عام ثقافي هزيل في الجزائر في غياب الرؤية والمشاريع الجادة

رغم تنظيم عدة فعاليات في إطار الاحتفال بقسنطينة عاصمة للثقافة العربية هذا العام، فإن الجزائر عانت من صعوبات ثقافية عديدة تجاوزت حتى تظاهرة قسنطينة لتشمل أيضا معرض الكتاب في دورته الأخيرة في شهر أكتوبر من هذه السنة حيث اشتكى المعرض وفعالياته من غياب بعض العناوين الهامة وامتناع بعض الكتاب عن الحضور لأسباب مختلفة. "العرب" ترصد عاما من الثقافة في الجزائر، وتقدم آراء بعض مثقفي هذا البلد العريق حول واقع الثقافة فيه.
الثلاثاء 2015/12/29
قسنطينة كشفت واقعا ثقافيا مضطربا

لم تشهد القاعدة الثقافية المادية في الجزائر لعام 2015 أيّ تطوير مبتكر، أو أيّ إصلاح جذري عدا بعض الترقيعات التي لا ترقى إلى أن تدعى بالتحول في البنية التحتية الراقية ذات الصلة بمجالات الفكر والفنون والآداب. إن حدث قسنطينة عاصمة للثقافة العربية لهذا العام قد وقع بدوره في تكرار نمط التنشيط الثقافي المتكرر والذي طبع جميع التظاهرات الثقافية الجزائرية في الماضي القريب والبعيد.

انحصرت نشاطات قسنطينة عاصمة للثقافة العربية في الأمسيات الأدبية، وعرض بعض الأفلام، والمسرحيات، وإقامة المعارض لبعض الفنانين التشكيليين فضلا عن إحياء حفلات الرقص والوصلات الغنائية والموسيقية من طرف الجزائريين والضيوف المدعوين من خارج البلاد.

إهمال البعد الأمازيغي

وإلى جانب ذلك فقد اشتكى عدد كبير من الفنانين والأدباء الأمازيغ من إهمال النظام الحاكم الجزائري في هذه المناسبة للبعد الثقافي الأمازيغي الذي هو مقوم أساسي للهوية الثقافية الجزائرية كما ينصّ على ذلك الدستور والميثاق الوطني، الأمر الذي دفع بهم إلى مقاطعة هذه التظاهرة.

أما المعرض الدولي للكتاب الذي نظمته وزارة الثقافة فلم يأت بأيّ جديد بل كرّس ما تعوّد عليه الجمهور الجزائري من عرض للكتب وإقامة للندوات الهامشية.

المشكلات المتراكمة والمزمنة التي يعاني منها الإنتاج الثقافي والمؤلف الجزائريين على مدى سنوات طويلة لم تجد أي علاج

والغريب أن الحدث الكبير الذي صنعه الروائي الجزائري بوعلام صنصال في فرنسا بفوزه بجائزة الأكاديمية الفرنسية للآداب لم تحتفل به الجزائر الرسمية، لأن هذا الكاتب ينظر إليه بأنه يغرّد خارج سرب النظام الجزائري الحاكم، بل جنّدت وسائل الإعلام ضدّه، فنشرت مقالات تذكر القراء بأن هذا الرجل قد زار إسرائيل، وأن هذه الجائزة هي تثمين لتواطئه مع الصهيونية.

وفي الأيام القليلة الماضية تمّ في مدينة قسنطينة تكريم الموسيقار الجزائري نوبلي فاضل من طرف وزارة الثقافة، وعدد من المغنين والمطربين المحليين والعرب، أمثال لطفي بوشناق من تونس ومحمد الحلو من مصر، ولكن هذا الفنان الموهوب الذي يعاني منذ سنوات من مرض الزهايمر الذي شل قدراته لم تتكفل الدولة بعلاجه على نفقتها إلى يومنا هذا، بل فقد تركته فريسة لهذا المرض الفتاك، وهو لا يزال ينتظر من يمدّ له العون.

لا بدّ من الإشارة أيضا إلى توقف برنامج طبع 1000 كتاب سنويا على حساب الدولة، كما حصل في الأعوام الماضية، سواء على مستوى وزارة الثقافة أو وزارة المجاهدين أو غيرهما من المؤسسات التي كانت في ما مضى تطبع للمؤلفين، وتمنح لهم حفنة من القروش الرمزية مقابلها.

