عام تشكيلي عربي لم يكن فضاء للذكرى ولكن لاستمرار المغامرة

الاثنين 2014/12/29
الإسكندرية تعيد محمود سعيد إلى بحرها

بروكسل- يجدر ألا يكون عام 2014 عاما للوداع فنيا؛ هناك وقائع يمكنها أن تشكل نوعا من الترف الاستثنائي، روح مدينة هنا وهناك عبر العالم العربي كانت تسعى إلى استشراف غدها الجمالي من خلال الرسم بالتحديد.

النحت غائب عن الحياة العربية، بل إن أحدا يكاد لا يعرفه لولا المعرض الاستعادي الذي شهدته بيروت لأعمال ميشال بصبوص، وهو معرض ما كان له أن يقام لولا جهود فذة بذلها صالح بركات، صاحب ومدير قاعة “أجيال”، التي شهدت أيضا إقامة معرض فريد من نوعه للبناني شفيق عبود الذي عاش جل حياته في باريس وكان جزءا من مدرستها.

كانت هناك استعادات كثيرة في 2014، غير أنها لم تكن لتخفي حجم الخسارة التي تكبدها التشكيل العربي بغياب المغربي فريد بلكاهية والعراقي نوري الراوي.

لم يكن بلكاهية آخر الستينيين، فلا يزال محمد المليحي وهو ابن جيله قادرا على العطاء، غير أن الراوي من خلال غيابه كان قد طوى آخر صفحات الريادة الفنية في العراق.

في السنة نفسها كان افتتاح متحف محمود سعيد وسيف وأدهم وانلي في الإسكندرية بمصر حدثا خارقا في معانيه، من خلاله استعادت مصر وجهها الحداثي.

وهو ما فعلته الدوحة بطريقة مختلفة، حين خصص متحف الفن العربي فيها فضاءه لعرض رسوم إيتيل عدنان، الرسامة والشاعرة والكاتبة، المقيمة بين كاليفورنيا وباريس.

ربما كانت بيروت كعادتها تضلل من ينظر إليها ليصل إلى مغزى ما تريد الوصول إليه. فإذا كانت تلك المدينة الصغيرة قد احتوت الفن السوري الذي لم يعد يجد متنفسا له في حمى الحرب، فإنها أيضا كانت حريصة على استقبال تجارب فنانين معاصرين عالميين، ستكون عروضهم بمثابة درس في النظر إلى الفن كما في طريقة النظر إليه.

لا تزال بيروت بالرغم من فقر خيالها السياسي مدينة مثالية للفن، فهل كانت بيروت تتحدّى جديدها بقديمها وتفعل العكس بالقوة نفسها؟ ما تشهده بيروت دائما لن يتكرر في مدينة عربية أخرى.

كان خان الفنون في عمان مناسبة لكي تختبر جمانة مصطفى طريقتها في النظر إلى الفن العربي، وكانت أحلام لمسيفر قد اخترعت طريقة أخرى لضمّ الفنانين المغاربة المهاجرين إلى المشهد الفني المغربي في تجربتها الشخصية بمدينة أصيلة.

إيتيل عدنان أسست لطريقة خاصة في النظر إلى الفن، حيث يكون الفن امتزاجا لما هو شخصي بما هو طبيعي

أما مهرجان المحرس التونسي فقد ألقى عليه غياب مؤسسه يوسف الرقيق بظلال حزينة. كانت للرقيق حساسية مختلفة، لم تعد نبوءته ماثلة في أذهان أسلافه، تونس هي أخرى بعد ربيعها.

علينا أن نفكر في عواصم الدول التي نجت من ذلك الربيع، كان المحترف الفني البحريني ضيفا على موسم أصيلة الفني في المغرب، هل ترك ذلك المحترف أثرا؟ كنت ضيفا في ندوة أقيمت هناك عن الفن العربي. لم يكن هناك أحد من البحرينيين، لقد غادروا جميعا بعد أن تركوا أعمالهم معلقة على الجدران، هذه بلاد آمنة، لقد نسيها الشيطان.

هناك بالتأكيد مسافة للفن العربي يمكنه من خلالها أن يكون موجودا بغض النظر عن التاريخ. وهناك السوري يوسف عبدلكي الذي أقام معرضا في باريس بقاعة كلود ليمان.

