عام تشكيلي عربي بدأ بحضور شقير وانتهى بغياب الناصري

الاثنين 2013/12/23
معرض الفنان البريطاني داميان هيرست (رفات) بالدوحة

يميل البعض من المهتمين في الشأن التشكيلي إلى اعتبار معرض الفنان البريطاني داميان هيرست (رفات) الذي أقيم مؤخرا في متحف الفن العربي بالدوحة أهمّ حدث فني شهده العالم العربي خلال سنة 2013. قد ينطوي ذلك الميل على نوع من محاولة الترويج الدعائي للعاصمة القطرية، باعتبارها واحدة من المدن العربية الصاعدة عالميا على مستوى الاهتمام بالفنون ورعايتها.

هي محاولة عبرت عن نفسها من خلال الحضور القوي لبعض الشخصيات الرسمية القطرية في المزادات الفنية العالمية. كانت لوحة “لاعبو الورق” للفرنسي بول سيزان قد تمّ اقتناؤها من قبل شقيقة الأمير الحالي، والتي تشرف بنفسها على إدارة المتاحف الفنية.

وكما أرى فإن نزعة قطر للتوسع والاستثمار في هذ المجال لا تقف وراءها عقدة “دبي” وهي المدينة التي صارت تضمّ عشرات القاعات الفنية إضافة إلى سوقها الفني السنوي الكبير “آرت دبي”، بقدر ما تعبر تلك النزعة عن رغبة قطرية لملء الفراغ الذي حدث بسبب انكفاء المدن العربية الكبيرة التي عرفت بتاريخها الفني العظيم على نفسها.

أقصد (القاهرة، بغداد ودمشق). فالمدن الثلاث وبسبب الأوقات العصيبة التي تمرّ بها لم تشهد أي نشاط فني، يؤكد قدرتها على استعادة ماضي حيويتها الفنية.

بيروت وحدها ظلت وفية لسمعتها التاريخية، فلم يمرّ أسبوع من غير حدث فني تشهده هذه القاعة الفنية أو تلك، بالرغم من أن تفاوتا ملحوظا في المستويات الفنية ظل مهيمنا بطريقة تكشف عن تدنّ لافت في مفاهيم العرض والتسويق، وهو ما يعبر عنه عزوف الكثيرين من شباب الفن عن ممارسة الرسم والنحت ولجوئهم الى استعمال تقنيات الميديا المعاصرة في التعبير عن أفكارهم.

الرسام العراقي رافع الناصري كأنه قد خطط لتلويحة وداع تشبهه وتذكر به، لقد قدر له قبل أسبوعين من وفاته أن يحضر افتتاح أول معرض استعادي يقيمه لأعماله الفنية

ومع ذلك يمكننا أن نذكر ثلاث قاعات على الأرض، ظلت محافظة على مستواها الرفيع، هي “أجيال” و"جنين أربيز" و”مارك هاشم”.


غيراغوسيان مستعاد


لقد شهدت بيروت معارض فردية كثيرة، غير أن معرضا استعاديا أقيم في مركز بيروت للفنون “بيال” في أكتوبر/ تشرين الثاني للفنان اللبناني الراحل بول غيراغوسيان يظل هو الحدث الفني الأهم الذي شهدته تلك المدينة. غيراغوسيان كان دائما الرسام اللبناني الأكثر مبيعا، فلم يعرض مرة إلا وبيعت أعماله بكاملها بعد ساعات من افتتاح المعرض. كان هذا الرسام المولود في فلسطين عام 1925 من أبوين هاجرا من أرمينيا بحثا عن مكان آمن غزير الإنتاج، دائم التحول. بعد وفاته عام 1993 ارتفعت أسعار لوحاته بطريقة جنونية، لذلك لجأ المزورون إلى تزييف لوحاته. وهو ما جعل الكثير من مقتني الأعمال الفنية يترددون حين تعرض عليهم لوحة موقعة باسم غيراغوسيان.

المعرض الاستعادي الذي ضمّ أكثر من مئة قطعة كان مناسبة للاطلاع على مراحل فنية، كان الفنان قد تجاوزها أسلوبا بالرغم من قيمة إنتاجه الفني أثناءها، وبالأخص رسوم الأيقونات ورسوم الأشخاص.

بين التجريد والحرب


وإذا ما عدنا إلى منطقة الخليج العربي، فإن حدثين فنيين، كانا قد تقدّما على الأحداث الفنية الأخرى، لما انطويا عليه من دلالات وإشارات، بعضها تاريخي والبعض الآخر له علاقة بما يشهده العالم العربي من تحولات على المستوى السياسي. الأول هو معرض “تجريد: أعمال مختارة من الفن التجريدي العربي” والذي احتضنته قاعة كاب في الكويت، والثاني هو معرض الفن السوري الذي أقيم في قاعة “ميم” بدبي.

