عام على الاتفاق النووي: طهران تخيب آمال الغرب وتؤكد شكوك العرب

بعد مرور عام على الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا وألمانيا، والذي يقضي برفع الحظر التدريجي على إيران مقابل التراجع عن برنامجها النووي، إلا أن النتائج على الأرض اليوم تشي بأن المنتصر في هذه الاتفاقية ليست الإرادة الدولية في منع إيران من الحصول على سلاح نووي، وليست إرادة العرب في إقامة سلام مع الجارة إيران، بل إن المنتصر في هذا الاتفاق هو الجموح الإيراني للهيمنة على المنطقة، والاستمرار في سياسة تأجيج الحروب الطائفية.
الأربعاء 2016/07/13
عام يمر والآن حان وقت القيام بالكثير من المراجعات

واشنطن - تتناقض الأخبار المسربة من الكونغرس الأميركي والتي تؤكد أن الجمهوريين يكثفون مشاوراتهم حول إعادة فرض العقوبات على إيران، مع تصريحات أحد النواب الإيرانيين في أن الولايات المتحدة الأميركية لم تنفذ سوى 10 بالمئة من اتفاق رفع تلك العقوبات، والذي تم توقيعه في الرابع عشر من يوليو سنة 2015، أي منذ سنة. لكن الأرجح أن الكفة سوف تكون لصالح الجمهوريين نظرا لضعف الاتفاق الذي أبرمته القوى الكبرى بقيادة أميركا مع إيران وذلك لعدة عوامل من بينها تواصل الأعمال الاستفزازية الإيرانية في مضيق هرمز وتواصل دعمها لمنظمات مصنفة إرهابية على المستوى العربي والدولي وكذلك تواصل نشاطها النووي، الذي لم يتمكن أي طرف إلى الآن من ضمان كف إيران عن مواصلته.

ومن المؤكد أن المؤشرات الجيدة يتم التقاطها مباشرة من قبل القوى الإقليمية والدولية في خصوص تراجع النظام الإيراني عن مشروع مراكمة القوة الموجهة للهيمنة، لكن كل المؤشرات الصادرة عن المسؤولين الكبار في الدولة الإيرانية لا تبشر بمستقبل أفضل، بل إن التهديد بنسف الاتفاق النووي (رغم ضعفه) يبقى احتمالا قائما بشكل دائم.

زخم التصريحات المتطرفة الذي يبث في وسائل الإعلام الإيرانية والصادرة عن قيادات إيرانية محافظة من بينها المرشد علي خامنئي لا يعكس جدية الإيرانيين في الرضوخ إلى الإرادة الدولية وضغط دول الخليج العربي في اتجاه لجم استفزازات إيران، إذ لا يخلو خطاب أو تصريح للقادة الإيرانيين من الإيحاء إلى أن العرب “أعداء” إيران وأن على إيران أن “تقاوم هذا العدو” عبر آليات مختلفة. وقد ظهر ذلك في خطاب خامنئي الذي ينادي بـ”اقتصاد المقاومة” وعدم التعويل على الاستثمارات الأجنبية لأن “الاتفاق النووي مع القوى الأجنبية سوف يحدّ من قوة إيران”.

ويقول الخبير السياسي المقرب من المحافظين أمير مهيبيان إن “الولايات المتحدة استخدمت الاتفاق لفرض ضغوط علينا ودفعنا إلى تغيير سلوكنا في الشرق الأوسط أو التخلي عن علاقتنا مع حزب الله اللبناني”. وللإشارة فإن حزب الله يعتبر تنظيما إرهابيا لدى العديد من الدول العربية، وبذلك فإن إصرار الإيرانيين على دعم تنظيم إرهابي سوف لن يكون فقط سببا في انهيار الاتفاق مع الغرب وإنما سبب في إدامة التوتر مع العرب.

هذا الدعم الذي يرتقي إلى مرتبة التواصل العضوي للنظام الإيراني داخل لبنان عبر حزب الله يجبر القوة العربية الإقليمية الأولى في المنطقة وهي المملكة العربية السعودية على انتهاج سياسة دفاعية أيضا وذلك بمحاولات التقارب السياسي مع البعض من المعارضين خارج النظام الإيراني والذين تتمركز نشاطاتهم خارج إيران.

دعم إيران للإرهاب يدفع السعودية إلى انتهاج سياسة دفاعية لحماية المنطقة من التأجيج الطائفي

ثلاثة مشاريع قوانين

يناقش أعضاء الكونغرس الأميركي هذا الأسبوع ثلاثة اقتراحات تحظى بتأييد الجمهوريين وتستهدف الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما مع إيران والذي لا يزال يشكل سببا في انقسام شديد بواشنطن بعد عام من إعلانه وربما يكون له دور في الانتخابات في نوفمبر المقبل.

ولئن كان موضوع الاتفاق النووي مع طهران مطروحا داخل الولايات المتحدة وفق سياقات الصراع السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين وهذا أمر طبيعي بين الأحزاب المتنافسة، إلا أن مضامين الاتفاق تكشف تواصل خطر المخططات الإيرانية النووية ولا تعكس أفقا لكبح تطلعاتها للهيمنة على المنطقة. فتصريحات الدبلوماسيين الإيرانيين منذ سنة لا تزال تؤكد إلى الآن أن النظام الإيراني لم يعط ضمانات بالتراجع عما يقوم به، فتصريح وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف قبل سنة والذي قال فيه إن “كبح القدرات النووية لإيران مقابل رفع الحصار عنها” هو تعبير يستبطن تأكيدا على أن إيران لها قدرات نووية خطيرة.