غياب مشروع ثقافي

عقبات كبرى تعترض سبيل ترقية الكتاب الجزائري

في الحقيقة فإن الحصاد الثقافي الجزائري الهزيل لهذا العام الجاري هو نتاج لغياب مشروع ثقافي جزائري تسنده سياسة ثقافية وطنية على مدى سنوات طويلة، حيث لم يحقق قطاع الثقافة في بلادنا تحوّلا إيجابيا ملموسا يفضي إلى خلق بيئة ثقافية راقية ومتطورة، يمكن لها أن تلعب دورا فاعلا يؤسس للحضور القوي والفاعل والمؤثر إقليميا وعربيا على الأقل. والسبب لا يعود قطعا إلى انعدام الكفاءات والمواهب الراسخة والواعدة في ميادين المسرح، والسينما، والفنون بكل أنواعها، والآداب، والفكر، وإدارة الشأن الثقافي وغير ذلك من الحقول. بل إن هذه الكفاءات موجودة ولكنها مبعدة أو لا يُبحث عنها، ولكن المشكلة تكمن فعلا في غياب المشروع الثقافي الوطني الواضح وكذلك غياب آليات التنفيذ الجاد والمستمر.

من دون أدنى ريب فإن وزارة الثقافة تتحمل جزئيا المسؤولية ولكنها لا تقدر بمفردها أن تهندس للإقلاع الثقافي، خاصة وأن معظم مسيري إدارتها المركزية هم مجرد موظفين أقحموا إقحاما في الشأن الثقافي حيث أنه من النادر جدا أن تجد فيها مسؤولا بدرجة مستشار أو مدير مركزي أو مكلف بمهمة فيها تتوفر فيه معايير المثقف، أو المفكر، أو المخطط الإستراتيجي الذي يملك التجربة المنتجة في مجال إدارة العمل الثقافي وفقا لتصوّر مهندس هندسة عصرية. فالسائد في بلادنا غالبا، على مدار السنوات، هو فولكلور التنشيط الثقافي والفني الخاضع للمناسبات، وللعلاقات الشللية، أو لمزاج المسؤولين، أما الثقافة كخلق حضاري وكقوة ناعمة تجابه تحديات العصر، وكسلوك إبداعي يومي، وكإنتاج وتطوير لمضامين الهوية، ولقيم العقل فلا نعثر عليها كما لا نعثر على المنابر التي تفعّل الإمكانيات والطاقات باتجاهها.

ومن دون شك فإن الفترة الطويلة التي قضتها الوزيرة السابقة خليدة تومي على رأس وزارة الثقافة قد تركت إرثا ثقيلا مدمّرا يصعب التخلص من آثاره أو تصحيحه في سنة أو حتى في عقد من الزمان.

قضية الكتاب

ولعل المساحة هنا لا تسمح هنا بمناقشة كل بؤر الخلل والمشكلات الكبرى التي تشل الواقع الثقافي في بلادنا ولذلك سأكتفي مؤقتا برصد القضية المتعلقة بالكتاب والنشر والمؤلف التي لا تزال عالقة ومن دون حل، علما أن الأمل معقود على روح المسؤولية التي يتحلى بها المدير الجديد بوزارة الثقافة الذي أسندت إليه مسؤولية إدارة شأن الكتاب.

في الحقيقة فإن المسؤولية على الكتاب تعني الرهان الأكبر على مستقبل الوطن لأن صناعة الكتاب طبقا للمقاييس الحديثة تعني جوهريا صنع الأجيال، وأن عملية توزيعه توزيعا لائقا على المستوى الوطني والإقليمي والعربي والدولي تدخل في إطار ديمقراطية الثقافة بكل العناصر المكونة لها على المستوى الوطني من جهة، وتدخل من جهة ثانية في إطار إبراز خصائص الهوية الجزائرية وتوصيل الإنتاج الذي يعبر عنها إلى الشعوب في العالم، كما أن حل مشاكل المؤلفين سوف يؤدّي إذا تحقق إلى إعادة الاعتبار لهم ورفع الظلم عنهم.

