عام الفيلم

الأربعاء 2015/06/03

في مقطع من رواية “مقبرة براغ” لأمبرتو إيكو، يتحدث السارد عن فوائد الكوكايين بولع شديد، منوها بمفعوله السحري في إبعاد الجوع، والنوم، والتعب، مشيدا بفعاليته في الشفاء من علل التخمة وأوجاع المعدة، والانفعال النخاعي، وألم الأسنان… مبرزا فائدته في إعادة الثقة للمكتئب وفي إنعاش الروح. السارد في هذا المقطع الروائي ليس شخصا آخر سوى المحلل النفسي “فرويد”، وفي الصفحة المقابلة لهذه الفقرة الطباعية، نجد صورة لإعلان قديم عن فوائد الكوكايين صادر عن شركة عقاقير ألبانية.

تبدو مسألة النشوة الصاعقة أساسية في تفاصيل نص “مقبرة براغ”، الدائرة أحداثه في العوالم الكابوسية للماسونيين واليسوعيين واليهود الأفّاقين، وبين الشخصيات الحربائية المرعبة للمزورين والقتلة، لكنها تعبر دوما بخفة بين الأسطر لتترك القارئ منشغلا بالصفحات الطويلة المخصصة لهجاء اليهود والفرنسيين والإيطاليين والإكليروس والحاخامات، تعبر بخفة المسلمات المفروغ منها، التي تقترن دوما بمدعين مهرة، بالطبع لم يخطر ببال إيكو مطلقا أن قراءه سينطلقون بمجرد الانتهاء من الرواية في رحلة للبحث عن العقار الخطير، كما لم يتبادر إلى ذهن أي محلل أدبي أن يعتبر النص ترويجا غير مشروع للمخدرات الصلبة.

تبادرت إلى ذهني كل هذه الأفكار، عزيزي القارئ، وأنا أعيد التأمل في تلك المواقف العصابية التي استثارها فيلم مغربي محدود القيمة بعنوان “الزين اللي فيك” لمخرجه نبيل عيوش، يحكي عن العوالم السفلية لعاملات الجنس ومن يدور في فلكهن الجهنمي من تجار مخدرات وسماسرة وقوادين، بيد أن ما جعل طعم الفيلم حريفا لدى جمهور المتلقين المغاربة، هو تضمنه للعديد من المشاهد الجنسية المكشوفة، التي أداها ممثلون مغاربة.

طبعا لست هنا في وارد إصدار حكم عن الفيلم، فما أسعى إلى استثارته، في هذا المقال، هو تلك الذهنية الدونكيشوتية التي تصرّ على اعتبار الفيلم حقيقة واقعية، والممثلة التي تشخص دور عاهرة، يجب أن تتابع أمام القضاء، ويقام عليها حدّ الزنا، وطبعا إذا انصاع القضاء لمثل هذه الدعاوى الخرافية، فهو مدعو أيضا لمتابعة كل مرتكبي جرائم القتل والسرقة والاختلاس والتزوير في الأفلام والمسلسلات.

النشوة الشيطانية، واللذة المحرمة، والمروق عن المعتقدات نوازع أزلية في الرواية والشعر والسينما والمسرح، ليس لأنها زيغ أخلاقي، ولكن لأنها تعبّر عن حالة قلق وجودي ملازم للكائن الإنساني، لهذا راكمت الحضارات الإنسانية عبر الزمن معايير ذوقية دقيقة للفصل بين الوقائع والكتب، وبين الجد واللعب، ومن ثم فقد بدت وقائع محاكمات المبدعين وإحراق الكتب واغتيال المفكرين والأدباء، على الدوام، باعتبارها طرائف تنتمي إلى تقاليد ذهنية مندثرة، وإلى وعي جماعي لم يعد له وجود إلا في المثلث الجغرافي الذي يتوق فيه الناس إلى السيف والخيل والبيداء.

كاتب من المغرب

15