عام داعش رحل ولم يرحل الدواعش، هل يبقون ثلاثين عاما

الاثنين 2015/01/05
داعش ليس سوى التطور الطبيعي للفكر الإخواني التكفيري المنغلق

الخطر الذي رافق ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” المعروف إعلاميا بـ”داعش”، لم يعد يتهدد منطقة الشرق الأوسط فحسب، حيث أنه اكتسب بُعدا دوليا، خاصة بعد سيطرة التنظيم على كم هائل من الأسلحة المتطورة، وعدد من موارد النفط، ممّا عسّر من عملية القضاء عليه وأضحى ينبئ بأنها يمكن أن تدوم لسنوات عديدة قادمة.

لا شك أن عام 2014 الذي مضى كان عام داعش، تلك الجماعة الصغيرة حجما الكبيرة تأثيرا التي اجتاحت شمال العراق بسرعة الشهب لتحتل مساحات من أرضه بالإضافة إلى مساحات من الأراضي السورية، مستولية على مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، معلنة منها تأسيس الدولة الإسلامية في العراق والشام، ومعلنة خلافة إسلامية لها خليفة وعلم وجيش وأمراء ووزراء وخطباء، ثم زاحفة جنوبا لكي تهدد بغداد نفسها، بعد أن انهارت وحدات من الجيش العراقي المدرب والمسلح أميركيا على مدى عشر سنوات أمامها تاركة لها أسلحتها اللامعة التي لم تستعمل، في إدانة وفضح لعبثية هذا التدريب البائس الذي يصر عليه القادة الأميركيون لسنوات طوال وبمئات الملاييين من الدولارات، فلا ينتج سوى الانهيار السريع للجنود المدربين، سواء كان هذا في العراق أو في أفغانستان.

بل هكذا كان الحال منذ نصف قرن مع جيش فيتنام الجنوبية الذي دربه وسلحه الأميركان على مدى سنوات طوال لكي ينهار في ساعات بمجرد خروجهم، ونحن لا نجد أثرا لأي دروس يتعلمها الجنرالات الأميركان من حروبهم القديمة والحديثة في بلاد تختلف اختلافا ثقافيا كبيرا عن ثقافتهم، ومع ذلك يتوهمون أن أساليبهم ومفاهيمهم الأميركية والعسكرية والسياسية، يمكن تطبيقها كما هي على الجنود والمواطنين والسياسيين في تلك البلاد، ليفاجأوا كل مرة بالفشل الهائل لكل محاولاتهم هذه.
مراحل التطور من الفكر الإخواني إلى الفكر الداعشي
◄ تبدأ بالمغالاة في مظاهر التدين

الشكلي

◄ تتطور إلى التطرف الديني

◄ تنتهي إلى الإرهاب باسم الدين

رحل عنا عام داعش ولكن الدواعش لم يرحلوا بعد، وإذا صدقنا كلام وزير الدفاع ومدير المخابرات الأميركية السابق ليون بانيتا فعلينا التحضير لمعايشة طويلة الأمد مع الدواعش، فقد قال الرجل في لقاء مع جريدة “يو إس إيه توداي” في نهاية العام،، وهو الخبير العسكري المخابراتي، إن الحرب ضد داعش ستمتد إلى ثلاثين سنة.

وهكذا يريد الخبير الأميركي الأعلى أن يقنعنا بأن جيش الإمبراطورية الأولى والوحيدة في العالم يحتاج ثلاثين عاما ليهزم جماعة من حوالي خمسة آلاف مقاتل لم يدربهم أحد على أحدث خطط الحرب الحديثة، ولا يملكون سوى طائرة سرقوها وبعض عربات النقل ينصبون عليها مدافعهم الرشاشة المسروقة هي الأخرى، ويتكونون من شرذمة من الشباب المندفع جاءت من شتى أنحاء العالم بلا معرفة سابقة.