عدد كبير من الفنانين والأدباء الأمازيغ اشتكى من إهمال النظام الحاكم الجزائري للبعد الثقافي الأمازيغي

ففي الشهور القليلة الماضية وجّه رئيس النقابة الجزائرية لناشري الكتب رسالة إلى الوزير الأول الجزائري عبدالملك سلال، تناقلتها وسائل الإعلام المحلية، يدعوه فيها إلى الترخيص رسميا بتسويق الكتاب الجزائري في الخارج لفك الحصار عن الإنتاج الثقافي والفكري الوطني. ففي هذه الرسالة وردت معلومات مهمة جدّا منها أن وزارة التعليم العالي تنفق ما لا يقل عن 30 مليون دولار على استيراد الكتاب علما أن جميع المكتبات العمومية، وفي مقدمتها مكتبات الجامعات والمكتبة الوطنية المركزية، وتلك التابعة للقطاع الخاص المنتشرة عبر القطر الجزائري تفتقد إلى الكتب الأكاديمية المتخصصة والأكثر حداثة وتطورا في ميادين الصناعات المهنية، وفي المجالات العلمية بما في ذلك العلوم الإنسانية المطبوعة في العالم العربي أو في الدول الأجنبية.

أما وزارة الثقافة التي كانت ميزانيتها في عهد الوزيرة خليدة تومي لا تقل عن 200 مليون دولار فهي لم تصرف طوال 12 سنة على مشروع الثقافة الوطنية، الغائب طبعا، وعلى البنية التحتية والوسائل والمنابر، ومن بينها المجلات المتخصصة التي ينجز المشروع بواسطتها.

وفضلا عمّا ذكر فإن الجزء الخاص من تلك الميزانية بطباعة الكتب الجزائرية وتوزيعها، وباستيراد الكتاب العربي أو الأجنبي قد بلعت نسبة معتبرة منه المهرجانات العابرة التي لم تترك أيّ أثر يذكر على تشكيل حركة ثقافية وفنية وفكرية جزائرية تضاهي ما تحقق في بلدان العالم.

وزارة الثقافة تتحمل جزئيا المسؤولية ولكنها لا تقدر بمفردها أن تهندس للإقلاع الثقافي
وفضلا عما سلف فإن الوزارة المعنية لم تطبع على مدى 13 سنة سوى كمية هزيلة من الكتب قدّر عددها رسميا بـ15 ألف عنوان علما أن تسعين بالمائة من هذه العناوين ليست سوى إعادة طبع لكتب تقليدية قديمة أكل الدهر عليها وشرب، وهي في مجملها تكرّس الرداءة.

بؤس حال الكتاب

من بين العقبات الكبرى التي تعترض سبيل ترقية الكتاب الجزائري، صناعة وتسويقا في الداخل وفي الخارج، وخلقا لمناخ التأليف الإبداعي المتواصل ماديا ومعنويا، هناك بالدرجة الأولى ثلاث عقبات أساسية جدّ سلبية وفي مقدّمتها سيطرة الجهات الرسمية على التوزيع.

أما العقبة الثانية فتتمثل في قانون الدولة الخاص بحقوق المؤلف الجائر والمسلط على رقاب المؤلفين والذي بموجبه تذهب نسبة 60 بالمائة من عائدات الكتاب لفائدة المطابع، سواء كانت تابعة للدولة أو للقطاع الخاص، ونسبة 40 بالمائة للناشر، و10 بالمائة للمؤلف، وهذا يعني أن صاحب الإنتاج، والمفترض أنه عصب الحياة الثقافية والفكرية ومحركها، مهمّش ماديا ومحطم معنويا. إلى جانب هاتين العقبتين فإن تغذية المشهد الثقافي والفكري الجزائري بأرقى ما وصل إليه العقل البشري في مجالات الثقافة والفكر والفنون عن طريق الترجمة الذاتية معدومة كليا، وذلك بسبب عدم توفر مركز وطني بفروعه في المحافظات يقود مشروع الترجمة من اللغات الأجنبية.

أخيرا، فـإن هذه المشكلات المتراكمة والمزمنة التي يعـاني منها الإنتاج الثقافي والمؤلف الجزائريين علـى مدى سنوات طويلـة لم تجد أيّ علاج إيجـابي يـذكر إلى يومنـا هـذا، الأمر الـذي جعـل صناعـة الكتـاب الجزائري بدائية تماما وخاصة إذا قارناها بتطور هذه الصنـاعـة في عـدد مـن دول العـالم الثالث على الأقـل، أمّا مقـارنتها بالدول المتطوّرة في العالم فأمر غيـر وارد إطلاقا.

اقرأ أيضا:

شللية ومحسوبية وضياع

المثقفون العرب يتنافسون على قضايا هامشية

الثقافة العربية لم تتجدد

ثقافة الذكورة مسؤولة عن التردي العربي

14