هناك العراقي سلام عمر الذي أقام معرضا في قاعة أجيال ببيروت. وهناك المغربي أحمد جاريد والسوداني راشد ذياب وقد أقاما معرضا مشتركا في قاعة بو شهري بالكويت، وهناك أيضا السوري ثائر هلال الذي استضافت قاعة أيام أعماله في دبي ولندن. لم يكن عام 2014 إذن فضاء للذكرى، ولكن هل يقاوم الفن الذكرى؟

هل كانت العودة إلى ميشال بصبوص (1921 /1981) ضرورية؟ هو الأخ الأكبر في عائلة نحاتين استطاعت أن تضع ضيعتها المنسية “راشانا” على خارطة الأماكن الفنية الأكثر شهرة في العالم.

غير أن ما فعله بصبوص من أجل ضيعته حين ملأها نصبا وتماثيل قادمة من مختلف أنحاء العالم شيء، وقيمته الفنية العالية التي كشف عنها المعرض الاستعادي الذي أشرف على إقامته ابنه أناشار والناشط الفني صالح بركات شيء آخر.

فالمعرض الذي ضمّ أعمالا من مختلف مراحل الفنان، كان فرصة لكي تطلع أجيال من الفنانين على ما لا تعرفه من سيرة بصبوص المكتظة بتحوّلاتها التي تشهد على السعة الجمالية لخيال فنان، استطاع أن ينصت إلى أصوات المواد التي استعملها.


المسافر على جناحي البراق

لا تزال بيروت بالرغم من فقر خيالها السياسي مدينة مثالية للفن


برحيل الرسام نوري الراوي (ولد عام 1925)، فقد الفن العراقي آخر رواده الذي ألهم أجيالا من الفنانين طريقة تفكير حديثة في الفن، فالراوي لم يكن مجرد رسام متمكن من حرفته، كان أيضا مفكرا وناقدا ومروّجا للمعرفة الفنية من خلال برنامج تلفزيوني أسبوعي، كان الراوي يقدّم عبره بلغة أنيقة لا تتسم بالحذلقة آخر ابتكارات الفنانين في العالم.

غير أن الحدث الأبرز في حياة نوري الراوي يكمن في قيامه بتأسيس أول متحف للفن الحديث بالعراق، وهو المتحف الذي نهبت محتوياته في أيام الغزو الأميركي الأول عام 2003، أي بعد أربعين سنة من تأسيسه، كان الراوي المولع برسم البراق المحلق في فضاء مدينته الخيالية، نموذجا للفنان الذي يضع التاريخ دائما نصب عينيه.

المفاجأة لمعت من متحف الفن الحديث بالدوحة، حيث تخلى عن عاداته التي كانت تغلب كل ما هو عالمي -وإن كان زبدا- على كل ما هو عربي وإن كان فيه ما ينفع الناس، وذلك حين أقام معرضا استعاديا للرسامة والشاعرة والكاتبة إيتيل عدنان، كانت المفاجأة سارة فعلا.

فالرسامة التي ولدت عام 1925 في بيروت من أب سوري وأم يونانية، كانت قد عرفت كيف تتوارى خلف شخصياتها الإبداعية المتعددة؛ فقد لا يكون من قرأ أشعارها ونثرها الصافي قد رأى رسومها، وقد لا يكون من شغف برسومها التي تقلد ضمنها الماء في رقرقته قد قرأ لها حرفا واحدا.

في كل انشغالاتها الإبداعية كانت عدنان تؤسس لطريقة خاصة في النظر إلى الفن؛ طريقة يكون فيها الفن محصلة لامتزاج ما هو شخصي بما هو طبيعي، ففي كل ما فعلته إيتيل عدنان كان الرسم هو المصدر الذي تنبعث منه الأصوات القادمة من مكان وطئته قدماها اللتين لم تكفا عن الترحال.

كانت الفرنسية لغتها الأولى، بعدها تعلمت العربية، وبذهابها إلى الولايات المتحدة أغواها خيال اللغة الأنكليزية؛ هي علامة شاخصة بين الثقافات، وهي اللغز الذي حمل العاطفة العربية إلى بقاع مختلفة من العالم.

افتتاح متحف محمود سعيد وسيف وأدهم وانلي في الإسكندرية بمصر أعتبر حدثا خارقا في معانيه

لا شيء يجمع بين الرسام المغربي أحمد جاريد والرسام السوداني راشد ذياب، سوى شغفهما الغامض برسم الماضي الروحي لكائنات لا تزال على قيد الحركة، حيوية كائناتهما هي ما دفعت بهما إلى إقامة معرض مشترك في قاعة بوشهري في الكويت.

ربما فكرا في أن ذلك العرض المشترك الذي هو أشبه بالمكيدة، سيكون مناسبة لإلغاء الفجوة بين ما هو تشخيصي وما هو واقعي، فلجاريد التجريدي ولعه في المساءلة التشخيصية، كما أن لذياب همسه اللوني الذي يصل إلى التجريد منغما.

