خمسين فنانا سوريا، وكأن هذا المعرض بيان للعلن، إن الفن السوري موجود بالرغم من الحرب التي تمرّ بها البلاد.

تقدم هذه المحاولات الفنية صورة مجازية وتعبيرا فنيا عن الرفض للنظام القائم عبر إعادة تمثيل الدمار الذي سببه، لكن هناك محاولات أكثر صراحة استخدمت الفن كأسلوب للتعبير عن الموقف الفكري والسياسي تمثلت بالكاريكاتور، فالفنان الشاب جوان زيرو أقام معرضا للكاريكاتور في العام الماضي ببيروت برعاية مؤسسة سمير قصير، بالإضافة إلى استخدام صفحته على الإنترنيت لنشر أعماله التي وصل بعضها إلى صفحات الدوريات والمجلات.

إلى من يهمه الأمر} يمثل منزلا مهدما يحوي تلفازا قديما، لا بد للمتلقين أن يشاهدوا الخراب بأم أعينهم ضمن توليفة فنية تصعد المشاعر وتصدم المتلقي

بعض الذين عجزوا عن إقامة معارض لنقص التمويل أو عدم ملاءمة الظروف لجؤوا للإنتريت والفايسبوك لترويج أعمالهم، وإقامة معارض رقمية بهدف عرض أعمالهم على نطاق واسع، وقد أقيمت عدة صفحات قصد المشاركة والترويج لهذه الأعمال الفنية كـ”معرض الثورة السورية للفنون”.

ما يميز هذه التجارب أن معظمها كان يشارك في معارض، ويعرض للعلن بصورة قانونية ضمن لبنان على النقيض مما كان يحدث في سوريا، وحتى أن البعض أقام معارض فردية في بيروت، كل منها يحمل صبغة خاصة بالرغم من اختلاف توجهاتها، فبعض الفنانين رفضوا أن تكون المأساة في سوريا مصدرا لإلهامهم كمحمود داود الذي يرى في الأمر استغلالا للمأساة على حساب دماء الشعب والموت اليومي، كانت لوحاته ومعرضه القادم بعيدة عن سوريا ولا تستخدمها كصفة أساسية ولا تجارية، كما فعل البعض حيث كان ريع المعرض يعود إلى مؤسسات الإغاثة، حيث ينال الفنان الدعاية والشهرة التي يريد أو ببساطة يستخدم “الموت في سوريا” كأسلوب للترويج من أجل البيع.


سوري ولبناني


الغريب في الأمر أن العلاقة بين الفنان السوري والفنان اللبناني قائمة على نوع من التنافس فأغلبية الفنانين السوريين لم يأتوا إلى لبنان لاجئين “أي يعيشون في المخيمات”، بل معظمهم أتوا للحياة بصورة طبيعية كباقي اللبنانيين -ليسوا لاجئين-، مما خلق منافسة جديدة للفنان اللبناني، وأحيانا نوعا من “الحزازة” بين الفنانين من الجنسيتين، بالرغم من قيام بعض المعارض المشتركة كحالة محمد خياطة وغنى سباعي، حيث شهد المعرض إقبالا من الجنسيتين، لكنه يمثل حالة نادرة.

بعض الذين عجزوا عن إقامة معارض لنقص التمويل أو عدم ملاءمة الظروف لجؤوا للإنترنت والفايسبوك لترويج أعمالهم، وإقامة معارض رقمية بهدف عرض أعمالهم على نطاق واسع

وهذه الحالة بين “مجتمع الفنانين” يمكن أن تقل في حال ازدياد التعاون بين الفنانين، ولا بدّ في النهاية من أن تلعب البراعة الفنية دورها بالطغيان على الأمور الشخصية، بحيث يتمّ تبادل الخبرات والتجارب، لا يقتصر الأمر على الرفض كما في بعض الأحيان. فبعض اللبنانيين الذين يرون وجود السورين “احتلالا ناعما”، وفئة ترفض وجود السوريين بسبب التاريخ الذي يربط البلدين والاختلافات الطائفية والمناطقية.


الفن والمال


بالرغم من العديد من الإيجابيات التي تقدمها لبنان للفنان السوري إلا أن هناك العديد من السلبيات التي لا يمكن أن تتضح إلا بعد الاطلاع على الأمور الإدارية والتنظيمية، فالمشاركة في بعض المعارض الجماعية تتطلب دفع مبلغ معين من النقود، إما لحجز جدار أو مكان للوحة قد يبدأ من 200 $ ويصل حتى 1500 $، وعلى الفنان دفعها بنفسه لمنظمي المعرض -هذا المبلغ يشتمل نفقات خدمية تتعلق بالإضاءة والتزيين وأجور بعض العاملين- كي يتمكن من المشاركة بالإضافة إلى أوقات الحجوزات، بعض المعارض محجوزة لمدة سنة أو سنتين، ناهيك عن بعض المشكلات التي واجهت بعض الفنانين حديثي القدوم/ الهروب إلى لبنان، حيث اضطروا إلى تهريب لوحاتهم من دمشق أو غيرها وصولا إلى لبنان خوفا من المصادرة على الحدود أو دفع ضريبة جمركية.

16