ويقضي مشروع قانون مقترح في الكونغرس من قبل الجمهوريين بفرض عقوبات جديدة على إيران بسبب أي مظاهر لرعايتها للإرهاب أو انتهاك حقوق الإنسان. ويمنع مشروع قانون آخر أي مشتريات لإيران من “الماء الثقيل” وهو أحد النواتج الثانوية غير المشعة لعمليات تصنيع الطاقة النووية أو الأسلحة النووية. ويغلق مشروع القانون الثالث الباب أمام إيران للاستفادة من النظام المالي الأميركي بما في ذلك استخدام الدولار.

ويسيطر أعضاء الحزب الجمهوري على مجلسي النواب والشيوخ وقد أجمعوا على الاعتراض على الاتفاق النووي الذي أعلن في 14 يوليو الماضي. وقال أعضاء جمهوريون بالكونغرس إن القوانين المقترحة ضرورية لكي تكون بمثابة رسالة قوية لإيران أنها ستواجه العواقب إن هي انتهكت الاتفاقيات الدولية. ويشعر كثيرون بالقلق بسبب تصرفات إيران منذ بدء تنفيذ الاتفاق رسميا في يناير الماضي ويشاطرهم الرأي عدد من الديمقراطيين، ومن ذلك اختبار صواريخ باليستية في مارس الماضي.

وقال النائب الجمهوري إد رويس رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب للجنة النظام التي تحدد القواعد المنظمة لمناقشة مشروعات القوانين في المجلس “من المنطقي أن نبذل كل ما في وسعنا لوقف هذا النشاط الإيراني بالغ الخطورة”.

وبفضل عوامل منها الاتفاق النووي بدأت إيران في العودة إلى الساحة الدولية والاقتصاد العالمي بعد عزلة استمرت أكثر من ثلاثة عقود. وبدأت قيادات سياسية وشخصيات بارزة في قطاع الأعمال تتوافد على إيران، ولئن كان هذا النشاط عاديا إلا أن حفاظ الإيرانيين على البنية التحتية النووية وتواصل استيرادها للصواريخ والأسلحة من روسيا سوف تكون لهما انعكاسات سلبية على أمن المنطقة.

بان كي مون: إن إطلاق الصواريخ الباليستية لا يتفق مع الروح البناءة للاتفاق النووي

وفي أول تقرير له عن الاتفاق النووي، قال بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة إن إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية “لا يتفق مع الروح البناءة” للاتفاق النووي.

ويخشى الجمهوريون أن يدفع حرص الرئيس باراك أوباما على بقاء الاتفاق كأحد منجزات فترة رئاسته للإدارة الأميركية إلى المبالغة في منح امتيازات لطهران قبل أن يترك منصبه في يناير القادم.

مناوشات ميدانية

أرسل الحرس الثوري الإيراني الاثنين 11 يوليو الجاري خمس قطع بحرية حربية لمراقبة سفينة حربية أميركية تحمل أحد أكبر جنرالات الجيش الأميركي في رحلة ليوم واحد عبر مضيق هرمز واقتربت لمسافة نحو 460 مترا. واعتبر الجنرال جوزيف فوتل الذي يشرف على جميع القوات الأميركية في الشرق الأوسط أن الاقتراب ظل عند مستويات آمنة رغم القلق من ضيق الوقت المتاح للقوات الأميركية لتحديد إن كانت سفن الحرس الثوري الإيراني تمثل تهديدا.

وبين القطع الإيرانية الخمس كانت هناك أربعة زوارق سريعة ثلاثة منها مسلحة بمدافع رشاشة بالإضافة إلى سفينة دورية مزودة بصواريخ موجهة. وقال فوتل قائد القيادة المركزية بالجيش الأميركي للصحافيين على متن السفينة يو.إس.إس نيو أورليانز التي تحمل نحو 650 من مشاة البحرية “مثلما رأيتم في المساحة الضيقة نسبيا، هنا الفرصة كبيرة لحدوث حسابات خاطئة”.

كانت هذه أيضا أحدث مؤشر على تمسك الحرس الثوري على ما يبدو بسلوكيات في الخليج مماثلة لما كانت عليه تلك التصرفات قبل الاتفاق النووي مع إيران.

وهذا يشير إلى أن منطق تعاطي الإيرانيين مع منطقة الخليج العربي لم يتغير ولم يتأثر بما أفرزته المفاوضات الطويلة بينها وبين القوى العالمية، إذ لا تزال عقلية الاستفزاز سارية وهي تطبع كل التحركات في المنطقة.

وترى إيران في الخليج ساحتها الخلفية وتعتقد أن لها مصالح مشروعة في توسيع نفوذها هناك. ولطالما طالبت إيران بتنظيم أمن المنطقة من خلال عمل مشترك مع الخليجيين لكن ذلك يبقى حبرا على ورق لأن الخليجيين سبق وأن طالبوا بفتح قنوات حوار بناءة مع الإيرانيين لكن في المقابل يجيب الإيرانيون باستفزازات لا تنتهي بالتدخل في شؤون المنطقة العربية عبر البوابة الطائفية الدموية مثلما يحدث في العراق واليمن وسوريا ولبنان وحتى البحرين. ويقول محللون إن إيران تستخدم قوتها البحرية في الخليج لتظهر عدم خشيتها من الوجود البحري الأميركي، لكن في 2008 و2010 وفي تطورات دعت منتقدين لاتهام إيران بزعزعة استقرار المنطقة، هددت طهران بإغلاق مضيق هرمز لتعطيل شحن النفط في الخليج إذا تعرضت مواقعها النووية لأي هجوم، فالخليجيون هم المستهدفون وليس الأميركيين.

6