عام على سقوط الرقة… هل انتهى داعش؟

تنظيم داعش ظهر في أعقاب فشل التجارب الجهادية السابقة واستطاع الاستفادة من خبراتها القتالية والتنظيرية واستولى على الكثير من الأدبيات التي كانت رائجة في الماضي.
الاثنين 2018/11/19
فوضى أرساها داعش

أعاد تبني تنظيم داعش لحادث الطعن الذي حصل في مدينة ملبورن بأستراليا الجمعة الماضي والذي نفذه شاب صومالي وقتل فيه شخص بينما جرح فيه آخران، شبح الخلايا النائمة التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الذي لفظ أنفاسه في أجزاء واسعة من العراق وسوريا وفقد منصة الإطلاق التي كان يسيطر عليها في مدينة الرقة، عاصمة ما سمي وقتها بدولة الخلافة.

وجاء الحادث بتزامن مع ذكرى مرور عام كامل على سقوط الرقة، الذي جرّد التنظيم من منطقة محورية كانت تشكل قوته الضاربة في عملياته الإرهابية وخطته التوسعية الفاشلة، كما كانت بمثابة غرفة عمليات للتخطيط لأهداف خارج سوريا، حيث تم هنالك إعداد خطة لاستهداف العاصمة الفرنسية باريس في نوفمبر من عام 2015، في أسوأ عملية إرهابية تتعرض لها فرنسا، حيث خلّف الهجوم أزيد من 130 قتيلا وعشرات الجرحى.

وإذا كان التنظيم قد انتهى على الأرض وتم دك صروحه في المواقع التي كانت تحت سيطرته في الفترة ما بين 2014 و2017، واختفى قائده أبوبكر البغدادي الذي يجهل مصيره أو مكان تواجده، إلا أن هناك تساؤلات حول ما إذا كان التنظيم قد انتهى بشكل نهائي أم أنه يستعد للعودة مجددا، وما إذا كان يخطط لهجمات إرهابية جديدة مفاجئة تستهدف المناطق التي فقدها أو بلدان التحالف الدولي.

من المعطيات الثابتة في الجماعات الإرهابية المسلحة أنها حين تتلقى الضربة القاضية التي تفرض عليها الاختفاء فإنها تنتقل من السطح إلى القاع. هذه هي الحالة التي حصلت مع تجارب سابقة في بلدان عربية خلال العقود الماضية، إذ ما إن يتم القضاء على تنظيم معين في مواجهة مع القوات الحكومية أو بالاعتقال والمحاكمة وتفكيك التنظيم حتى يتحول هذا الأخير إلى خلية نائمة تعمل من باطن الأرض وتحاول نقل السلطة من المواجهة المباشرة معها إلى حرب الاستنزاف.

ولا يشذ تنظيم داعش عن هذه القاعدة. فهو قد ظهر في أعقاب فشل التجارب الجهادية السابقة واستطاع الاستفادة من خبراتها القتالية والتنظيرية، حتى أنه نقل تلك الخبرات إلى مجاله الخاص واستولى على الكثير من الأدبيات التي كانت رائجة في الماضي. ويعتبر التنظيم أنّ السرية هي الأصل في العمل الجهادي، والطريق الملكي إلى التمكين، وأنه كلما كانت هناك عقبات تحول دون الإعلان عن نفسه فإن اللجوء إلى الأقبية السرية هو الحل المتاح لكي “لا يموت الجهاد”.

شبح التنظيم يعود عبر حرب العصابات التي يشنها بين الحين والآخر
شبح التنظيم يعود عبر حرب العصابات التي يشنها بين الحين والآخر

وبعد أربع سنوات على إنشاء ما سمي بدولة الخلافة، والسيطرة على مناطق واسعة من العراق وسوريا، بات التنظيم يرى نفسه أكثر قابلية للبقاء وإن بأشكال مختلفة تفرضها ظروف المعركة.

وتبرز خصومته مع تنظيم القاعدة كعامل محرك لهذا الإصرار على البقاء، فقد تلقى تنظيم أيمن الظواهري ضربات عنيفة في عدد من المناطق بالعالم العربي والإسلامي اضطر بعدها إلى الاختباء، ولم يعد قائده يملك من القوة سوى صوته الذي يُسمع بين الحين والآخر في الأشرطة المسجلة. وقد خاض تنظيم داعش حربا دعائية وميدانية قوية ضد الظواهري منذ ظهوره على الساحة، ومن الصعب أن يسلم بالهزيمة وأن ينسحب بهذه السرعة من ساحة الحركات الجهادية التي نصب نفسه سيدا عليها قبل بضع سنوات.

لكن ما يزيد الأمر تعقيدا أن قسما كبيرا من مقاتلي التنظيم الذين التحقوا بالمناطق التي كان يسيطر عليها هم من خارج العراق وسوريا، وهؤلاء سُدت في وجوههم إمكانات العودة إلى بلدانهم الأصلية، ما يجعلهم يربطون مصيرهم بمصير التنظيم في البقاء أو الفناء. ويشكل هؤلاء اليوم جيشا يوجد على الهامش يمكن تحريكه في أي وقت لتنفيذ عمليات إرهابية والتحضير للعودة إلى سطح الأحداث.

وقبل أقل من أسبوع حذّر رئيس الوزراء العراقي الجديد عادل عبدالمهدي من احتمال عودة مقاتلي التنظيم، فيما تخوض الحكومة العراقية معركة على الحدود مع سوريا لمنع المتسللين المحتملين. ويلجأ التنظيم بين الحين والآخر إلى أسلوب الكمائن والغارات ضد القوات العراقية والمدنيين في بعض المحافظات العراقية، وهي كلها مؤشرات على أن التنظيم لم يسلّم بالهزيمة حتى هذا الوقت ولا تزال لديه طاقة على الاستمرار في المواجهة.

وبعيدا عن الساحة العراقية تواجه ليبيا مخاطر مماثلة، وقد حذر غسان سلامة، مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، في سبتمبر الماضي أمام مجلس الأمن من مخاطر إعادة انبعاث تنظيم الدولة في ليبيا، حيث كان تنظيم البغدادي قد سيطر على مدينة درنة عام 2014 بعد أن دفع بعدد من مقاتليه في العراق إلى الانتقال إلى ليبيا لتأمين موقع قدم له هنالك، قبل أن تستعيد الحكومة الانتقالية المدينة عام 2015.

وبعد عامين من القضاء على وجود التنظيم في مدينة سرت الساحلية يعود شبح التنظيم عبر حرب العصابات التي يشنها بين الحين والآخر مستفيدا من جو الفوضى الذي يسود البلاد. وتقول قوات الأفريكوم إن هناك ما بين 400 إلى 700 مقاتل تابعين للتنظيم في ليبيا اليوم، غالبيتهم العظمى من المقاتلين غير الليبيين، خصوصا من تونس ومصر، وهم غير قادرين على العودة إلى بلدانهم وليس أمامهم من بديل سوى مواصلة القتال.

13