كان الهدف من المعرض الأول الذي ضمّ أعمالا لـ88 فنانا عربيا (وهو الجزء الأول المخصص للفنانين الذين ولدوا بين سنتي 1908 و1960) محاولة لتسليط الضوء على حركة الفن التجريدي في العالم العربي، من حيث أساليبه ومقترحاته الجمالية وفنانوه. وهو ما يضفي على هذا المعرض قيمة فكرية استثنائية، باعتباره خطوة رائدة، غير مسبوقة في مجال إعادة تعريف وقراءة تاريخ الفن في العالم العربي. فكرة المعرض المتحفية يمكنها أن تؤسس لسياق نقدي في النظر إلى رسوم الكثير من الرسامين من جهة وضعها في مكانها التاريخي المناسب. كانت هناك أعمال رائعة لصليبا الدويهي، شاكر حسن آل سعيد، شفيق عبود، فريد بلكاهية، فؤاد بلامين، آدم حنين، كمال بلاطة، محمود حماد، محمد المليحي، محمد عمر خليل، نذير نبعة، حسن شريف، رمسيس يونان وآخرين.

أما المعرض الثاني الذي أقامته قاعة “ميم” فقد ضمّ أعمالا لسبعة من الفنانين الطليعيين السوريين، هم: يوسف عبدلكي، إدورد شهدا، ياسر صافي، عبد الله مراد، ناصر حسين، فادي يازجي ومنير الشعراني. وإذا ما كان عنوان المعرض لا يعبر عن حقيقته، فالعنوان شامل أكثر من أن تحتويه تجارب سبعة فنانين من سوريا، بالرغم من أهمية تلك التجارب. وكما يبدو فإن ما تشهده سوريا من أحداث ساخنة كان مدخلا للعودة إلى الفن التشكيلي السوري، حيث صارت قاعات بيروت تشهد إقامة الكثير من المعارض الفردية والجمعية لفنانين من سوريا.


شقير في "التيت مودرن"


كان معرض الفنانة اللبنانية سلوى روضة شقير في الـ”تيت مودرن”، حدثا فريدا من نوعه. ذلك لأن المتحف البريطاني لم يُولِ من قبل أيّ اهتمام للفن العربي.

الفنانة التي تبلغ من العمر ثمانية وتسعين عاما لم تكن قد نالت شهرة واسعة في العالم العربي. لذلك يبدو اهتمام “تيت مودرن” بأعمالها مثيرا للدهشة.

وهو ما يطرح مرة أخرى مسألة كسل المؤسسة الفنية العربية في اكتشاف مواقع الإبداع في الجسد الفني العربي. لم تكن شقير التي تميزت أعمالها بتأثرها بالفنون الإسلامية قد أقامت من قبل إلا معارض صغيرة وفي أماكن يغلب عليها الطابع النخبوي.

وهو ما تعكسه أعمال التجريد البارد، في النحت أو الرسم على حدّ سواء. بعد شقير يخطط “تيت مودرن” لإقامة معرض استعادي كبير للفنان اللبناني عارف الريس، وكان قد اقتنى قبل أشهر لوحة كبيرة للفنان العراقي ضياء العزاوي مستلهمة من مجزرة مخيم تل الزعتر الفلسطيني في لبنان.

رحيل رافع الناصري


كما لو أن الرسام العراقي رافع الناصري قد خطط لتلويحة وداع تشبهه وتذكر به. لقد قدّر له قبل أسبوعين من وفاته أن يحضر افتتاح أول معرض استعادي يقيمه لأعماله الفنية، وهو المعرض الذي يؤرخ لخمسين سنة من الرسم، بدأت بعام عودته من الصين، حيث درس الفن هناك من 1959 حتى 1963 وانتهت بعام 2013 عام غيابه الأخير.

رافع الناصري المولود في تكريت، غرب العراق عام 1940 كان قد درس الرسم ومن ثم فن الحفر الطباعي في بغداد وبكين ولشبونة.

وكان عام 1969 قد ساهم في تأسيس جماعة الرؤية الجديدة، وهي واحدة من أهم الجماعات الفنية الطليعية التي سعت إلى تحقيق توازن بين الاندماج بروح العصر وبين الدعوة إلى إقامة فن محلي بنكهة تراثية.

أسس الناصري فرع الحفر الطباعي في معهد الفنون الجميلة وأشرف عليه إلى أن غادر العراق، ليقضي العشرين سنة الأخيرة من حياته مقيما في العاصمة الأردنية عمان بعد أن كان قد درس الفن في جامعة البحرين.

خمسون سنة من سيرة رافع الناصري الإبداعية كانت بمثابة تلويحة جمالية لفنان سيشكل غيابه خسارة كبيرة للفن العربي.

16