عام سلمان

الخميس 2016/01/28

في الذكرى الأولى لبيعة الملك سلمان، هناك من هو أقدر مني ليتحدث في الشأن الداخلي، لذلك سأولي التركيز على السياسة الخارجية.

المملكة العربية السعودية، هي قلب العالم بكل معنى الكلمة، فهي عاصمة الدين وعاصمة النفط، ولا شيء في العالم، كقيمة مادية، أهم من الدين والنفط، يفترض أقله أن تمثل المملكة في الشرق الأوسط ما تمثله أميركا في العالم، القوة العظمى.

السياسة الخارجية للمملكة منذ تأسيسها، لا تعترف بمكامن قوتها، تفضل العمل في الظل عن تصريحات في العلن، بدأ التغيير في عهد الملك عبدالله، رحمه الله، بإخراج بشار الأسد من لبنان وتأسيس المحكمة الدولية، قبل ذلك طرح الملك عبدالله حين كان وليا للعهد المبادرة العربية للسلام التي أصبحت عنوان الصراع العربي الإسرائيلي إلى تاريخه، وبعد ذلك حرر الملك مصر من براثن الحكم الإخواني بثورة 30 يونيو، وفي خضم هذه الخطوات الجريئة أرسل الملك عبدالله إلى البحرين قوات درع الجزيرة لمنع سقوط الدولة، وهي خطوة لها وعليها.
جاء الملك سلمان وأكمل المسيرة، فأطلق عاصفة الحزم في اليمن، بدا ملفتا الخطاب التصعيدي لوزير الخارجية عادل الجبير، فقد هدد بشار الأسد غير مرة بالتدخل العسكري، وقرأنا مؤخرا بيانا مدويا لوزارة الخارجية ضد إيران، وهذا خطاب ليس مألوفا على السعودية ككل.

عاصفة الحزم رفعت سقف التوقعات، ينظر العرب إلى المملكة كمخلّص من التغوّل الإيراني، سابقا كانت عامل توازن أو ردع، لكنها الآن في صورة المخلص، وأي تراجع عن سقف الآمال هذا سيسجل كمحطة انكسار. كنت أول من طالب باعتماد الجيش السعودي كأداة رئيسة في السياسة الخارجية في مقالة بعنوان “الولايات المتحدة السعودية”، لكنني اليوم أحذر من الركون إلى منتصف الطريق.

إيران تعمل على أكثر من جبهة، وحين نتحدث مع المسؤولين الجدد في المملكة يقولون لنا لننه ملف اليمن وبعد ذلك ترون، لكن المسألة ليست بهذه البساطة، فالعدو لا ينتظر، وإذا ركنا للصبر في اليمن فإيران لن تصبر في غيرها، فلتشتعل كل الجبهات لنتفاوض على الكل من موقف القوة. إنها معادلة بسيطة لكنها حقيقية، الانتصار في اليمن رغم أهميته إلا أنه لن يخرج من حدود اليمن، فلننظر إلى الخارطة، سوريا هي معركة الشرق الأوسط بيننا وبين إيران، من الأساس الصراع مع إيران ليس فيه حل وسط، إما إيران وإما العرب ونحن رأس الحربة العربية وما أطالب به تصعيد من شقين: العمل على دخول صنعاء وصعدة مهما كانت الكلفة السياسية، وإطلاق عاصفة الحزم السورية.

نقل المعركة إلى قلب أرض العدو في صنعاء وصعدة سيغير قواعد اللعبة، ورغم أنني أتوقع صعوبات جمة في صعدة، إلا أنني أجزم بأن معركة صنعاء أسهل رغم قسوتها، فالحوثي لن تكون صنعاء بيئة حاضنة له مهما فعل، ومعركة صعدة لا مفر منها لاجتثاث رأس الأفعى، وإلا فإن عاصفة الحزم بكل أثمانها لن تكون ذات معنى، لأنها ستتكرر بكلفة أكبر، وربما لا تكون النتيجة محسومة.

في سوريا المعركة أهم وأخطر، فالرابح في سوريا منتصر في اليمن، وبالضرورة مسيطر في لبنان، ضرب قلب المشروع الإيراني في سوريا سيصيب الأذرع الإيرانية بالشلل في بقية العالم العربي، ولا أظن أن التدخل الروسي يعتبر عائقا، فروسيا غريبة في ديارنا، ورحيلها مؤكد لا محالة، ولو دخلت في صراع مع قبلة المسلمين وعاصمة الحرمين، فخسارتها أكبر من خسارتنا، وأعتقد أننا إن أطلقنا العنان لأصدقائنا في المعارضة السورية مع تزويدهم بالدعم اللازم، فإن النتائج ستكون طيبة خصوصا لو استهدفنا تحرير دمشق. ربما تكون روسيا أقوى منا دوليا، لكننا في مناطقنا أقوى من روسيا وأميركا مجتمعتين، كما أننا لسنا وحدنا، معنا جارنا اللصيق في تركيا، وهو جزء من المنطقة شئنا أم أبينا.

معركة سوريا بحاجة إلى إعداد خاص، فالمطلوب تحالفات عابرة للطوائف، والمطلوب شد الهمّة السياسية في لبنان، لقد أهدانا حزب الله تدخله في سوريا، أصبحت الشام مسرحا لاستهدافه العسكري كما أن بيروت موضع استهدافه السياسي، ومن دون ذلك فلنسلم العرب لإيران، وكفى الله المؤمنين شر القتال.

لا حديث عن زعامة دنيا العرب وعالم الشرق الأوسط دون القضية الفلسطينية، وباب الولوج إليها متاح من لبنان ومن غيرها، بل إنني أطالب المملكة بامتشاق أحصنة القضية بأسلوب محمد أنور السادات مطورا باختلاف الأهداف، عبر الدروز في لبنان يمكن أن يكون لنا صوت مؤثر في قلب الأراضي المحتلة، ولا من إيجاد طريقة للتواصل مع عرب 1948 ودعمهم، فمن له الكلمة العليا في فلسطين هو بالضرورة صاحب الوهج الأمضى في المنطقة.

بين ما أطالب به وبين الواقع حاجز سميك من التقاليد ومن العوامل النفسية، وكلي ثقة بأن الملك سلمان قادر على تحطيم هذا الجدار وتجاوزه، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

كاتب سعودي

9