هل الأميركان صادقون؟


يتوقعون منا إذن قبول وتصديق هذه التصريحات الأميركية على علاّتها بلا عقول تعي أو تزن الأمور، وتأتي هذه التصريحات الأسطورية من نفس الجنرالات الذين قالوا منذ عقد مضى إن الحرب في العراق لن تكون سوى نزهة يلقي فيها العراقيون بالورود على رؤوس الجنود الأميركان الفاتحين بلادهم الحاملين لها أزهى عصور الديمقراطية والحرية، وإن الحرب ستنتهي في أيام معدودة.

وبعد الغزو بأسابيع قليلة هبط الرئيس الأميركي بوش الصغير من طائرة على سطح حاملة طائرات أميركية في حركة استعراضية للتلفزيون الأميركي والعالمي معلنا انتهاء الحرب وانتصار أميركا، لنفاجأ بإستمرار الحرب بعد ذلك لعشر سنوات كاملة، وبتدمير وتقسيم العراق في جحيم من الديمقراطية المتوهمة.

هذا هو مستوى تقديرات وتصريحات ومخططات هؤلاء الجنرالات والقادة المحترفين، لجهلهم الفادح بثقافة ونمط أفكار وحياة الشعوب الأخرى، وعليه فأشك أنه سيبقى على الأرض أي طفل يمنح أي مصداقية لما يقوله الأميركان عن مخططاتهم العسكرية وتدخلاتهم السياسية حول العالم وخاصة في الشرق الأوسط.

من سينتظر خلاصا من داعش يأتيه من أميركا قد ينتظر ثلاثين عاما إذن، بتقدير الأميركان أنفسهم، وعليه فليس أمام قادة وشعوب المنطقة سوى خيار واحد كان هو دائما خيارهم الأوحد الذي تجاهلوه ومازال معظمهم يفعل، وهو الإعتماد على الذات والقدرات الداخلية وليس القوات الخارجية، في ما يخص أمنهم القومي ومستقبل المنطقة كلها.

وقد كان هذا هو الدرس، والخيار، الذي استوعبه تماما واختاره بثقة وجدارة الشعب المصري بحماية الجيش المصري، حين تمرد على الحكم الإخواني وطرد الجماعة من الساحة السياسية، ورفض الإنصياع للرغبة الأميركية الرعناء في الإبقاء على حكمها الفاشل في شخص الرئيس السابق مرسي، ورفض طلباتها المتكررة المتغطرسة بالتصالح مع الجماعة وإعادتها إلى الحكم لكي تحقق للغرب ما وعدتهم بتحقيقه من مصالح ومآرب، حقيقية كانت أم متوهمة، وأهمها أنها وحدها القادرة على لجم حصان الإرهاب العالمي وتقديم البديل الإسلامي المعتدل القادر على تحقيق المصالح الغربية في جرأة واقتدار لا يقدر عليهما أحد آخر في مصر أو في المنطقة.

وكان اللعاب الأميركي قد سال للوعود الإخوانية الخلابة، خاصة بعد أن أعجب الأميركان وإسرائيل بالدور الذي لعبه مرسي في أول عهده في التوسط لعقد هدنة بين حماس وإسرائيل، ولم ترجع الإدارة الأميركية عن غيها إلا بعد الاستمرار العنيد من الشعب المصري والرئيس السيسي في تجاهل الضغوط الأميركية المستميتة، من الإدارة ومن المعارضة الأميركية معا ممثلة في السيناتور جون ماكين، مما اضطر الأميركان إلى الرضوخ في النهاية، مع التربص المستمر لتلك الإرادة المصرية المتحررة التي تثير قلقهم وريبتهم لقدرتها على التصرف بحرية واستقلالية لم يتعودوها من بلد آخر في المنطقة منذ زمن طويل.


ماذا يجمع بين داعش والإخوان؟

ليون بانيتا: الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية ستمتد إلى ثلاثين سنة


ما لم يفهمه الأميركان والغرب عامة أن داعش هي التتويج النهائي للمسيرة السرية أحيانا والعلنية أحيانا أخرى للفكر الإخواني الذي نشأ في مصر منذ ما يقرب من قرن إلا قليلا وانتشر في ربوع البلاد العربية.