كان المعرض خطوة ذكية من جهة قدرته على الجمع لا بين التشخيصي والتجريدي فحسب، بل وأيضا بين فنانين قد لا يلتقيان إلا عن طريق الصدفة العابرة.

هل كانت قاعة “أجيال” البيروتية محظوظة بحصولها على رسوم لم يكن رسامها يرغب في عرضها؟ هناك شيء من الفطنة الذكية يقف وراء ذلك العرض المشوّق لرسوم لم يتعرف عليها أحد من المعجبين بفن شفيق عبود (1926 /2001)، الذي عرف رساما تجريديا، بعد أن هاجر إلى باريس وتأثر بأساليب فناني مدرستها.

في المعرض البيروتي يظهر عبود بطريقة مختلفة تماما، لقد رسم الرجل نساء أحب أن يرسمهن بطريقة مغايرة. كانت دفاتره تشي بقدر هائل من الإحساس، الذي صار يعبر عنه في ما بعد من خلال انفجارات لونية تحفظ للتناقض اللوني قدرته على إحداث أكبر حيّز ممكن من الانسجام.

كان معرض 2014 بمثابة إعادة اكتشاف لشفيق عبود الذي كان في سنواته الأخيرة حريصا على أن يستلهم المشهد اللبناني.

المراكشي الذي تتبعه أصوات مواده، هو فريد بلكاهية المولود عام 1934، صاحب المساحة التي لن يخطئها أحد، كان واحدا من أهمّ فناني عقد الستينات في القرن الماضي، ولد في مراكش وكان وفيا لتقاليد تلك المدينة العريقة.

راشد ذياب يرسم كائنات لا تزال قيد الحركة

لم يكن فنه شعوبيا، بالرغم من أنه استلهم من أساليب الفن الشعبي في طريقة تفكيره في الفن، من حيث أشكاله، والأهم موادّه. احتفى بالجلد والحناء باعتبارهما خلاصتين واقعيتين لخيال مغربي نقيّ. حين رأيت واحدة من لوحاته في مركز جورج بومبيدو بباريس، شعرت بصدق المقولة التي تركز على المحلية باعتبارها طريقا إلى العالمية.

الرسام الذي غادرنا، ترك وراءه درسا لا ينسى، ما من شيء من الجمال يبقى إلا بسبب ما ينطوي عليه من صدق تعبيري؛ كان بلكاهية قد اكتسب صدقه من علاقة أقامها بخيال شعبه، ولا تزال حيويته تأسر كل مريديه.


في ذكرى الإسكندرية


ربما تأخر المصريون في الاحتفاء بأبنائهم محمود سعيد والأخوين سيف وأدهم وانلي، ما من شيء يوحي بالسعادة المصرية مثلما تفعل رسوم هؤلاء الثلاثة.

وإذا ما كان عام 2014 قد شهد افتتاح متحف للثلاثة في الإسكندرية، المدينة التي ولدوا وعاشوا فيها ورسموها، فإن ذلك لا يعني أن المصريين لم يكونوا مسكونين بحب أولئك الرسامين، الذين كانوا في درجات متفاوتة من صناع الفن المصري الحديث.

فمحمود سعيد (1897 /1964) كان دائما هو الأب الرسمي للفن المصري الحديث، وأما سيف وانلي (1906 /1979) وأخوه أدهم (1908/1959) فإنهما وضعا الإسكندرية، مدينتهما الحبيبة على خارطة المدن التي ترى من خلال الرسم.

ما فعلاه يذكر برباعية الإسكندرية للورنس داريل، هل كان الشاعر اليوناني، ابن الإسكندرية كافافي، حاضرا في رسومهما؟ فكرت جمانة مصطفى، الشاعرة الأردنية في تواشج الفنون فأقامت خانا للفنون، وهي تقصد الشعر والرسم، لكن من خلال استعراضهما أمام عامة الناس.

كانت الدعوة عامة للجميع لحضور فعاليات المهرجان الذي استمرّ أسبوعا في قاعة “دار الأندى”، غير أن مدنا أردنية عديدة كانت قد شهدت جزءا من أطراف المحاولة الجمانية.

أما الرسامون القادمون من مختلف أنحاء العالم العربي، فقد اكتشفوا عمّان بعيني الشاعرة جمانة مصطفى، باعتبارها مدينة لحلم استثنائي يرى وجوده مجسدا في ما لا يرى وهو الشعر، وفي ما يرى وهو الرسم. كانت عمّان في خان فنونها واحدة من اقتراحات عام 2014 الفاتنة.

16