وكان التنظيم قد ترعرع في مصر على جرعات لم تنقطع من دماء الاغتيالات للسياسيين والزعماء والمفكرين والدعاة المعتدلين وجنود الشرطة والجيش والأقباط، بينما كان الانهماك على أشده في نشر الرؤية الإخوانية المتطرفة للتدين المظهري في كافة أنحاء المجتمع المصري من مدارس ومعاهد وجامعات واتحادات طلاب إلى نقابات مهنية بكل انواعها إلى أعمال تجارية ومصارف إسلامية وتدوير أموال ودخول لانتخابات مجلس الشعب واختراق الوزارات والهيئات والفضائيات والمساجد والزوايا والأزهر نفسه، مع تفريخ أعداد لا تنقطع من الجماعات المنشقة الأكثر تطرفا بمباركة الجماعة الأم لكي تظل هي الوجه الأكثر اعتدالا الذي تلجأ إليه الدولة للجم جماح الجماعات الإرهابية، وهي نفس اللعبة التي لعبها الإخوان على المسرح العالمي بعد ذلك بنجاح حتى أسقطهم الشعب المصري بمساندة الجيش، فكانت النهاية لمصداقية الجماعة وبريقها في الشارع المصري الذي احتضنها من قبل.

داعش ليست سوى التطور الطبيعي للفكر الإخواني التكفيري المنغلق المنسحب من الحياة إلى كهوف الماضي، ومراحل تطور ذلك الفكر هي ثلاث، تبدأ بالمغالاة في مظاهر التدين الشكلي أو التشدد الديني، ثم تتطور إلى التطرف الديني، ثم تنتهي إلى الإرهاب باسم الدين.

لا يمكن أن يبقى التشدد الديني كما هو، إذ هو بطبيعته خلية سرطانية تحمل في جيناتها شهوتها الذاتية في النمو والانتشار، فتنمو لكي تصير حالة من التطرف الديني الذي يصل إلى الهوس، بحيث يصبح كل ما في الحياة العامة للمجتمع انشغالا لا ينتهي بنوافل التدين المظهري الذي يستهلك الفكر والجهد ولا يؤدي إلى أي منتج اجتماعي مفيد فينزاد انهيار كافة مظاهر الحياة، مما يزيد من التشدد الديني في دائرة وحشية لا تنتهي، ثم يستفحل نمو التطرف الديني ليصل إلى الانغماس في أعمال العنف والإرهاب المتسربل بالدين كحلّ نهائي لبؤس الواقع ولتفريغ طاقة الغضب والحقد الحبيسة، إلى أن تقضي على الجسد الحامل لها وعلى نفسها بالتبعية، هو فكر إرهابي تكفيري مدمرٌ للحياة والأرض والمجتمع والدولة وقاتل للآخر وللنفس.

داعش هي التتويج النهائي للمسيرة السرية أحيانا والعلنية أحيانا أخرى للفكر الإخواني الذي نشأ في مصر وانتشر في ربوع البلاد العربية


كيف القضاء على داعش؟


لن يكون الخلاص من داعش بقتال رجالها البدائيين فقط، ولكن بمحاربة الفكر الذي أوصل إليها، شراذم الدواعش المتسربلين بالسواد الحاملين للسلاح الجازين للرقاب الراقصين في الدماء الخاطفين للنساء والبنات لإجبارهن على جهاد النكاح أو الزواج من أمراء الخلافة المزعومة، هم المنتج النهائي والتجسيد الطبيعي للفكر التكفيري الذي ترعرع في التربة الاجتماعية والسياسية المصرية والعربية على مدى أكثر من ثلاثة أرباع القرن.

ولا خلاص من الخراب والسقوط الهائل اللذين وصلت إليهما المنطقة العربية في عام داعش المنصرم سوى بالخلاص من الفكر الذي أدى إليها، نعم هي معركة فكرية في الأساس، فهل تقدر عليها القيادات السياسية والنخب الثقافية العربية الراهنة؟ سؤال سيجيب عليه التاريخ قريبا جدا، فلن يصبر التاريخ علينا ثلاثين سنة أخرى.


كاتب من مصر يقيم في نيويورك

6